مؤامرة

تصريحٌ سابق لمسؤول سوري يقول فيه ان 80% من خريجي كلية الطب يختفون! ولا يعلم أين يذهبون، الخجل جميل ولا سيما إن كان حكومياً، هم لا يعلمون، ولن يعلموا ولو علموا.

لن يكون هذه حال الأطباء فقط بل حال كل المهن العلمية التي لا مكان لها في فيسفاء الدعس والفعس والتشبيح والنهب والتجارة والشطارة والمسخ الذي نتج بالتزواج الحرام بين التاجر والمسؤول.

بعض الأبنية االعالية – بناء سكني عادي – التي يتم إنشاؤها الآن تكلف مليار ليرة سورية، أجور الدراسات الهندسية المتعارف عليها في الحد الأدنى هي 3% من قيمة العمل أي 30 مليون ليرة، صاحب المال بالطبع لا يرضى بدفع مبلغ مثل هذا 3% من ملياره بل يدفع أقل بكثير لمهندس يتعهد بإنجاز الدراسة، كثير من المهندسين فقدوا مهاراتهم الهندسية منذ زمن بعيد و أصبحوا هم بدورهم متعهدين مثل صاحب المليار وهؤلاء هم قلة لكن لها نفوذ بين خلية التجارة والسمسرة وادفع بالتي هي أحسن، في النهاية يبحث هذا المتعهد المهندس عن مهندس آخر محتاج أو جائع و هذه ليست مبالغة في الزمن الذي وصلنا له ويقوم بإعطائه مبلغاً صغيراً من أجل إنجاز الدراسة سمعت أنه وصل إلى حد 25 ألف ليرة سورية بالتمام والكمال عداً ونقداً و هي تعادل 0.000025 من كلفة البناء و 8 من عشرة آلاف من الأجور الحقيقة الدنيا العادلة، برمجياتنا مقرصنة و لا نشتريها بـ 8000 دولار للنسخة الواحدة لكن هذا المهندس سيحتاج إلى 12 مشروع من ذات المليار لكي يجدد جهاز الكمبيوتر الذي قام بانجاز الدراسة بواسطته، أي أن تجار سوريا تفوقوا على أنفسهم هذه المرة وأصبح الموظف هو الذي يدفع رواتب لقاء تشغيله واستهلاك موارده، فهو الذي دفع لهم ولو أعطوه مبلغاً رمزياً باسم أجور، فما يدفعه من استهلاك موارد قديمة يمتلكها أكبر بكثير مما يحصل عليه من أجور، لو كان هناك فرصة لبقية المهن العلمية بالمغادرة لرأيتم المسؤول السوري نفسه يقول … ذهب المهندسون، ذهب المحامون، ذهب المتعلمون، ولا نعرف أين يذهبون، ربما نحتاج عضو مجلس شعب لإعراب الجمل السابقة فهم كما تعلمون هم خارقي الذكاء فيما يتعلق بالاعراب وحالياً هم بارعون في رفع قضايا أمام المحاكم المختصة ضد من تسول له نفسه الكلام وانتقادهم وانتقاد المسؤولين الذين يدافِعون عنهم خير دفاع.

إنها ليس مؤامرة صهيونية أمريكية ..هي فقط قضية تجارة، نحن لدينا تجار فقط ومن لديه تجار لا تحتاج بلده لمؤامرات وأعداء فهي مكتفية بذاتها وتستطيع أن تدمر نفسها بنفسها دون الحاجة لمؤامرة وماسونية و صهيونية و.. و… إلى آخر هذه الاسطوانة التافهة التي يروجها خبراء الأحزاب السياسية العظيمة في بلدنا الرائع.

Advertisements
نُشِرت في فكرة, الجميع, دبوس | الوسوم: | أضف تعليق

سؤال و جواب ..

سؤال و جواب ..

