حصار

 93e9ff736cbe1811a6edf340875288ab

تلك الأرض أعرفها، أمر من جانبها كل يوم، ليس فيها أي شيئ سوى الأعشاب وبعض الشجيرات البرية، و لأنه مرت سنوات دون طارئ جديد فيها أدمنت المرور من جانبها شارد الذهن كعادتي، و كان كل شيء على ما يرام إلى ما قبل سنة تقريباً، يومها رفعت رأسي صُدفة، شارد الذهن .. ونظرت صوبها، رأيت زهرة تتفتح في وسطها وشممت عطراً ملأ المكان، و بما أني بين الصحو والغياب في أفكاري لم أصدق ما رأت عيناي وتابعت طريقي، و في المساء لم أستطع النوم، حاصرتي تلك الزهرة ببياضها، أذكر البياض ولا شيء سواه و ذلك المكان البائس وهي تقف وسطه ويطغى حضورها على كل ما فيه، في الصباح ذهبت لأراها،لم تكن الأرض موجودة في مكانها، وكأني في مدينة أخرى أو في ضياع آخر، لا شيء أكثر إيلاماً من الفراغ إلا الندم، سنةٌ مرت وأنا أبحث عن تلك الأرض في شوارع المدينة، صار العطر هاجسي وذاك الأبيض في إغوائه القاتل، و أذكر أني كنت أفك أزرار قميصي مرة تلو الأخرى في عملية عبثية لا نهاية لها، أعرف أنه كابوسي الخاص والفريد، لكن هذا البياض يسرق روحي كل يوم ويسقيني القلق، كل الناس ترحل مصادفة عن الأماكن وأما هذه فهي التي رحلت عن الناس، أعلم على سبيل الوهم أنها تبحث عن المكان حيث التقت بي في ذلك الشارع اليتيم، كانت تستلقي على حافة الطرق هي و أعشابها قبل أن ألتفت فيتفجر في بطنها الزهر. وظن كلانا أن ما حدث وهم: مروري!.

Posted in الجميع, بوح | أضف تعليقاً

قمل

خسر أحد كبار الأثرياء كل ما يملك بعد سلسلة صفقات غبية أصرّ على إنجازها، وبدأ يبيع أثاث منزله محاولاً إيهام الناس أنه مازال ثرياً، في النهاية انكشف أمره وعرف كل سكان الحيّ وضعه المالي، لم يجد ما يفتخر به و يتفوق به على الناس فأصابه اليأس والإكتئاب إلى أن لاحظ في يوم من الأيام أن شعره الكثيف يحوي من القمل أضعاف ما يحوي رأس أي واحد من جيرانه، عندها عادت ثقته بنفسه وصار مثل الطاووس، هو الأول مرة أخرى، لا أحد يقدر على منافسته في أي أمر، لا في المال ولا حتى في القمل!.

Posted in الجميع, دبوس | أضف تعليقاً

هلوسات فيزيائية!

 

14329866_964921630285774_3920722495668826352_n

 

الطاقة، الكلمة الساحرة التي تحكم قوانينها الكون، في الخارج و في داخل نفسك، طاقة الحياة التي نختزنها في داخلنا، و مثل أي وعاء معزول في الكون لا شيء مثالي أبداً، إن لم تستثمر طاقتك البدئية اندثرت بعد حين. اقتصاد الطاقة!، ليس تقتيرها بل استثمارها، عليك أن تبحث عن مشروع جيد تضع فيه طاقتك، الخسارة تعني ذلك الاكتئاب الذي يخز روحنا و نتعافى منه مثلما نتعافى من الإصابة برشح بسيط في الشتاء، الخسارة المستمرة فادحة، و أما الربح فهو موجود إنساني آخر تكتشف أن مجموع ما نتج من استثمارك معه أكثر مما دفعتما معاً بطيب خاطر، قد يكون الاستثمار مؤقتاً، كتاب تقرأه، عمل مبدع تنجزه لكن لا شيء يضاهي أبداً من يُريك ما لا تراه في نفسك، و من يجرؤ على الخوض معك في مجاهلك و مجاهل نفسه، لا تترك أبداً يداً تستطيع أن تأخذك إلى جحيم نفسك و نفسها!.
الطاقة عمياء، مثل الماء، تضغط في كل الاتجاهات و بشكل مستمر و صامت، لا تستطيع حجزها لأنها ستجد شقوقاً تتسرب منها، فإن كانت قد تراكمت بشكل كبير فإنها سدٌ إن إنهار جرفك و قتلك و دمرك، دعها تسيل في الممرات الأسهل لها لتخرج من فتحاتها الطبيعية، حذارِ أن تغلقها، فإن فعلت ارتفع الماء و بحث عن أنابيب تصريف أخرى، قد يُفاجئك نوع القنوات التي ستخرج منها طاقتك، و قد تجد نفسك غريباً عن نفسك، عاجزاً عن مقاومتها، إن فتحت ممراتها الطبيعة انخفض الماء تدرجياً و في النهاية سيعود إلى مجراه الطبيعي، بعضنا يُولد بمسارات مغلقة فتبحث طاقته العمياء عن مسارات بديلة، يسمي المجتمع المحيط به هذا شذوذاً و ما هو إلا حدث بسيط مثل كل أحداث الطبيعة علينا قبوله و الاعتراف به و العيش معه، بعض الطفرات قاتلة، و الطاقة تخرج من منافذ عنيفة، قد نقتل صاحبها لحماية الآخرين، إنها مأساة مزدوجة، لنا و له، لم يختر هو، و لن نستطع نحن ان نوقف أذاه إلا بقتله، للطاقة فوران لا تصدها بل اتركها في جنون عنفها، إن صددته انفجرت نفسك التي تخنقها، و إن تركتها ثارت وعادت إلى طبيعتها دون أذية كبيرة لك، لا تخجل مما ترى منها، لا تخجل من تركها تمر في أحلامك، دعها في تمردها، فإن ألحت على أمرٍ لفترة طويلة نفذه فقد تفتح لك باباً لم تكن تراه، كن بسيطاً أمامها مثل غصن الشجر، انحني لتعرف حدودك، انحني لتشد اوتارك، قبل أن تتشوه لن تتولد في نفسك القوى التي تعاكس فعلها، كل قوانينك الداخلية موجودة في أغصان الأشجار و في الموجودات حولك، راقب الطبيعة لتفهم نفسك، كن بسيطاً مثلها، ساحراً كوجهها، ولا تكره الفيزياء مرة أخرى بل راقب الماء تحديداً فهو أستاذك في علم النفس، راقبه جيداً فطاقتك الداخلية تتصرف مثله.

