حرب

فجأة يسقط الضوء الرقيق الذي يغلف الأجساد العارية، هذا اللحم الفائض و الزائد عن حاجة الوجود. لم يعد لذاك النهد لسعة الألم التي تدفعك للاقتراب منه ولو في سبيل النظر، لم يعد مغلفاً بضوء الأمل، و تلك العضلات و ذاك الساعد القوي قد يكون لمجرم وقد تكون ليد رجل أدمن الترحال فكبرت عضلاته بفعل حمل الحقائب، لم يعد أماناً كما كان. ربما لكثرة مشاهدتنا الجثث الملقاة هنا و هناك لم نعد نهتم للحم البشري، وجوه شابة مرمية كشيء انتهت صلاحيته و كأن أجسادهم مزبلة، أجساد و وجوه أخرى مستنكرة، يقولون عنها أنها حيّة، هكذا يقولون. لجسد العدو حرمة، حرمة العرض، لكنهم سريعاً ما يتصورون إلى جانب جثث أعدائهم، أو يستمتعون بمشاهدتها، لم يعد للحم البشري ذات القيمة التي كانت قبل أكثر من خمسة آلاف عام في أعياد الخصب، لم تعد رائحة الجنس و العرق تُشعل الأرض باللون الأخضر، لا شيء سوى الرمال التي تبتلع الدم بسرعة مذهلة. أَرفعُ صخرةً في بريةٍ متأملاً العثور على نهدك، و أرفع صخرة أخرى باحثاً تحتها عن رغبتي، أريد للعري أن يرجع إلى دائرة الشوق، وأن أحتفل بثوب يكشف بداية الفخذين فأبحث عن بضع مليمترات إضافية، أرى أحياناً نهداً شارداً في الطريق، و أبحث عن شكل الفخذين التي أحب حتى تحت الثياب الفضفاضة لنساء يعبرن صوبي. ومضةُ أمل، ربما الأمل مرادف للألم، ثم أسأل نفسي ما داخل هذا اللحم، هل يستسيغ الوقوف فوق الجثث، في الماضي لم يكن هذا السؤال مطروحاً، كانت الأجساد طريةً تستطيع الأحلام اختراقها والغوص فيها، اليوم تبدو مثل أخشابٍ قاسيةٍ لا يستطيع حلمٌ أن يتوقف عندها، هل أتخيلها مجدداً؟ … ربما لم يعد هناك غابات تجري فيها وحوش نفسنا، أصبحت كل وحوشنا حيواناتٍ أليفة تذهب من الحظيرة للمرعى وتعود آمنة دون خطر، لم يعد هناك احتمال لعيون ذئب أن تلاقي عيون ذئبة، ذلك الشره المتولد كسيل بينهما، رغبة التمرغ بتراب غابة، و ذلك الرحيل بينهما الذي لا يحتاج للندم، كان ضوءاً و انفجر، و تنظر للسماء مرصعةً بالنجوم ولا يُخفيها ضوء القمر، فقدنا تلك الإباحية وذلك الفجور اللذيذ، جدلية ضوء النجوم وضوء القمر، وأصبحت كل الليالي مشمسة، ذلك الضوء القوي والحارق، لا مجال للتوهم والوهم، هو فقط الموت والأكل والحياة، أفتقد ذلك الشر داخلي، حين كنت تتعري أمامي، و نعلم معاً أن هذه الخطيئة تحديداً هي ما حذرنا منها الإله، لكننا في تلك اللحظة نفعلها بسعادة الانفجار غير الآبه بعقابه اللاحق، كنت جميلةً في المعصية، و كنتُ أجمل قبل أن أتساءل عن نوع الموت التي تفضلين رؤيته و نوع دين الجثث التي ترغبين برؤيتها، كنتِ جميلةً في ذلك الثوب الديني الذي تخلعيه في حضوري وتلقيه جانباً ليظهر العري فاقعاً إلى جانب المحظور المرمي إلى جواره، كان لجسدك رائحة الاقحوان، لا شيء مميز فيها، لكنها تُخرج الربيع كله من جسدي، يا لهذه الحرب ما أقساها.

نُشِرت في الجميع, بوح | أضف تعليق

أين صرفتم هذا

983612_647459615267743_632778433_n

في إحدى المحاضرات في نقابة المهندسين في اللاذقية قام محاضر بالتهجم على الشركة العامة للدراسات والاستشارات الفنية و قال أنها قبضت أجور جزء من دراسة لم تنجزها… يا للفساد العظيم! لقد تم وضع اليد على جرح هذه البلاد وموضع الخلل فيها وبإصلاحه ستصبح سوريا نقية مثل نيةِ و صدق هذا المحاضر العظيم.

 

في سوريا يوجد دائماً وعيٌ بعيد المدى لذلك يتهيب المسؤولون من إنجاز عقد بالتراضي مع مكتب هندسي خاص فهذا يثير شبهة الرشوة والعياذ بالله و يجلب دبابير التفتيش والأمن ويقود للمحاكم، العقود بالتراضي تتم مع شركة عامة مثل شركة الدراسات لكونها لا تستطيع دفع رشوة لأيٍ شخص كان وتتم أيضاً مع الجامعات الموقرة كونها جهة حكومية، لكن مهلاً فهنا الخديعة الكبرى، فالجامعة تستطيع دفع مبلغ رشوة محترم دون أن يشعر أحد بذلك، وهي أكبر مكان فساد في العمل الهندسي إذا استثنينا فسادها الأول وهو الفشل في انجاز خريجٍ لا يحتاج للحاق مدرسي الجامعات به بعد التخرج وسوقه الزامياً إلى دورة مأجورة يعود بعض ريعها إلى جيوبهم.