استاذ ايهم سؤال واحد بس انت بهي الدني مين اللي عاجبك فهمنا لا دين و لا شخصيات و لا تاريخ و لا سياسة لك حتى. فيديل كاسترو مو عاجبك و كل يوم نقض فيهن .
بالضبط لوين بدك توصل ؟؟شو الهدف من نقدك لكل الناس ؟؟
**
صديقي أنا باحث عن المعرفة و الحقيقة فقط، لست أعبد الأشخاص والبشر، المنطقة هنا موبوءة بعبادة البشر وتأليههم وتقديسهم بدل إعمال العقل النقدي في تاريخهم وأقوالهم وفهمنا لكلامهم، حين أنظر لأعمالي الهندسية القديمة أشعر بالخجل لأن تقنيتي تطورت كثيراً خلال سنوات قليلة بحيث أصبح انتاجي القديم لا يتوافق مع معارفي الجديدة … أنا نفسي لست الإنسان الذي كان قبل سنوات، ولست راضياً عن نفسي السابقة لأني تجاوزتها اليوم بمراحل بعيدة، أحترم ذاتي السابقة في سياقها التاريخي لكن لو بقيت على ما كنت عليه لتجاوزني الأصدقاء والمنافسين بل والأعداء في العلوم والمعرفة، عبادة البشر وتقديسهم تقتضي تكريس فكرة أنهم أفضل منا وأكثر حكمة ومعرفة وهذا عكس المنطق والتاريخ، إن لم يكن أولادنا أفضل منا سيتجه المجتمع للبلاهة و التخلف وسيسير للوراء ويتراجع يوماً بعد يوم، وإن كانوا أفضل منا تقدم المجتمع وازدهر، كل الشخصيات التي يعبدها المحيطين بي سواء كانت دينية أو سياسية كانت لها تجربتها الإنسانية المميزة وهي دعوة لنا لكي يكون لدينا تجربة أفضل منها بكثير بوصفنا أبناء اليوم لا أبناء الأمس، أما أن نتوقف عند عبادتهم وتقديس مافعلوه وتكرار تجاربهم و أقوالهم فهذا يقود إلى موت حتمي لأي مجتمع يتبنى هذا المنهج وسيقود إلى ظهور أمراض قاتلة في بنيته الاجتماعية والفكرية، تذكر كيف عبد الشيوعيون كلام وشخصيات قادتهم فانتهت تجربتهم بشكل سيء للغاية لأنها كانت ضد منطق الحياة وضد منطق الكون، مع أن المادية الجدلية واضحة جداً في هذا الشأن وهي فلسفة العلم لكنها لم تمنع من حفظها ولم يفهمهما من تقديس كلام الأموات و تكرار قوانين المادية الجدلية كالببغاءات دون فهم لها. تخيل أن من حفظ قوانين صراع الأضداد والتأثير التراكمي للمعرفة وتحول الكم إلى كيف توقف عند حفظ أقول لينين والفخر بالأخ العنيف! ستالين بل بعضهم لديه عواطف مع الملك فيدل كاسترو وملوك كوريا الشمالية، هؤلاء الشيوعيون فما بالك بمن هم أكثر انغلاقاً وأقل ثقافة وفي جيناتهم وتحت جلدهم ينبع حب تقديس الأشخاص وحب الكلام المحفوظ وكفى المؤمنين شر التفكير والعمل.

تقبل تحياتي

نُشِرت في فكرة, الجميع | أضف تعليق

الأركيلة .. قد تبدو بريئة لكن النتيجة كارثة بيئية و إنسانية

قبل عقدين من الزمن كان تدخين الأركيلة محصوراً ببعض المقاهي التقليدية و للرجال حصراً، اليوم أصبحت الأركيلة موضة العصر، انضم إلى المدخنين طابور النساء ثم انضم إليه الشباب بل حتى الأطفال، جزء من هذه الثقافة سينتهي إلى سرطانات و أمراض رئوية قاتلة و سيرفع الخسارة البشرية لسوريا الخاسرة أصلاً في حرب دمرت كل شيء، لكن هذا ليس كل شيء، هناك اليوم من يحرق الغابات و يقتل ملايين الكائنات الحية لكي يسرق الحطب ليتحول فيما بعد إلى دخان في مقاهي التباهي بالبطالة و المظاهر الفارغة، وأيضاً في بيوت التي بدأت تُدخل السموم إلى أهلها ولا تهتم بمصير الأطفال الذين يستنشقونها أو الذين يدمنون عليها فيما بعد، انهيار أخلاقي وإنساني شامل سيتبعه انهيار في المنظومة البيئة التي تدعم حياتنا، لن يتوقف الموت عند ضحايا الحرب بل سيستمر في ضحايا الجوع وفي مظاهر غرورنا الانساني الخادعة، شعب جائع بالمعنى الحرفي للكلمة لكنه مهتم بالتدخين و باستيراد مواد يمكن التخلي عنها وليست ضرورية لاستمرار الحياة، شعب ليس لديه فكرة عن طريقة اعادة اعمار بلده دون الاقتراض ودون ديون تحوله لعبد عند الدول العظمى أو الغنية، شعب فقد حسه الانساني وبوصلته الصحيحة وباعها مقابل أوهام الغرور ومقابل الإدمان، من يعتقد أن الأفيون والحشيش هما فقط من المخدرات هو واهم، أي مادة لا يحتاجها جسدك فعلاً وأنت لا تستطيع التخلص من الحاجة لها هي إدمان، بما في ذلك أوهام العظمة و المظاهر الاجتماعية التي يحرص السوريون على إعلانها نكاية ببعضهم البعض.