Posted in فكرة, الجميع | أضف تعليقاً

الفيسبوك و سياسة الخصوصية و السوريين تحديداً

 تماثل

يوم الزلزال الشهير الذي حدث في سوريا وعلمت به أرصاد الكائنات الفضائية قبل حدوثه بيوم على الأقل فأذاعت الخبر على إحدى المحطات الأرضية لتحمي السوريين تحديداً من الخطر القادم العظيم.. عندها خرج السوريون عن بكرة أبيهم وافترشوا الطرقات ولم يبقى في البيوت أحد – يومها بقيت في البيت مع زوجتي لأني صدقت العلم الذي تعلمته في الجامعة وهذا أمر لا أفتخر به، لأن هذا المنهج في التفكير جعلني بلا أصدقاء تقريباً إلا ممن كان لديه ذات العاهة التي أملك.
المهم أنه وقتها لم أستطع إقناع سوري واحد ممن أعرفهم بالبقاء في المنزل وبقيت معي زوجتي لأنها تمتلك ذات العاهة التي أملك، واليوم يحدث ذات الشيء في الفيسبوك!.
يا أخي الذي لن تستمع إلي مهما تكلمت! يوم الزلزال كان الموضوع تجربة علمية على القطيع السوري، و الزلزال الحقيقي حدث بعد عدة سنوات في ٢٠١١ و بعد تأكدهم من قدرتهم على التحكم الاعلامي بالبشر، اليوم القضية أكبر من سوريا والدراسة هي على الفيسبوك ويمكن دراسة كل فرد وتسجيل ردة فعله بدلاً من الحصول على نتيجة إحصائية عامة.
حين وقّعت يا أخي الكريم على العقد الذي سمح لك بالدخول على ديكتاتورية الفيسبوك-هي ليست جمهورية لأنه لا وزن لرأي الجماهير في قراراتها وقوانينها المركزية- كان هذا العقد الذي يُظن أنك قرأته وفهمته جيداً قبل اقتحامك لهذا العالم! هو الناظم بينك وبينهم لذلك لا تستطيع مقاضاتهم على أمر وافقت عليه بمحض إرادتك، واليوم تصرخ يالله أنا لم أقرأ هذا وإن قرأته لم أفهم!، في الاتفاقية إن خفت على بياناتك المقدسة ورغبت في الطلاق البائن تستطيع إلغاء حسابك وبالتالي يتم حذف تلقائي لكافة البيانات! كما نصت اتفاقيتك التي وقعتها معهم، أما أن تفترض أنهم سيقومون بعمل يخالف الاتفاقية وسيقومون بجريمة قانونية تهد أسس امبرطوريتهم الرابحة فهذا يشبه أن تتنبأ بالزلزال قبل وقوعه وتعدم المجرم قبل ارتكاب جريمته لأنك تنبأت أنه سيفعلها! والدليل الدامغ أن البي بي سي والعربية! أذاعوا الخبر ..
لا ألوم بقية الشعوب لكن ألوم الشعب السوري .. بربكم: العربية أذاعت الخبر؟.. ألم ينتهي بلدكم كله من وراء أخبار العربية والجزيرة والبي بي سي! ..
و كل زلزال- تنامون فيه في الشوارع – وأنتم بخير.

Posted in الجميع, دبوس | أضف تعليقاً

تبديد الأوهام : عشر خرافات عن الحب

10818666_1571947956371597_1312146638_n

بقلم : سوزان بيري

10 Myths About Love, Exploded

Susan K Perry

Psychology Today

هذه بعضُ أشيائي المفضلة:

 اللون الأزرق، الفراولة، و الحب، لكن ما هو بالتحديد الحب الرومانسي؟

يعتمد الجواب على من تسأل.

معظمنا يؤكد على أننا نعرف الحب عندما نشعر به، لكن الشعور هو حالة العقل، وهو أكثر تعقيدا و تنوعاً من أي شخص منا، حتى المختصين لا يستطيعون وصف الحب بشكل كامل، ما تختبره يعتمد على ما تستثيره.

تم تأليف كتب حديثة عن الحب من قبل الفلاسفة و علماء النفس، و حتى  من قبل أحد الرياضيين، لقد جمعتُ من هذه المؤلفات عشر أساطيرٍ عن الحب، و سأبيّن فيما يلي عدم صحتها:

حبٌ حقيقي أم اعتقاد خاطئ؟

1- الحب هو شعور غير عقلاني  إما أن تشعر به أو لا

هو ليس كذلك تِبعاً للفيلسوف بيريت بروغارد مؤلف كتاب “عن الحب الرومانسي: حقائقٌ بسيطة عن شعورٍ معقد”، للحب درجات: يمكنك أن تحب قليلاً، أو كثيراً، أو يمكنك ألا تحب أبداً، أحياناً تكون مشاعرك عقلانية، و في أوقاتٍ أخرى تكون تماماً غير عقلانية.