لنفضح لغير المطلعين بعد أسرار قذارة العمل الهندسي في سوريا… ما رأيكم؟

 

لا أذكر إن كان هذا المحاضر أحد أبطال الدورات الالزامية المأجورة! التي يتم سوق المهندسين لها في النقابة العتيدة بحجة رفع مستواهم العلمي في ثلاثة أيام ويشبه الأمر كتب “تعلم الانكليزية في 5 أيام وبدون معلم”، و معظم أبطال التعليم هم من الذين فشلوا في تطوير التعليم في جامعاتهم فلحقوا المهندسين لرفع سويتهم والأجدر بهم أن يقوموا بذلك حيث يجب عليهم أن يفعلوا ولو كان فيهم ضمير ولديهم علم فائض حقاً لما احتاج خريج جامعاتهم لدورة محو أمية هندسية لكن في هذه البلاد لا أحد يستحي.

 

إن بعض الظن إثم.. ولا أظنني هنا آثم فيما أقول.

أما بعد..

 

شركة الدراسات يا أصدقاء شركة حكومية تقوم بإنجاز الدراسات الهندسية للمشاريع الحكومية و عمرها أكثر من ثلاثين عاماً وفيها آلاف الموظفين لكن بها عيب خطير : أنها لا تستطيع دفع رشوة لكبار المسؤولين فهي بالكاد تستطيع تأمين رواتب كوادرها و تكاليف مقراتها و أدوات الانتاج فيها، و كل حركة الأموال فيها مضبوطة بوثائق ولا يمكن نهائيا إخراج نسبة عشرين أوثلاثين بالمائة من قيمة عقد دراسة لمنحها لذلك المسؤول أو لعدة مسؤولين لأن ذلك مستحيل أولاً ولو تم على سبيل الجدل لقاد معظم رؤوس الشركة إلى السجون دون أي تأخير.

 

و لكي يفهم غير المطلعين و غير المختصين ما معنى رقم عشرين أو ثلاثين في المائة من مشروع دراسة لمنشأة حكومية ضخمة أقول لهم أن الرقم هو بين عشرين وثلاثين مليون ليرة سورية في المشاريع الكبيرة والمهمة.

 

رقم جميل أليس كذلك؟

 

هذا ما لا تستطيع الشركة العامة تحويله لجيب مسؤول، لكن يستطيع فعل ذلك مكتب دراسات خاص أو جامعة عظيمة تستطيع إنجاب المدرسين الذين يهاجمون الشركة في مقر النقابة التي اكتشفت فجأة حسنات التدريس الالزامي للمهندسين.

كيف تختلف شركة الدراسات عن الجامعة، ولماذا يجب أن تُعامل الجامعة كمتعهد خاص مثلها مثل المكاتب الهندسة الخاصة ولا يجب أن تعامل كجهة حكومية مثل شركة الدراسات ذات الهيكلية المضبوطة والتي كل حركة أموالها تحت المجهر وفي الضوء وفي العلن.

 

لنفترض أن أجور الدراسة مائة ليرة سورية فقط، يذهب منها حصة الجامعة على الأكثر خمسين في المائة وتبقى الخمسين نظرياً في جيوب بضعة أشخاص هم فريق الدراسة و عادة لا يتجاوز العدد عشر أشخاص أو على الأكثر عشرين.

 

لنتحدث عن أرقام واقعية و حقيقية! مشروع يكلف عشرة مليارات وهو رقم عادي في هذه الفترة تكون أجور دراسته حوالي 300 مليون ليرة سورية، نصفها للجامعة وهذا مبلغ تحت الضوء مثله مثل المال الذي يذهب لشركة الدراسات و نصفه 150 مليون يذهب نظرياً لجيب عشرة مساكين!، نعم مساكين لأنه لا يذهب لجيوبهم كما هو حتماً، لكن يُسجل باسمهم وأي حكومة تقرر ولو بعد عشرين عاماً أن تسأل ليس السؤال الشهير: “من أين لكم هذا” ….بل: “أين صرفتم! هذا” ستكتشف بسهولة فائقة فجوة كبيرة بين ما تم تسجيله كمقبوضات لهؤلاء المدرسين وبين ما دخل في حساباتهم البنكية وأموالهم الأخرى على شكل عقارات وأمولٍ ثابتة، الحل إذا أن لا تأتي مثل هذه الحكومة الافتراضية وتسأل هذا السؤال اللعين الخبيث وتدقق في حركة الأموال كما تفعل مع القطاعات الحكومية مثل الجامعة وشركة الدراسات.

 

نعود الآن لمحاضرنا العتيد الذي يتحدث عن الجريمة النكراء الذي اكتشفها وهي تتطلب مجرمين اثنين، شركة الدراسات التي تعيل آلاف الموظفين والتي تدين لها بقية الجهات العامة بمبلغ يفوق المليار ليرة بأسعار ما قبل الأزمة، والطرف الآخر هي الجهة التي صرفت! هذا المبلغ الجريمة. هذا أولاً لم يحدث بالطبع، ولو قلنا أنه حدث على سبيل الجدل والايضاح لكان مال دولة ذهب إلى جيب دولة و لم يذهب كرشوة لمسؤول أو لجيب مدرس صادف حظه وجوده في جامعة تستطيع إخفاء حركة الأموال الحقيقية و تستطيع الحصول على عقود بالتراضي مع أنها مجرد مكتب خاص نصف أمواله فقط للدولة والباقي غير خاضع للرقابة المالية الحكومية.

 

لو كان هذا المحاضر العتيد مهتماً بالشفافية و النقاء والإشارة لمواضع الفساد لأشار للجامعات التي تخرّج مدرسي الدورات الالزامية وأشار للنقابة العتيدة التي تكتشف دائما إمكانية بناء طابق إضافي فوق مبنى قديم غير مدروس أساساً ليتحمل وزناً إضافياً فوقه لكن تكتشف لجان الخبرة! أنه يمكن ذلك، الاشارة و الطعن بجهة حكومية سهل، هم يتوقعون أنه لا يوجد أحد ليرد عليهم.