نُشِرت في فكرة, الجميع | أضف تعليق

هل ترضاه لأختك؟؟

كلنا يعرف هذه الجملة الإخوانية الشهيرة والتي تُستخدم لمهاجمة الخصم الذي يريد أي تحديث في بنية المجتع وإظهاره هذا القائل بضرور تحرير المجتمع بهيئة الشاذ عن محيطه لكي يتم أي أفكاره في مهدها، اليوم انضم لهذا القول كثير من مذاهب و ديانات “هاي – باي – ياي – يا ماما شو سقيل!” في التنظير وشتم من تحدث حول المساكنة بين رجل وإمرأة، طرفا العلاقة هنا بالغان راشدان واعيان مدركان لعلاقتهما، قبلا إقامتها سراً أو علناً وهذا ليس مجال تدخلكم في حياتهما لأن هذه هي أسس الزواج الصحيح! قبل أن تنتشر مسألة التجارة بالجنس والدعارة المقوننة و التي تسمونها أنتم زواج!.

وقبل العودة إلى هذه النقطة، هل ترضى لأختك أو هل ترضي لأخيك اللصوصية و الكذب و الدجل و تأليه البشر وتعظيم اللصوص والفساد والرشوة والتعفيش والتشبيح واغتصاب زميلاتك باسم الدين الصحيح وتعذيب المخالفين السياسيين أو الدينيين و غيرها من المآثر العظيمة التي تتباهون بها يومياً، هل ترضى كل ذلك سراً أو علناً ثم تجد في نفسك كل الوقاحة لتتحدث عن الزواج الصحيح وترجمه بحجارتك لتروج لزواج البيع و الشراء!.

الحيوانات تفعل الجنس بفطرتها وباحترام له أكثر بكثير مما تفعلون، تتهمون من تتقاضى ثمن كل جلسة جنس بالدعارة أما من تبيع نفسها مقابل المال كل العمر ومن يبيع الجنس كل العمر مقابل الحالة المادية لشريكته فهو شريف وفعله وفعلها حلال!، البيع بالتجزئة حرام ودعارة، أما البيع بالجملة فهو حلال وشطارة، الزواج في مجتمعكم هو تقنين الجنس و تمكينه فقط لمن يُرضي الحاكم ولمن يرضي شيوخ الدين ولمن معه مال يشتري به مايشاء من السلع ومن ضمنها الجنس، وأما الزواج الصحيح فهو رضا وقبول والتقاء أرواح ومشاعر والتقاء جسدين بإرادتهما الحرة، المشكلة الأساسية فيه لها علاقة بتوزيع الثروة وتنظيم وثائقكم المجتمعية وتجارتكم وليس في صحته، فهل أرضاه لأختي وابنتي و لكل أنثى في حياتي؟، نعم أرضاه، أرضى الصدق للقلوب التي تتمناه، و أرضى إرضاء الضمير الإنساني وفطرة الإنسان الحقيقة ولا أرضى لها الدعارة التي تسمونها أنتم زواج وفيها تبيع الأنثى أو الرجل الجسد مقابل مالٍ أو مظهراجتماعي أو يكون الأمر برمته صفقة مقايضة تجارية أو اجتماعية.

نُشِرت في الجميع, دبوس | أضف تعليق

الهاربة – رواية قصيرة -النسخة ألفا

1017279_10151653011366862_983962380_n

أيهم محمود

الهاربة

رواية قصيرة

رابط نسخة pdf

إشارة:

يُسمح بنسخ المحتوى رقمياً وتدواله وإعادة نشره مجاناً دون أي مقابل مادي مع الالتزام بالإشارة إلى اسم المؤلف و عدم إجراء أي تعديلات في النص المنشور، لا يشمل هذا التصريح بالتداول والاستخدام الطباعة الورقية أو استخدام النص الرقمي لغاياتٍ تجارية أو ربحية مهما كان نوعها.