2- لا تستطيع أن تُنهي حالة الحب

لكن يمكنك ذلك، فالمشاعر تخضع لنوع من السيطرة العقلانية، يدّعي بروغارد أنه يمكنك أن تستعمل استراتيجيات لتساعدك في إنهاء حالة حب غير مناسبة لك، و هذا الذي كتبه بروغارد هو عبارة عن خليط من  الرأي القوي والوصف الدقيق و المصداقية الأكاديمية.

3- الوقوع في الحب هي حالة سيكولوجية فريدة

“ليس صحيحاً” يكتب بروغارد، الحب يشبه كثيراً ما يحدث لك عندما تتعرض لخطرٍ محدق يترافق مع اندفاع في الكورتيزول و الهرمونات الأخرى التي تؤهبك لحالة الهروب أو القتال، تِبعاً لغموض شريكك المحتمل و جاذبيته الجنسية يمكن للوزتيك الدماغيتين أن تُفرطا في العمل، و سترسل النواقل العصبية إشارة لغدد الأدرينالين أن شيئاً مخيفاً و مشوقاً و غامضاً يحدث الآن، و لهذا يستطيع الحب أن يؤثر في دماغك كما يفعل الكوكائين.

4- الألم العاطفي الناتج عن علاقة فاشلة لا يساوي أي ألم.

ليس صحياً، يقتبس بروغارد، فقد وجدت الدراسات أن النواقل العصبية تنقل نفس الكمية من الألم عندما يتعرض شخص لألم عاطفي أو جسدي.

كيف نقترن بشريكنا؟

5- مقابلة الشخص المناسب هي  رمية نرد عشوائية

ليس كذلك، تقول الرياضية و عالمة الأشياء المعقدة هانا فراي مؤلفة “رياضيات الحب الأنماط، البراهين، و البحث عن المعادلة المُطلقة”، و تقترح آليات لزيادة فرصك: كن أقل انتقائية و بدلاً من إصرارك على أنك تنجذب فقط لنسبة قليلة من الناس و تريد مقابلة عدد محدود منهم – هؤلاء الذين يحققون تفضيلاتك للعمر المثالي و المستوى الدراسي -، ارفع النسبة و انظر كيف تتحسن الاحتمالات أيضاً، لا تصر أن يملك الشخص كل المواصفات المثالية التي تتمناها، العديد من الأزواج السعداء ظنوا أنهم لن يجدوا السعادة مع شخص كشريكهم، حتى لو كان يقتل العناكب أو يكره الجاز.

6- هناك دائما شخص يناسبك أكثر من شريكك الحالي

ليس بالضرورة، تِبعاً لـ “نظرية التوقف المثالي” كتبت فراي: أنك تقوم أولا بحساب مدة مواعداتك، ثم ترفض نسبة 37% ممن تقابلهم، و تبقى مع الشخص التالي الذي تقابله و الذي يكون أفضل من هؤلاء الذين رفضتهم، بالتأكيد – تشرح فراي – أن هناك بعض العيوب في هذه الصيغة، و تغوص فيها بعمق مع عزيمة قوية تاركة القرّاء بين أخطار الاختيار المبكر، أو أخطار الانتقائية المفرطة.

ما علاقة العلوم بذلك؟

7- التصريح المتبادل عن الأشياء التي تكرهها في الشخص الآخر هي طريقة علاجية مثبتة

مستحيل، يذكر جون مورديشاي غوتمان – و هو باحث في علم نفس و العلاقات طيلة السنوات الأربعين الماضية – في كتابه “برينسيبيا أموريس (أسس الحب) : العلم الجديد للحب” : “في الحقيقة الغضب لن يأتيك بالفرج،  إن التعبير عن أفكارك السلبية سيؤدي إلى شعورك بغضبٍ أكبر”.

8- لكي تأخذ عليك أن تعطي كمية مساوية

في الحقيقة تفكيرٌ مثل هذا كان إحدى علامات العلاقات التي تنهار، أما في العلاقات الجيدة كان كل شريكٍ يُعطي من دون أن يتوقع أي شيء في المقابل.

9- لا يمكن توقع مسار الحب

لا تصدق هذا أبداً، يكتب غوتمان ” أوضحت عدة دراسات متطابقة أنه يمكن توقع مسار الحب، ولقد استطاع غوتمان خلال ست سنوات في مختبره أن يتوقع حدوث حالات الطلاق بنسبة أكبر من 90%، العدد الأكبر من توقعاته الناجحة كانت مبينة على ملاحظة كيفية تعامل الزوجين مع النزاعات بينهما، و كم  هو عدد التعليقات الإيجابية بحق الشريك مقارنةً بعدد التعليقات السلبية.

10- الأزواج بالنهاية سيتوقفون عن ممارسة الجنس بكثرة

يؤكد غوتمان عدم صحة هذه المقولة: “باستخدام رياضيات نظرية الألعاب أثبتُ أن الأزواج سيتوقفون عن ممارسة الجنس إن كان قول لا للجنس سيخلق قيمة سلبية، أما إذا أدى قول “لا” للجنس إلى قيمة إيجابية مغايرة للصفر ولو كانت ضئيلة فإن الزوجين سيمارسون الجنس بكثرة، “يمكن أن تجد تفسير كامل لهذه المقولة الهامة و الصادمة في الصفحة 51 من كتابه “برينسيبيا أموريس (أسس الحب) : العلم الجديد للحب”.