 

هكذا كانوا يعتقدون!

 

إن كان مقدراً لك يا عزيزي المواطن الشريف و النادر في البلد أن تصبح مسؤولا في يوم من الأيام فتذكرني لأني قد أكون وقتها مقتولاً أو مسجوناً و تذكر أن تسأل “أين صرفتم هذا” بدلاً من أين لكم هذا وستكتشف يا عزيزي المسؤول المستقبلي الافتراضي… العجب!.

 

نأسف للإطالة وإزعاج البعض.. لكن من ابتلي بالمعاصي فليستتر، وهذا أضعف الذكاء.

نُشِرت في فكرة | أضف تعليق

الهوية

حين وضعت خبراً على صفحتي عنوانه: “قائد الحرس الثوري الإيراني: طريقنا نهايته سيطرة الإسلام على العالم”

تنبه البعض للأسلوب الصريح والواضح والمباشر لقول الأهداف علناً ودون أي تقية وهذا شيء محترم بالطبع من قبل التيار الديني الإيراني و أجندته الإسلامية الخاصة بمذهبه، هم يقولون ما يؤمنون به وما يعملون عليه ليل نهار، و هذا ما يفعله تنظيم القاعدة و من انشق عنه مثل داعش والخلاف بين الأصل والفرع لا يكاد يُذكر.

حين بايع الجولاني تنظيم القاعدة التزم بمنهجه و بقيادة الظواهري، و حين يُعلن حزب الله التزامه بقيادة الخامنئي فهو أيضاً يعني التزامه بكامل المنهج الذي يسير عليه، و بالتالي قائد الحرس الثوري و نصر الله هما متفقين وليسا مختلفين على الأهداف الاستراتيجية ولا على تحقيقها تكتيكياً ولا استراتيجياً، هما واضحين في عقيدتهما وإن كان نصر الله ولاعتبارات محلية مضطر لتأجيل الصدام وإعلان ما أعلنه قائد الحرس الثوري الإيراني دون مواربة أوخجل.

المشكلة بالتأكيد ليست في التيارات الدينية فهي تعي ما تريد ورؤيتها واضحة في هذا المجال وتعرف كيف تستخدم أعداءها الطبيعيين مطيّةً لتحقيق أهدافها، التيارات الدينية لديها هوية واضحة و منجزة و كاملة، بينما التيارات العلمانية و اليسارية ما زالت ممزقة بين هوياتها الدينية السابقة وبين هويتها الفكرية الجديدة، كثيرون من المنتمين لهذه التيارات كانوا من الذكاء بما يكفي و ترفّعوا عن التعليق على كلام قائد الحرس الثوري فهم مثل رفاقهم على المقلب الآخر الذين يتعاطفون مع الجولاني والبغدادي تحت اسم ثورة، هم أيضاً لديهم هوية زائفة و مريحة للضمير و المظهر العام اسمها ممانعة تنفع كتقيةٍ للتعصب الطائفي داخلهم أو كطبقة واقية تمنع آلام التحكم و التسيير من الوصول لمفاصل عقلهم وضميرهم. هم أذكياء لأنهم تجنبوا السؤال التالي لإدانتهم السلوك الطائفي والديني الاقصائي و السؤال الذي هربوا منه هو:”من نحن؟ وما هي هويتنا الحقيقية؟ “.

هؤلاء أذكى بكثير حتماً ممن شعروا بالغضب من تصريح الايراني و غدا سيجلسون ليتابعوا خطاب نصر الله ويشعرون بالوحدة معه وبالاستسلام لقيادته، أفهمهم جداً وأفهم سلوكهم، في زمن العار الذي نعيشه فصولاً متتالية نحتاج لم يقول لا، و يقاتل مؤمناً أعداءه في ظل ظلامِ أنظمةٍ ذبحت كل أعداء الاسلاميين والآن تشتكي منهم و من سطوتهم، و ما هي إلا مسألة وقت حتى ينقضّوا عليها و يبيدوها لأنهم فعلوا ذلك من قبل على المستوى المعنوي و ليس لديهم سوى النقلة العسكرية التالية، فالناس ملّت من الشعارات و النفاق والفساد واللصوصية حتى بات الشيوعي والبعثي و القومي السوري أسيراً للخامنئي أو الظواهري و ما بقية الأسماء سوى أمراءٍ لدى التيارين وهذا ليس سراً إنما تصريحاتٌ علنية موثقة بالصوت والصورة على لسان هؤلاء الأمراء وهم لا يخجلون منها لأنها من صلب عقيدتهم لكن من يخجل منها هو الشيوعي والقومي السوري المضطر إلى اختراع كذبة يبرر فيها خفقان قلبه لسماع كلمة الجولاني أو نصر الله.

نحن هنا نختلف حول أي إسلام سيحكم العالم وليس حول إن كان سيحكم أو لا، لا أحد من الخافقة قلوبهم معنيٌ بقراءة تراث الطرفين و مقارنة الاختلافات في شكل الدولة والمجتمع المنشودين من قبلهما، لكن ما يعنيهما حقاً هو فضح فظائع الخصم الديني للطرف الذي تهواه نفوسهم. لا يمكن لمن حفظ تراث سعادة و مقولات لينين غيباً على طريقة الإسلاميين أن يُنتج سوى نسخةٍ مشوهةٍ من الإسلام السياسي لا تلبث أن تعود لأصلها، طالما حَفِظَ هؤلاء النصوص وقدسوها و لا يجرؤون على انتقادها وهدمها لبناء ما هو أفضل منها فعودتهم لبيت الطاعة الإسلامي ما هي إلا مسألة وقت ليس إلا، لا يمكن لمن هم بدون هوية أن يقاوموا من له هويةً واضحةً وعقيدةً راسخةً وفي أسس هويته الولاء والبراء و عدم التشبّه بمثل هؤلاء الذين في قلوبهم زيغٌ وشك في عقيدتهم وفي تحديد من هم أعداؤهم ومن هم أصدقاؤهم وفق منهج القواعد والسلوك الفعلي لا وفقاً لأهواء النفس وابتهاجاتها.

لا أحد من شيوعيي حزب الله وبعثييه و قومييه السوريين يتجرأ ويسأل نفسه ما الفرق بين حسن الله وقائد الحرس الثوري الإيراني في مسألة العقيدة والايمان و الطاعة للولي الفقيه في إيران، هم ممانعون في مقابل زملائهم في العقيدة الثوار بإذن الله إلى جانب الجولاني والبغدادي. هي مسألة هوية شائكة ومؤلمة جدا،ً و مواجهة النفس هي من أقسى المواجهات لذلك لا بد من الحجاب، والحجابُ أنواعٌ، منه البرقع الذي اسمه ممانعة أو ثورة و يُخفي وراءه الوجه فلا ترى ملامح صاحبه ولا تميز بين برقع وآخر، و منه ما يبرز الوجه والكفين واسمه تحالفٌ مرحلي، ومنهم من يُضمر الخسّة ويعتقد أنه سيذبحهم أو على الأقل سيلجمهم بعد الانتصار و يظن أنهم بلهاء لا يشعرون به وأنهم ليسوا مستعدين للفطور به قبل أن تسنح الفرصة له ليكونوا هم وجبة عشائه.

بين الركوع لأنظمة الفساد وبين التبعية للأنظمة الدينية تضيع معظم طاقات الرفاق!، يُرسلون الشباب و من بعدهم مستقبل هذه البلاد إلى هاويةٍ سحيقةٍ جداً، مسألة الهوية الواضحة التي لا تقبل التقية البغيضة والبائسة لم تعد مطلباً نافلاً بل حاجةً حيويةً وضرورية لإنقاذ هذه البلاد من مصيرها المحتوم، يومَ يَسألُ الفرد القيادي نفسه كيف أتعلم من نصر الله ومن الجولاني والبغدادي لكن وفقاً لهويتي، كيف أكون قائداً مثلهم لا تابعاً ينتشي سراً لكلامهم و يخرج للناس يدعوا لما ليس هو فيه.

أتحدى من يتابع أحد الفريقين الدينيين المتصارعين و نفسه تهوى أحدهما أن يكون قد قرأ تراثهما وحدد ما هي اختلافاتهما الفقهية ليفهم أن منهجهما واحد واختلافهما في التفاصيل و بالتحديد من له الحق في أن يسود على الآخر و هذا لب القضية العالقة بينهما منذ أكثر من 1400 عام.

إقرأ.. فالكتب الدينية لا تعض قارئها وهي أهم من حفظ مقولات لينين ومقالات سعادة و المنطلقات النظرية التي ما زالت نظرية حتى تاريخنا الحالي ولن تكون غير ذلك.

نُشِرت في الجميع, سياسة | أضف تعليق

مقهى الشريفة -العاهرة سابقاً

16865000_10154093648726862_8134238152479073853_n

مقهى الشريفة (” العاهرة سابقاً “)… هل هي قصة حقيقية أم مجرد خيال شعبي؟
……….
يُحكى أن رجلاً افتتح مقهى في حي شعبي و سماه “مقهى العاهرة”، ونجح هذا المشروع نظراً لاسمه الغريب الذي تناقلته ألسنة الناس و التي تحب كما تعلمون الخوض في أحاديث حول هذا الموضوع و مشتقاته، و في يوم من الأيام زار وفد من كبار رجال الحي صاحب المقهى وقالوا له أن اسم مشروعه الناجح يؤثر على سمعة الحي و سمعة قاطنيه، وتحت ضغط جيرانه غير اسم المقهى وسماه “مقهى الشريفة” وبما أن هذا الاسم لا يثير جدلاً، ولا يثير خيالا،ً تناقص رواد المقهى حتى كاد صاحبنا يفلس و يضطر لاقفاله، لذلك فكر مالك المقهى بحل ينقذه من الافلاس وفي الآن نفسه لا يجعله يتراجع عن وعده بتغيير الاسم للجيران.

و في صباح اليوم التالي قرأ جميع سكان الحي اسم المقهى الجديد:

“مقهى الشريفة : العاهرة سابقاً”.

يظن القارئ أن هذه القصة لا يمكن أن تحدث أبداً لكن أجزم و أؤكد للجميع أنه يمكن حدوث أكثر من هذا في حيّ “الرفاق” وهو حي شعبي موجود بالفعل ويعيش فيه الملايين من السكان المساكين.

اليوم مثلاً ذهبت إلى مركز خدمة المواطن في اللاذقية، و جلست على مقعد مريح مثل أي مواطن خمس نجوم في دولة متقدمة، وبالفعل ربع ساعة فقط من الانتظار الجميل مع صوت “فيروز” والأغاني الصباحية التي اعتدنا عليها و التي تسبب السعادة: لأنها فيروز أولاً و ثانياً لأن صوتها ارتبط في مخيلة السوري مع موزعي اسطوانات الغاز المنزلي ومجرد سماع المواطن لصوت فيروز يتخيل تلقائياً اسطوانة غاز و هذا يكفي وفق أبحاث العالم “بافلوف” لانتشار السعادة في جسد المواطن السوري.