ترجمة : كرم محمود

مراجعة النص: أيهم محمود

الأحد 4/9/2016

Posted in أخبار و مقالات مختارة, الجميع | تعليق واحد

مقتطفات منشورات الفيسبوك

الحمد لله لأن نظام تقنين المشروع التاسع يبقى ثابتاً و عملياً 4 ساعات انقطاع مقابل 2 كهرباء، أي أنه ليس لدينا طوائف ولا تجار ولا مسؤولين، المشروع التاسع نظيف نسبياً، لذلك تنعموا بتقنين عالي الجودة.
يريدون أن يدخلوا القرن 21 و يصمدوا بمفهوم دولة عاجزة عن تنظيم عملية تقنين كهرباء دون حساب أين يسكن هذا المسؤول و كيف سنُوهم تلك الطائفة التي لا تحبنا أننا نحبها كثيراً و كيف سنقول لهذه النخبة الراقية!! من طائفتنا أننا نزيد لها ساعات الكهرباء، و في النهاية الفقراء و الرعاع و الدهماء و البجم و الذين هم مواطنون سوريون فقط وليس لديهم مال أو عصابات طائفية أو زعران في السلطة فعليهم أن يدفعوا فاتورة الدم و بعدها فاتورة الكهرباء ثم ظلم التقنين على حسابهم.
هذا عنون لانحدار الفكر عند المسؤولين عن دولة، و هو عنوان لليل طوائف بغيض و لإمارات لا يمكن ان ترقى لتشكيل دولة و لو بعد ألف عام …. تذكروا يارفاق!! أنكم استلمتم دولة و ستسلموها قطعاً (فسيفسائية كما يحلو لكم الوصف!) .. ولا أحد سيشاركم المسؤولية بما أنكم كنتم الحزب القائد للدولة و المجتمع نحو الهاوية.

**

لا يكفي أن تنحاز للجيش و تعتقد أن معركته قضية وطنية، وتعتقد أن صمتك عن الذين يطعنونه في ظهره و يجوعون أهله و أبناءه ضرورة مرحلية!، لا تنسى يوم تتبدد غيوم المعارك و تظهر النتائج على الأرض أنك انحزت إلى مصالحك الشخصية و مصالح القلة على حساب مصالح الأكثرية، و الأكثرية هم فقراء الأرض الذين لا أرض لهم غيرالتي يمشون عليها.
إن حدث ما أخشاه …سنجد آلاف مدّعي الثقافة و الوطنية يتبرأون من هذه المرحلة لكن بعد فوات الأوان و بعد مشاركتهم الفعلية في ذبح آخر مقومات صمود بلدهم -بشرها الذين بقوا يدافعون عنها- و الذين لم يجدوا صوتاً يساندهم لأنهم لا مال لديهم ولا صكوك وطنية يوزعونها على (الوطنيين من أمثال أصحاب الكلام)!، ليس لديهم سوى فقرهم و هذه بضاعة كاسدة على أية حال.
تعجبني الخطب الحماسية و المشاعر العابرة للقارات … و هي ذاتها التي هزمنا بها إسرائيل و حررنا بها القدس منذ عشرات السنوات.

**

ما هو الفرق بين من قفز بالمظلة فنال علامات إضافية لدخول الجامعة و بين من قفز على كرسي والده؟ في الحالتين أخذ شخص مكانة لم يستحقها على حساب آخرين تعبوا و درسوا لاستحقاقها،أنا اعمل في شركة حكومية، ما هو رأيكم لو قاموا بإعطاء ابني الأفضلية للعمل فيها و لم يهتموا بشهادات و مؤهلات المتقدمين الآخرين، و هكذا الذي يعمل في البلدية يعين ابنه، و الذي يعمل في مصنع ما يورثه لابنه، و نعطي بالقياس علامات لأولاد كبار التجار و المسؤولين أيضاً، فالعلم اصبح منحاً و اقطاعيات نهبها لمن نشاء و نحجبها عن من نشاء ولا علاقة لمستوى الفرد نفسه ولاجتهاده الشخصي بالعمل أو بالفرع الذي يستحقه، ولا معنى لتطبيق ذات القانون على الجميع، المهم أن نعرف مستوى والده أو عشيرته أو حتى مستواه السياسي لكي يؤهله هذا الامر لدخول فرع في الجامعة او الحصول على وظيفة على حساب المستحقين لها الحقيقيين.
سأطالب بأن تكون الأفضلية للتوظيف لأبناء من يعمل في المؤسسة نفسها و سنسمع وقتها أصوت المؤيدين لعملية الهبات الجامعية لأبناء أعضاء الهيئة التدريسية على حساب الآخرين ..إنه المنطق ذاته!.
***
Rihab Makhous
13 hrs ·