المهم يا سادة يا كرام ولفرط سعادتي “المواطنية” خرجت دون أن أنظر في البيان العائلي، وبعد عشرين متراً تحرك الحس البافلوفي الثاني للمواطن السوري المثالي، و هو الشك بكل ما تقدمه حكومة الرفاق والتمحيص فيه، فعادة يكون “الخازوق” “أقرب إليك” ويبدو أني استعرت هذه الجملة الأخيرة من حملة دعائية لشركة ما، لكن أظن أنها هنا موجودة في السياق الصحيح للجملة. هذا الحس البافلوفي الثاني قاد لرؤية اسمي واسم الزوجة و كلمة “شيخضاهر إسلام سابقاً”! وهي جملة سنعود لذكرها لاحقاً، لكن لم أجد اسم ابني، فعدت مسرعاً لأعرف كيف تم “تعفيش” اسم الولد من هذه الوثيقة الرسمية، أجابتني الموظفة “يمكن أن يكون السبب أنك لم تسجله! “، كيف لم أسجله في السجلات الرسمية وعمره 16 عاماً ومعه هوية وجواز سفر غير قابل للتفجير والاحتراق ويبقى في مكان الجريمة حتى بعد تفتت وتشظي صاحبها، كيف وابني يستعد لكي يكون مواطناً معترفاً به بعد سنتين وصوتاً انتخابياً يقوده الرفاق و تلامذتهم إلى المعركة الانتخابية لانتزاع صوته في صناديقهم حيث لا صوت يعلو فوق صوت معركة الرفاق، كيف هذا يا أخوتي في الوطن و المواطنة و مركز خدمة المواطن.

التفسير التالي بعد هذا الاعتراض المقنع كان : أن ولدي و حشاشة كبدي موجود ورقياً وليس موجود الكترونياً ويجب تصحيح هذا الخطأ في مديرية النفوس، و هو ذكر تام مسجل في خانة حي الشيخضاهر. وهنا حكايتنا الأساسية و قصة العاهرة والشريفة ولا أعلم أي من هاتين الصفتين هي سابقة للأخرى.

والحكاية يا سادة يا رفاق! أن الرفاق قرروا أنه لا مزيد من الطائفية بعد اليوم، و كان قبلاً يوجد شخضاهر اسلام و شيخضاهر روم و شيخضاهر مسيحية و قبل قبل! شيخضاهر سنة و علوية و دروز واسماعيلية والمسبحة طويلة، المهم أن الرفاق قرروا وبلحظة كرامة و جرأة نادرتين في تاريخهم النضالي مواجهة عادات المجتمع البالية، و مواجهة طائفيته البغيضة و القول أن الجميع مواطنين سوريين، و مولدهم هو في ذلك الحيّ: “شيخضاهر” ولا مزيد من الصفات الطائفية بعد الآن، … الله حيوا.. من أين لكم هذه الجرأة يا رفاق وأنتم نصف إخوان و نصف نيام!، و لكي لا يخيب الرفاق ظننا ولأنهم أجبن من أن يقوموا بعملٍ مثل هذا ظلوا ولمدة أكثر من عقد و حتى تاريخنا الحالي يكتبون في وثائقهم الرسمية: “شيخضاهر” لارضاء العلمانية المزعومة، و يكتبون أيضاً “شيخضاهر إسلام سابقاً” لإرضاء الإخونجي الصغير المستتر داخلهم، و لولا الحياء لكتبوا شيخضاهر علوي، شيخضاهر ماروني، شيخضاهر أرثوذكسي ألخ ألخ ألخ. وعندها سيفرح شيخ القرية و شيخ المدينة وشيخ الكنيسة و كل شيوخ الطوائف ونبكي نحن!.

هامش: يُقال أيضاً أن الاسم السابق لمقهى الشريفة لم يكن “العاهرة” بل كان لفظة ألعن منها بكثير وأشد قبحاً لكن آثرنا هنا إيراد ما اتفق عليه فقهاء الأدب و إهمال الروايات التي يتداولها فقهاء قلة الأدب.

و الخلود لرسالتهم.

أمة عربية واحدة، ….. سابقاً!.

نُشِرت في فكرة, الجميع | أضف تعليق

انتماء!

يُقال أن هناك من يتصل بمؤسسة الكهرباء ويقول لهم أريد الكهرباء فأنا في الحارة الفلانية وأريد استخدام المصعد!، أو أنا في المطعم وأحتاجها وقت الغذاء، ربما هذه الاشاعة العجيبة ليست إشاعة أبداً في زمن القبائل والشيوخ والداعيات الخمس وسبعون ألفاً، و في زمن أفراخ آيات الله، وفي زمن المؤلفة قلوبهم والمؤلفة جيوبهم والمؤلفة بطونهم، وفي زمن دافعي الأتاوات ومرددي الشعارات، و في زمن الأنا الذي اختصر كل “نحن”، وفي زمن الفلاح الذي همه الوحيد أن يظهر بمظهر الاقطاعي الذي أذله سابقاً بعد أن فشل فشلاً ذريعاً في أن يكون أي حالةٍ أخرى لها قيمة اجتماعية أو أخلاقية، و في زمن العائلات المهووسة بإعادة عصر الاقطاع رغم أن العالم يتحضر برمته للانصهار! .. لذلك تجدهم يحفظون بعض الكلمات الفرنسية كذخيرة للمرحلة القادمة مستحضرين ذاكرتهم التاريخية باعتبارهم ينتمون لبقر فرنسا وليس للبقر المحلي، البعض الآخر للأمانة مازال يحفظ الكلمات التركية لأن البقر الفرنسي لا يناسب منبته الديني لذلك هو مولع بالاسطبلات التركية. لدينا في سورية أزمنة مختلفة متصارعة، لذلك الكهرباء وهي عنصر حديث تحتار كيف تجري في هذه القنوات القديمة و خاصة في زمن الشح والتقنين، وبما أني أسكن في حي لا ينتمي لأي من هذه القنوات وليس فيه مطاعم ولا يزوره كبار الشبيحة والداعيات والتجار وذوي الدم الأزرق والأصفر والبنفسجي لذلك تنقطع الكهرباء فيه كثيراً، والآن أتت على شكل ومضات، ربما السبب في ذلك فلاح سابق يتصارع مع اقطاعي سابق لاثبات من هو أكثر أهمية وحظوة عند مسؤولي الدولة العميقة ، والنتيجة فلاشات كهربائية، أريد الكهرباء لأعمل عملي الاضافي وأحصل على طعامي فقط، لكن حتى هذه المكرمة! غير متاحة لنا في زمن الرفاق راعيي الطوائف والاقطاع والمجرمين من كل نوع ولون، أن تكون سورياً فقط عليك كل لعنات الله و الرفاق، يجب أن تبحث عن دمغة طائفية أو عشائرية أو تكون تابعاً و عميلاً لدولة اقليمية ما و عندها تستطيع أن تدخل في حضن الوطن وتخرج منه عشرات المرات كما ولدتك أمك!، و تحصل فوق ذلك على الكهرباء ساعة تريد وحيث تريد.