رغم تحفظي على ربط مجموع الطلاب في الشهادة الثانوية بالفروع المدروسة في جامعاتنا فمثلا ليس بالضرورة أن يكون الطالب متفوقا في الرياضيات ليسمح له بدراسة الطب البشري بالمقابل من الضروري أن يكون متميزا في الرياضيات ليستطيع دراسة الفروع الهندسية رغم أن آلية التربية و التعليم في السنوات اﻷخيرة حولت الطلاب من طلاب متميزين إلى طلاب يحفظون فقط ودمرت العقل التحليلي
ولكن أن يكافئ الطالب بعلامات إضافية فهذا مقتل للعلم و ظلم للطلاب اﻵخرين الذين يتميزون عنه
أفهم أن تكافئ دكتورا مدرسا في الجامعة على جهوده العلمية بأي طريقة و لكن استمرار هذه المكافأة بتحقيق امتياز علمي لأولادهم الذين قد لا يستحقونه يسمى مهزلة حقيقية فقط لأن آباءهم مدرسون في الجامعة
إنها خيانة للعلم و خيانة لطلاب أفضل منهم بذلوا جهدا و كانوا متميزين قدروا العلم فسرق منهم حلمهم ليكون مكافأة ﻷشخاص في غير مكانها
أحترم من اﻷساتذة الجامعيين من يعرف مقدرات أولاده الحقيقية و يرفض أن يدرس ابنه أو ابنته فرعا لا يستحقه
لن تتطور بلادنا قبل أن يكون العلم خطا أحمرا و قبل أن يتحصن أجيالنا بعلم حقيقي يستحقونه و يفهمونه و يبدعون فيه ليس مظهرا اجتماعيا أو امتيازا طبقيا في المجتمع

**

مازل هناك حتى الآن من يشتم موظفاً في الدولة لأنه طلب مبلغاً من المال من أجل المساعدة في ترتيب و تمرير معاملة ما يمكن أن تعود بالفائدة على صاحبها بملايين أو مليارات الليرات و يقول عن هذا الأمر أنه فساد، و في ذات الوقت يُشارك أو يبرر لدكتور يعمل في مشفى حكومي مجاني أنه لا يقوم بإجراء عملية أو علاج إلا بعد أن يزوره المريض المحتاج في عيادته و يدفع المعلوم الذي يُرضي الطبيب مع أن الطبيب يأخذ راتب من الدولة و الدولة القانون يقول أن العلاج في هذا المشفى مجاني للجميع!!!، صدقوني أني سمعت أكثر من طبيب من هذا النوع يشتكي من الفساد في دوائر الدولة و من انتشار الرشاوي فيها. (الجمل لا يرى سنمه).
إما أن الموقفين واحد، أو ان الموقف الأول حلال و يجب على الطرف الثاني أن يتوقف عن بيع الوطنيات و الشكوى من الطرف الأول.
أول علاج لسوريا هو دواء انفصام شخصية يُعطى لعامة الشعب و بعدها نفكر في تغيير المسؤوليين لكن على أسس عقلية و ليست انفعالية.
سوريا تحتاج لعلاج نفسي حقيقي و يجب أن يعم العلاج النفسي المدارس و دوائر الدولة و المعامل و المصانع، و أقترح استبدال الرقابة الداخلية بعيادة نفسية في كل موقع عمل.
و أنا أيضاً مع وقف الهيئة المركزية للرقابة و التفتتيش و تأسيس الهيئة المركزية للعلاج النفسي و الأخلاقي لعموم السوريين.

**

https://www.facebook.com/aiham.mahmoud

Posted in الجميع, دبوس | أضف تعليقاً

الرجل الذي مات واقفاً

45530_479640438770602_30311327_n

حين كان المسيح الخاص بقبيلتنا مصلوباً في زاوية نائية يتلو صلواته لم يكن أحد حوله، و لم يقترب أحد منه أيضاً، ليس خوفاً كما يتوقع البعض بل مجرد عدمِ اهتمام، و لأن معظم أفراد القبيلة على عجلة من أمرهم و ليس لديهم الوقت الكافي لملاحظة وجود ذلك الذي يئن في الزاوية وحيداً. كان يرتدي قميصاً بسيطاً بلون التراب من صنع يديه فوق بنطال حاكه بنفسه، القميص يكشف جزءاً من صدر مغطى بأشعار متوسطة الكثافة لكنها ترسم دروباً محددة بدقة، شعره قصير و جسمه يمتلك بنية رياضية لكن دون عضلات بارزة، مد يديه طوعاً على امتداد الجزء الأفقي من الصليب و وقف هناك باختياره و لم يتزحزح من مكانه طيلة سنوات، لم يكن هناك مسامير و دم و حرّاس و ملكٌ واقعي آثر الاستماع لرأي القطيع فقتل الأخلاقي و أطلق اللص، لم يكن هنا أيّ من كل هذا، كان هناك فقط قبيلةٌ مشغولةٌ بالبحث عن رفاهيتها و أشيائها الجاهزة، بدءاً من ثيابها التي تأتي وفق أحدث التصاميم العالمية إلى الأزواج و الزوجات التي يجب أن يكونوا هُم أيضاً وفق هذه المواصفات أو ما يسمى (الموضة) التي يجب أن يتبعها كل أفراد القبيلة لكي يشعروا أنهم عصريون و أصحاب حضارة و رفعة  و تميّز، وحده هذا الذي صَلب نفسه بنفسه طوعاً كان يصنع لباسه و يزرع غذائه بل و يصنع أفكاره أيضاً لذلك كان مصيره تلك الخشبة، لقد تطور المجتمع و لم يعد الشعب بحاجة لملكٍ ظالمٍ يُلقي عليه مسؤولية أفعاله و قراراته الشنيعة، لقد نضج الناس و تخلّوا عن طفولتهم و صار بإمكانهم صلب المسيح حتى من دون مسامير، و هذا تطور علمي مهم يتماشى مع (الموضة) التي يقررها عادة كائن مجهول لا نعرف من هو لكننا نلتزم بقراراته دون أن يضطر لدق المسامير في أيدي و أرجل بعضنا لكي نخاف و نلتزم بمشيئته.