أمة عربية واحدة ذات رسالة إسلامية خالدة و تحيا سوريا وبوريا وعوريا وخوريا على سنة آيات الله، ويا رفاق العالم صلوا على النبي، والاسلام هو الحل، والغرب هو الحل ولو اغتصبني! وشردني وهجّرني، و الموت لمن بقي بلا دمغة وبلا قطيع.

نُشِرت في فكرة, الجميع | أضف تعليق

في دمشق أكثر من 40 ألف بيت لبيع الجنس

36967_131917346842871_128416300526309_201829_3737094_n

قرأت هذا المقال في التاريخ المذكور،  و فيما بعد بحثت عنه طويلاً ولم أجده في الانترنت ، واليوم بالصدفة وجدته منسوخاً في أحد المنتديات..  فأعدت نشره،  وأعتقد وفق ذاكرتي بأنه النص الأصلي دون تعديل عليه.

في دمشق أكثر من 40 ألف بيت لبيع الجنس

نبيل الملحم – موقع شوكوماكو
13/ 12/ 2009

سنؤجل حديث الارقام والبيانات، وسنقف في شارع بغداد، لا بل في مائة متر من شارع بغداد، مابين مشفى الهلال، والى الامام قليلا من مكتب لبيع السيارات.
مبدئيا بالوسع ودون فائض خبرة التساؤل: ما الذي تفعله تلك البنت تحت هذا المطر، وبيدها محمول لاتلبث أن تعيد عبره طلب رقم، أو ترد على رقم، ومن ثم تروح وتعود بقلق يشي بأن ثمة خطر ما يطارد هذه البنت. لابد وأن تكشف.. وأيضا دون عناء أنها تتصل بزبون ليأتي اليها فـ: -اليوم ماطالعت ولا ليرة!!!
ستقول لك ذلك حين تسألها ان كانت في ورطة ما، ولكنها لن تتردد في القول لك اسم مهنتها الصريح، وتتابع لتنبئك بما تستطيع أن تقدم لك من خدمات ومن تلبية متطلباتك الاضافية ان كان لك ثمة طلبات. اسم البنت الرمزي “منتهى”، وهي تقول، أنها واحدة من أربع زوجات لرجل شديد البطش والقوة، وهو سيبطش بها ان عادت بلا (الغلة ) المطلوبة، وتسألها:

– ماهو المبلغ الذي يجب أن تعودي به، فتجيبك ثلاثة آلاف ليرة سورية، بالحد الادنى، ويجب أن تعود الى البيت، فهي ليست بنت (بيات).

– بيات، مصطلح يعرفه الضالعون في المهنة ومعناه:” المبيت”، فمنتهى ليست بنت مبيت، هي بنت تعمل على الساعة، والساعة يمكن هدرها حيث ستختار، فان كان لديك منزل، حسنا، وان لم يكن لديك منزل فالى منزل صاحبتها (صباح)، وثمة اضافات على التسعيرة هنا، فصباح تؤجر منزلها بـ (500) ليرة سورية على الساعة، وان كان لابد من الاستحمام يضاف (300) ليرة سورية، وهي تؤكد أن منزلها مؤمن تماما، فثمة عيون ساهرة على رعايته، من العيون التي تراقب تجارة الجنس في دمشق، وباللغة الصريحة عيون من شرطة الآداب.

بروليتاريات:
المعلومات السابقة، ليست اكتشافا يحمل أي جديد، كل مافيها اقرار بواقع حال بنت بياعة جسد، ولكن على الصف نفسه من شارع بغداد، العشرات المتبدلات اللواتي يتحولن الى مئات، ولكل منهن قصة، ولكل قصة مايكفي من الاسباب الموجعة ، فبنات الشارع غير بنات (التواصي)، فثمة في مهنة بيع الجسد مستويات، فهنالك (بروليتاريا) وهناك (فئات وسطى)، وهنالك مجتمع مخملي، يراكم فوق المخمل مايكفي ليكون أكثر مخملية مما هو عليه، ولنبقى مع بروليتاريا بنات الهوى، لنتقدم بعدها خطوات بالاتجاهين الآخرين.

نسرين:
بداية تطلب نسرين ثلاثة آلاف على الساعة، ومع قحط الزبائن تتنازل الى (ألفين)، وبعد مجادلة لاتخلو من العنف تصل الى الالف، ولحظتها يقطع عليك الطريق سائق تاكسي، ليقف الى جانبك ويقول: -اتركك منها هاي جربانة، عندي ست ست ستها. العرض يغري، وحينها تصعد التاكسي، فيلحظ سائقها أن ثمة مفاتيح سيارة في يدك.. يسألك: -الاستاذ عندو سيارة؟
عليك أن تقول لا، على الاقل، كي لايرفع فاتورته تبعا لوضعك المالي المرتفع، بصفتك من أصحاب السيارات. سيقصر الطريق عليك ويقول لك:
-عندي بنات (16)، وعندي بنات (30) وحين تشكو من خصوصية مزاجك وكونك لا تتقبل (على الماشي)، يقول لك، لن أستطيع أن أعرض عليك الكثيرات، وعندما تقول له أنك ستدفع مقابل المعاينة ، يجيبك، وهو لايخلو من الشك:
-عظيم بتدفع (500) على كل عرض؟
-أدفع.
-واذا قلت لي: لم تعجبني ولا واحدة.
-أكون قد دفعت لك.
– هذا مو كلام.
– ماهو الكلام؟
-تدفع (2000)
– بل (1500).
– اتفقنا.

مجموع المبالغ التي دفعت للسائق خلال جولة طويلة وصلت الى (4000) آلاف ليرة سورية والرحلة كما التالي:

– المشوار الاول الى دوار كفرسوسة، وفي واحد من منازله مالايقل عن خمسة بنات، ورجل واحد يحمل شاربين كثين، وفمه محشو بالخبز والجبنة البيضاء، والعرض بطبيعة الحال سريع، ولكنه مكشوف.

– المشوار الثاني الى مخيم فلسطين وفيه امرأتان في العشرينات من عمرهن.
– وفي المشوار الثالث، ستجد نفسك في حي يسمونه دف الشوك، وفي دف الشوك هذا بنات صغيرات لايزيد عمر الواحدة منهن على العشرين عاما، ولا شك بأنهن محطمات الى درجة تسمح للواحدة منهن أن تكون أكثر قسوة من حطب الاشتعال.

– أما المشوار الرابع فقد كان الى منطقة الطبالة وهناك دار مبنية كما الحلزون، وعليك أن تصعد درجا، ليوقظ مرافقك بحذائه، البنات النائمات اللواتي سئمن من انتظار الزبون، والنتيجة عرض ليلي، ربما يصل عدد العارضات فيه الى مايتجاوز الـ (15) امرأة، لاشك بأنهن التمثيل الأكثر وضوحا للانسحاق الانساني، للذين كانوا بشرا وسقطوا، للموت المؤجل الذي يأتي بالتقسيط، وقد تكون (ريما)، أكثرهن انسحاقا، وهي التي تعمل لحساب رجل (طيان) ترك الاسمنت وعاش من عرقها، لترى آثار حروق تنتشر فوق جسدها .

– يقول لي سائق التاكسي، أنها (الحروق) ناتج امعان عشيقها في تعذيبها. السائق نفسه سيعرض عليك ماهو أكثر من ذلك سيقول لك:
– ياأخي انت مزاجك صعب، طيب لن أترك لك حجة، سآخذك الى مكان فيه مائتي بنت، وهناك لن تستطيع القول: لم يعجبني.
عندها لابد من الاعتذار لأن الوقت قد حان لمغادرة بنات البروليتاريا، وحان للذهاب الى المخمليين.

بين الجنس الشعبي وجنس النخبة:
المخمليون ينتمون الى أبو ياسين، ولن يذهب الخيال بنا بعيدا، فهو رجل في الاربعين، بالغ الاناقة، متين البنية، واثق الخطوة، ومقابلته ليست باليسر الذي يمكن توقعه، فحين تطلبه على هاتفه المحمول، سيخبرك المجيب الآلي اترك رسالة، وعليك أن تترك رسالة، فما الرسالة التي يمكن تركها (لأبوياسين)؟
ستقول له: أنا من طرف هافال.
– سيسألك من هافال؟
– ستقول له، هو (كذا وكذا وكذا)، وليتني أقابل أحدا ممن عندك. الوقت بالنسبة لابو ياسين لايحتمل التردد، ولا النقاش الطويل، وستأخذ عنوانه ومعك (25) ألف ليرة، وهناك ستدخل بيوتا فارهة، مزينة بورود حقيقية، وسترى شاشة تلفاز لايزرية، وسيقدم لك مشروبا ما، وستدخل سيدة لا تقاوم، ولا شك بأنك سترتبك.. سيدة تحيل الرجل الى صرصار.. سيدة لاتنتمي الى المتوفر من السيدات، وبعدها ستعرف أن تسعيرتها أعلى بكثير غير أن موسم الشتاء، وشحة الزبائن، وحظك الطيب سمح لها بقبول هذا المبلغ الهزيل، ولكن كل تلك الاسباب مجتمعة لن تحول دون أن تنظر اليك بازدراء باذخ.
– بصفتك تنتمي الى (البروليتاريا)، فاذهب اليهن.. ما الذي جاء بك الى هنا؟
بطبيعة الحال ليس بالوسع أن تقول لها : تحقيق صحفي.

ليس بوسعك أن تقول ذلك لأنك ان قلته فلابد وأنك تكذب، كما لابد وأنها تعرف أنك تكذب، لتعرف أنت أنها تعرف أنك تكذب، فاغراءات الكشف تفوق في اغرائها تحقيقا صحفيا، أي كان ناشره وقارئه والمندهش منه أو المتذمر عليه.
هنا المخمل، وهناك بيوت عريقة في الرطوبة والحاجة والموت، ورائحة النشادر تنتشر في كل مكان. . هنا بيوت النخبة وعلى الطرف الآخر : الجنس الشعبي.

– عواصم:
اللوحة مرئية بالتمام والكمال، وقد تكون دمشق، واحدة من العواصم التي تنتشر فيها مهنة بيع الجسد، تماما كحال كل عواصم الكون، وليس ثمة مايدفع لتأكيد المؤكد، ولكن ثمة مايتطلب المجازفة في مواجهة الظاهرة، ظاهرة بنات بيع الجنس، باعتبار الظاهرة مهنة، وباعتبار المهنة ممنوعة قانونا، وباعتبار القانون مسكين وأعزل، وربما قاتل في بعد ما من أبعاده، ولنلاحظ التتبع القانوني لهذه المهنة، بعد عودة قصيرة الى تاريخها في سوريا، ولو بملامسة سريعة.