كان وجود هذا الشخص مزعجاً جداً لمعظم الناس، و أما البقية فكانوا لا يرتاحون له، ليس لديهم شيء ضده لكن ملابسه البسيطة تزعجهم، فيها جزء من الجمال يؤرقهم و مع ذلك هي بعيدة عن (الموضة) ولا تناسب مظهر مجتمعهم العصري الذي يعتزون به إلى أبعد حد، لم يتزوج ليس لأنه رافض للزواج كما يُشاع عنه، بل لأنه لم يجد من يقتنع بحياته البسيطة. كثيراتٌ هنّ من اقتربن منه شغفاً بتلك الظلال التي يثيرها بقوة في أنفسهن، و بعضهن أحببنه بصدق نادر أيضاً، لكن شيئاً ما كان يحدث في اللحظة الأخيرة، نوع من الغرابة يتولّد بين الوجهين – وجهه و وجهها-، كان يراقب بدقة ملامحها ” قرينتهُ المُفترضة ”  يبدأ الأمر بشيء من الألم و النزق، و ينتهي بضياع الملامح و العيون التي لا تستقر على مشهد أبداً، القلق عادةً يبدأ في العيون، هو يعرف أن قميصه ترابي اللون يثير الاضطراب في ذائقتهن الجمالية، لقد تعودت عيون الإناث و الذكور على نوع محدد من الألوان و من التصاميم للثياب، قميصه كان يبدو نافراً ليس بمعيار اللون و الحياكة اليدوية، بل بمعيار الاستقلال عن رغبة ذلك المجهول الذي يريحنا من عناء اختيار ما يناسبنا، باسم (الموضة) تستطيع حشر أجسام نحيلة جداً و متوسطة و سمينة في بنطال أفخاذه ضيقة و تنفتح نهاياته على اتساع غريب، و مع أن الأمر يبدو غريباً و مشوهاً لكن المجتمع سعيد باختياره و حداثته،  بينما مسيحنا الصامت في معظم الأحيان يختار ملابسه بنفسه بشكل يثير القلق، ربما ابتعدنا عن الموضوع، و أظن أننا كنا نناقش مشكلته العاطفية المزمنة. في الواقع لم يكنّ هنّ سبب الهجر و الانفصال، بل هو .. بل ذاك الضِيقُ في صدره حين يبدأن في مقاربة موضوع الثياب بالقوة الناعمة عبر طرح خياراتٍ وسط تجمعُ بين الذوق العام و ذوقه الفريد، كان يعرف بحدسه الذي يناسب ثيابه أنّهن قد بدأن مسار تطويعه و ترويضه، بعض الحيوانات في الطبيعة ترضى بذلك، لكن بعضها الآخر يظل وحشياً و عصياً على التدجين، ربما كانت مورثاته البدئية تنتمي لهذا النوع الأخير، المهم أن هذه الطريقة في معاملته كانت ترسم حزناً عتيقاً على وجهه يناسب النظرة المقابلة الضائعة لشريكته المفترضة، و ينتهي الموضوع عادة إلى غرقه في ظلمة نفسه و غضب شديد صادرٍ عن الجهة المقابلة، غضبٌ غير محدد الشكل و مجهول المصدر تشعر به الأنثى التي حاولت الاقتراب منه، لذلك كانت بتوليته أمراً محزناً و قسرياً أكثر مما كانت اختياراً حراً لنفسه المتعبة دوماً من عدم قدرتها على التغير و الانسجام مع الذوق العام و العادات المتداولة في بيئته الصغيرة التي يعيش فيها.

في كلٌ مرّةٍ كان يُهجرُ فيها، كانت جذوره تنغرس في أرض أجداده أكثر و يصبح لقميصه لونٌ ترابي مائل للحمرة، و كان وجهه يصبح أكثر إشراقاً فيغوي المزيد من الراغبات بخوض تحدي الترويض، هذا الأمر فاقم مشاكله الصغيرة و دفعه إلى الوقوف في ظل صليب قديم مزروع في طرف أرضه ربما منذ أكثر من ألف عام، لا أحد يعرف بالضبط لماذا هذا الصليب هنا و لماذا لم يزله أحد حتى في فترة الحرب حيث قطعوا كل الغابات للاستفادة منها في التدفئة و بقي هذا الصليب بخشبه العتيق في زاوية أرضه محمياً  بقوة غريبة منعت الجميع من الاقتراب منه و تدويره في أحد المواقد التي تبحث عن دفء زائلٍ مؤقت.