حسب التقارير الفرنسية، فقد تم احصاء 251 امرأة تمتهن بيع الجنس في سوريا حتى العام 1920، وكانت الحكومات السورية المتوالية، قد أباحت هذه المهنة وفق تراخيص قانونية حتى عام 1958 حيث تم اغلاق دورها وفقا للقانون رقم 10 والقاضي بالغاء الدور الخاصة بهذه المهنة، وأشهر الدور في العاصمة كانت في منطقة السروجية وكذلك في المبنى المقابل لكلية الهندسة بجامعة دمشق، أما في المحافظات السورية، فكانت هذه الدور منتشرة في دير الزور وفي السويداء، وربما أكثر الدور شهرة (بحسيتا حلب) التي استمرت حتى منتصف السبعينيات حيث تم اقفالها.

حين كانت تلك الدور ثمة حقائق كانت مترافقة معها ومن بينها:

– الكشف الطبي الدوري على النساء بائعات الجنس.

– الغاء دور الوسيط الذي يمارس ابتزازا ماليا على العاملات بهذه المهنة.

– حصر ممتهناتها في دور محددة، بحيث تحال المشتغلة في هذه المهنة اذا ماثبتت عليها، احالتها على احدى هذه الدور، بما يسمح بمعرفة من من النساء يعمل بها.
ما الذي يحدث الآن؟

لنتابع هذه الارقام ونعرف: في دمشق أكثر من 40 ألف بيت لبيع الجنس، حسب دراسة نشرها الدكتور الطيب تيزيني.

ترخص نقابة الفنانين، لكل اللواتي يعملن في الملاهي على أنهن فنانات، وتقبض عن كل واحدة منهن، وفي دمشق مايزيد عن 200 ملهى ومرقص وكل ملهى يحتوي على مالايقل عن 20 راقصة، أي مامجموعه 4000 آلاف راقصة، هن في واقع الحال يعملن في بيع الجسد، وبوسع المهتمين بالشأن القانوني، استقصاء هذه الاماكن والبديهيات لاتحتاج الى توثيق.

مهنة بيع الجنس قائمة والقانون يمنعها، وسوريا عضو في اتفاقية قمع الاتجار بالنساء الموقعة في نيويورك (1950)، وفي النهاية لابد من تحديد اختياراتنا، فاما ان تدافع الحكومة عن القانون المعمول به راهنا، واما أن ترخص لهذه المهنة، وتقدم كل عوامل ضمان الرعاية الصحية والحماية من الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات بهذه المهنة، والحيلولة دون استغلالهن، ولكن ثمة من يحيل الحفاظ على المنع الى جملة مصالح، المستفيدون منها، هم الذين يجب عليهم منع هذه المهنة، فقد سبق وأظهرت بعض التحقيقات رعاية بعض المتنفذين لعمل شبكات من بنات بيع الجنس، وثمة قضية شهيرة كانت قد أثيرت عبر موقع متخصص بقضايا المرأة السورية، عنوانها قضية ناريمان حجازي، التي كشفت عن شبكة يرعاها متنفذون كبار، ولا بد أن ثمة الكثير من الشبكات التي مازالت مجهولة، أو شبكات يمكن الكشف عنها بناء على صراع متنفذين. الحال هو ماتقدم، والحل يتطلب الاقرار بحقائق الحياة والتعامل مع القوانين لا بصفتها (رغباتنا)، وانما بوصفها معادلة للحياة.. البنات الساقطات (وأنا لاأقر بالمصطلح) يقابلهن قانون ينخفض عنهن كثيرا، وتطبيقات لابد وانها تحتمل الكثير من المفردات المساوية للاسم الصريح والشعبي والدارج لاسم مهنة هؤلاء البنات.

نُشِرت في أخبار و مقالات مختارة, الجميع | أضف تعليق

حروب الفقراء

يضعون صوراً للأحياء التي سعر الشقق فيها عشرات الملايين قبل الحرب و يقولون لك انظر ماذا فعلت الحرب بسوريا، و القصد إدانة سياسية للطرف الذي يكرهون، هذا الطرف بعضه سيء وإرهابي و طائفي، و بعضه فقير بسببكم، و بعضه أعماه الغضب بسبب تجاهلكم لمعاناته وبؤسه، وبعضه لم يجد طريق غير هذا! فكما تقودون أنتم الفقراء إلى الحرب بمائة دولار أو أقل و المكافأة بعد الموت صفة مجاهد! كذلك يفعل من تكرهون!.

هل تتجرأون يا أصحاب الوطنية أو أصحاب المعارضة الشريفة! تحت سقف! الوطن و بعضها فقس في حضن التجار و بعضها فقس في حضن أفرع الأمن، هل تتجرأون على وضع صور العشوائيات و منابت الفقر والطائفية من الطرفين و تقولون هذه سوريا قبل الحرب؟، هل تستطيعون وضع صورة إنسان أكله الفقر ويبحث عن شيء يبيعه داخل حاوية قمامة، هل تستطيعون الاعتراف بعدد العمال الذين ليس من حقهم وجود راتب تقاعدي لهم وهم أذلاء عند أصحاب البيوت الذين تضعون صوراً لأحيائهم الراقية!، كلمة طائفية سهلة، كلمة خونة سهلة، كلمة متطرفين سهلة، أما كلمة مظلومين فهذه صعب أن ينطقها ظالم أو كافر يعتقد أنه يستطيع أن يشيح نظره عن مظاهر الفقر ويعتبرها غير موجودة و ليحترق الفقير و عائلته وأطفاله فهو يظن وهماً أنه يعيش بأمان!

نُشِرت في الجميع, سياسة | أضف تعليق