لم يكن يستخدم الحطب، بل كان يصنع نبيذه من كرومه، و يحتضن الشتاء و حلمه و ينام طالباً  الدفء في ليالي الشتاء الباردة، يزرع قطنه، و يجني صوف خرافه، يغزل خيوط ثيابه ممزوجة بخيوط أحلامه، يرسم اسمها الخرافي على زاوية قمصانه و سراويله بدلاً من رمز الماركة المتعارف عليها تجارياً، و كان على العكس من المسيح القديم لا يحبذ وجود التلاميذ حوله، في الواقع لم يكن يريد أن ينقل إليهم شقاءه الذاتي، كان هذا التزامه الذاتي أمام نفسه، لا مزيد من القمصان الترابية، ولا أولاد يحملون ذكريات والدهم، ولكي يكفّ عن الحلم و الأمل، قرر أن يقوم برياضة روحية تغسل نفسه المتعبة، في البداية وقف أمام الصليب و مد يديه على امتداد جزئه الأفقي، بعد نصف ساعة من وقوفه شعر بألم عظيم في عضلات يديه و في أسفل ظهره، فعاد إلى منزله و ألقى جسده المنهك على سريره الخشبي البسيط، ظن للوهلة الأولى أنه لن يُكرر هذا الجنون مرة أخرى، لكنه في اليوم التالي خرج صباحاً ووقف لمدة ساعةٍ كاملةٍ قبل أن يستسلم للتعب. مضت سنة على محاولته الأولى و الآن يقف ثماني ساعات كحد أدنى، لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها، كان يقف بمقدار ما تستطيع نفسه تحمّله.  في بداية وقوفه خرجت خيالاتٌ من الأرض تسخر منه، تسخر من سخف أفكاره، من قميصه، من حياته، كان هذا انعكاس شيطانه الذاتي الذي يعيش في داخله، و كلما زادت سخرية نفسه من نفسه زادت ساعات وقوفه و زادت ساعات ألمه، في البداية كان الألم الشديد يعيق انسياب أفكاره و يمنع صفاء ذهنه، لكنه فيما بعد جعل صوت شيطانه الخاص يخفت و يتلاشى، ثم ساد صمت لأسابيع قبل أن يشعر بجسده أكثر خفة و أكثر إصراراً على المضي بتجربته إلى حدودها القصوى.

بعد الصمت الأول ظهرت هي، بشعرها المرمي على كتفيها العاريتين و بنهدها الذي يشير إليه دوماً مثل بوصلة إبرتها لا تفارق شمال الأرض، عرفها بدايةً من صُنع أوهامه، ثم رآها حقيقةً، لم يكن وهمها مغرياً و هو الذي عاش مع أوهامه دوماً، لكن حقيقة ظهورها أمامه كانت أمراً آخر بالنسبة إليه، كانت إغواء احتمال كسر الطوق الأبدي الذي وجد نفسه مسجوناً فيه. حاورتهُ ثلاثة أشهر و خمس أيام، كان كلامها ينحت جسده بعواصف التعب و الاستسلام، أصبح هزيلاً و شاحباً أمامها، و بدا و كأنه على حافة الانهيار، جلستْ أمامه، شعرَ بيديها تتسلقان جسده من كل الجهات مثل نبات اللبلاب، التف حول ذراعيه و صنع غابات أمام صدره، رأى رفيقاتها يأتون معها، يهمسن في إذنه: “ليست هي فقط، سنعيش كلنا معك”، داهمته ذكريات ذكر القطيع الأول، صورة الإناث حوله و منظر الذكور المهزومين أمام قوته يرحلون بعيداً عنه، مر ألمٌ صاعقٌ في يديه كالبرق و أحدث في أذنيه صوتاً يشبه الرعد، صرخ للمرة الأولى متألماً و انبعث الغضب على وجهه أمواجاً متلاحقة، تدفق النور من مسام جسده كلها، و صار النظر في عينيه يشبه النظر إلى أعماق الكون السحيق، الرهبةُ و الخوفُ من ذلك الفراغ اللامتناهي. رحلّن دفعةً واحدة، و بقي هو وحده، سحب جسده المتهالك إلى داخل المنزل، شرب كأساً كبيراً من النبيذ و نام حتى صباح اليوم التالي.

في مساء الأيام التالية أتى إليه كلبٌ صغيرٌ أبيض اللون و أصبح يزوره بانتظام، و يلعق ساقه و هو كان يتجاهل وجوده. ظل الكلب على حاله طيلة نصف شهر قمري و عندما ترّبع الهلال على عرش اكتماله صاح الكلب: ” يا هذا !!، لماذا أنت مرميٌّ خارج الزمان و المكان و خارج نفسك، أنت أهمّ من ذلك بكثير، اذهب إلى الناس تكلم معهم سيسمعونك و ستنفتح قلوبهم لك بعد ضيق، ستكون سيداً في قومك، و نقطة ارتكاز الأمم حولك، انهض من حزنك، انهض من جنونك الخاص، لا أحد بمثل ذكائك و جبروتك، أنت السيد هنا، فقط اعرف أين هو مدخل القلوب لترى الناس يستمعون لكل كلمة تنطقها”.

هذه المرة ابتسم مسيح قبيلتنا، و أخيراً تحول شيطانه الخاص إلى شيء صغير ضعيف يلعق قدمه، كان ظلاً باهتاً للوحش الذي عاش يرافقه طوال حياته، ظل الكلب يردد نصائحه له و في كل مرة يتضاءل حجمه أكثر و أكثر حتى اختفى و بقي هو وحيداً، لم يكن هناك ضوضاء، ساد صمت مهيب و بعدها فقد شعور الألم في عضلاته و أسفل ظهره، لم يكن هناك ما يغريه بالعودة إلى منزله، لا أحد يعرف قيمة السلام الذي حل في نفسه أخيراً، قرر البقاء في هذه الحالة أياماً على قدر ما يسمح جسده، اختفى شعور الجوع و العطش، و اختفت رغبته في أن يُنجب ابناً له عيناه و ملامح وجهه، فقد حتى الرغبة في وجود صديق أو تلميذ ينقل له خلاصة حياته، كان وحيداً مدركاً أنه سيغادر العالم هكذا دون أن يترك إرث قميصه لأحد، لن يتذمر و لن يشتكي من خذلان أصدقائه فهو لم يكن لديه أحد يرافقه في أيامه الأخيرة، و أخيراً ستنغلق نافذتا العالم التي تفضحان ما في داخله، لن يرى أحد فضاءه الداخلي بعد الآن. كان موته بطيئاً و مشعاً مثل قمر في لحظة اكتماله، و كان لديه كل الوقت ليرتب ذكرياته و يصنفها: خيالاته، طيفها السري، قلق انتظاره لها. كان لديه الوقت ليحصي أصناف النبيذ التي صنعها بنفسها، و ألوان الثياب و مساحات قطع القماش التي صنعها بيديه. كان لديه الوقت ليتذكر تفاصيل منزله جزءاً جزءاً و ليعدّ أشجار الفاكهة في حقله، و يرسم مواضع أعشاش العصافير و شكل فراخها. كان لديه الوقت ليرسم كل ما هو جميل في ذاكرته و ليرمي أحقاده الواحد تلو الأخرى فيصبح جسده أكثر خفةً و أكثر عطراً، و هكذا غادر هذا العالم بلا وداع أحد، بلا تلاميذ يختصمون على أحقيتهم بإرثه، و بلا أم تبكي عليه، لم يكن ليحلم أبداً أنه سيسكن يوماً في ضمير أحد، أو أن أحداً سيذكر يوم وفاته، أو حتى وجوده، غادر بخفة النسمة التي تمر على الحقول يوماً ولا تعود، هوى على ركبتيه، قبل أن يحل في عقله ظلامٌ له دوي، و انحنى رأسه و سقط إلى الأسفل ليستقر جبينه على الأرض و بقي حاله هكذا، أو حال ما تبقى منه … جثته.

خلف أفق بيوت القبيلة، خلف التل الذي لا يعبرهُ أحد، كانت تمتد بيوت الصفيح، بيوت الأشخاص الذين لا يعرفون السيد الكبير الذي يصمم الثياب و يحدد اللون المناسب لهذا العام و مدى مناسبته للمقاييس الحضارية، بيوت الصفيح يكتسي أهلها بما يتوفر، و يأكلون مما يتوفر لهم، و يعيشون على هامش الذاكرة، و قد تقضي في المدينة كل حياتك و تموت و لا تذكر أن خلف هذا التل القاحل يوجد بشر، في بيوت الصفيح هذه كان يعيش مراهقٌ في الرابعة عشر من عمر يقف كل يوم خلف الصخرة ليراقب هذا المصلوب بإرادته على خشبة، أغواه لون القميص، و تلك اليدين اللتين لا ترتعشا مهما اشتد فيهما الألم، كان يلاحق  شهيدنا كظله دون أن يشعر، يراقب تعامله مع حيوانات مزرعته، و مع أوراق نباتاتها، و خلف الصبي اصطف أحد عشر فتىً أصغر منه يستمعون إليه و إلى حكاياته الساحرة عن الغريب كليّ القدرة الذي يتبعه، كانوا يستمعون إليه و كأنهم يرون النور الذي يغمر هذا الرأس المقدس، لكنهم لم يجرؤوا على العبور خلف التل إلى داخل مدينة الأضواء، ظلوا يراقبون المكان ثلاث أيام متواصلة، و عندما لم ينتبه أحد للجثة، عبروا حدود نهاية العالم الخاصة بهم و اقتربوا من هذا الذي يسند الأرض كلها بجبينه، لم يكونوا قادرين على حفر قبر بأدواتهم الصغيرة المتوفرة معهم، لذلك قرروا أن يحملوا التراب و يرمونه فوقه، و هكذا ببقايا الأكياس حملوا من التراب على قدر استطاعة كل طفل فيهم و رموه فوق المقدس. صنعوا تلة صغيرة غمرت الصليب و أخفته عن الأرض، ثم قادهم كبيرهم إلى منزل الضوء كما كان يسميه، و على الطاولة وضعوا الخبز اليابس الذي لم يتسنى للراحل أكله، و اثنتا عشر كأساً من النبيذ الأحمر، قضموا الخبز بأسنانهم و شربوا النبيذ فشعروا بروحه تتجول في داخلهم، كانت رؤوسهم ثقيلة بفعل الخمر، و كان هو يرتب مكان إقامتهم الجديد، و يحدد لكل فتى فيهم أين سينام. في تلك الليلة سقطوا جميعاً من الإعياء و ناموا كما لو أنه الموت ما أصابهم، و في الصباح لم يكن هناك أطفالٌ في المنزل، كانوا اثنا عشر رجلاً يافعاً تلف أيديهم أساورٌ من قماش بلون التراب، و يلف قلبهم و عقلهم الإيمان بما رأوا، و كان هذا أول انتقالٍ مسجلٍ في تاريخ المدينة لقاطني بيوت الصفيح إلى داخلها، صلّوا جميعاً مرة أولى و أخيرة لذلك البيت الذي جمعهم، و غادروه ليجوبوا بقاع الأرض، كانوا يعرفون أنهم لن يروه مرة أخرى، و أنهم سيموتون جميعاً، كل واحدٍ في مكان مختلف و بعيد، لكنهم لم يخافوا الفكرة، فاليد الممدودة على الخشبة مازالت حيةً في ذاكرتهم، هو الذي لم ينحني إلا بعد أن غادرت روحه الجسد، معلمهم الذي لم يكن لهم شرف محاورته أو حتى معرفة نبرة صوته. كان كل منهم يتخيل صوتهُ و كلامهُ، لم يكن خيالُ أحدهم مثل الآخر، لكن كان لكل قصةٍ و لكل خيالٍ نورٌ مختلفٌ سيغمر العالم بالسلام أو بالحروب، لا أحد يستطيع الجزم بما سيحدث بعد انطلاقهم.

Posted in أدب و شعر, الجميع | أضف تعليقاً