هذه هي النسخة الأولى من الرواية (ألفا) و سيتبعها النسخة (بيتا) وبعدها سيتم إصدار النسخة النهائية، أرحب بأي تصويبات لغوية أو الإشارة لتناقضات في أحداثها، أثمن عالياً أي نقد أو تصويب لما ورد فيها.

بشرى

مطر غزير و قصفُ رعدٍ، و أنا في ذاك البيت العتيق وحيداً أحتفل بقدوم سنةٍ جديدة، مرّت سنوات الطفولة في ذاكرتي، تجتمع العائلة و لسبب غير مفهوم لطفل مثلي يحتفلون، سبب مجهول ما يدفعهم لإعداد الولائم و الابتهاج، سنة مضت و ستأتي أخرى ستمضي بدورها، لأكن صريحاً: كل الأعياد بما فيها عيد ميلادي الذي كانت والدتي تُصرّ على أنه يوم عظيم لا تهمني، اليوم و في هذا الطقس العاصف و في منزلي الواقع في بستان كبير على أطراف قرية صغير أحتفل لوحدي بنزيف الذاكرة، أحضّر عشائي و أجلس مع أطياف من كانوا يغنون و يرقصون، لم يتغير شيء أبداً في المشهد سوى أنني الآن أستطيع أن أتوقف لأفكر بأمر ما يخصني دون أصوات قسرية مصاحبة لطقس الاحتفال، و عندما أنتهي من فكرتي أُطلق العنان لأصوات المبتهجين مرة أخرى، أرتشف جزءاً من كأس النبيذ الموضوع أمامي، و أُنصت للريح، يوماً ما سأموت على هذه الطاولة، أو ربما سيقتلني أحد و سيصبح دمي مثل النبيذ في الكأس، شفافاً و غريباً، أحياناً أشعر بالرهبة في هذا المكان الموحش، عملياً لا يزورني أحد، ليس لأن أهل القرية تنقصهم طيبة الريف و محبة التواصل الاجتماعي، بل أنا هو السبب، الصوت البشري نوع من أنواع الضجيج بالنسبة لي، أتحمله لفترة قصيرة، ثم يبدو مثل مطارق تعمل في رأسي دون نهاية، و رغم أن بداياتي ودودة مع الناس إلا أنه سرعان ما أتحول لشخصٍ غير مبالي، أريد فقط أن ينتهي هذا الجحيم في رأسي، و أن أعود لهدوء الماء، الماء الموجود في البحيرة الملاصقة لبستاني.

ستكسر العاصفة اليوم حتماً بعض أغصان الأشجار أو ربما تقتلع شجرة بأكملها، انتابني شعور غير لطيف بأن قاتلاً طليقاً يتجول في البستان قريباً من بيتي، و أن اليوم سيكون آخر يوم لي في الحياة، شربت كأساً آخر، فليكن، لا يهمني الأمر حقاً، ربما أستطيع رؤيه و قتله، و سأدفنه هنا و لن يعود ليؤذي أحداً غيري، لن يسمع بموته أحد، قاتلٌ مغمور لقي حتفه على يد شخص غير مبالي مثلي، أشعر أن خيالاتي تزداد سوءاً و بعداً عن الواقع، ربما هي سنوات الوحدة الطويلة، لأفكر إذاً في أمرٍ أكثرَ متعة، لأتخيل وصالاً جسدياً، أنا مبدع في تصنيع القصص الغريبة و المشوقة، ثم سأستمني كما أفعل عادة، علاقاتي الجسدية نادرة ومحصورة بعدة محاولات مع زميلات لي في عملي السابق، و انتهت جميع هذه العلاقات بأن أصابهن الاكتئاب أما أنا فقد انغمست في الوحدة أكثر، لم أعاشر أي عاهرة، أفضل الاستمناء أكثر، أستمتع بالإناث يأتين دون ضجيج في أحلامي، أجمع اثنتين معي أحياناً أو أقوم بطقس عربدة مع مجموعة، و في الغالب تزورني شخصية غير متوقعة و أعيش الجنس كمسألة وجودية غير محلولة، أقبلها دون برهان!، لا توجد مقدمات و لا نتائج، يوجد ذاك الصمت اللذيذ و بعض الهمهمات، و منطقةُ غيابٍ تقع بين نصفَ حزن و نصفَ ذهول.

في تلك الليلةأتحدث عن ذاكرة عشر أعوام مضت، في تلك الليلة و العاصفة تبحث عن اكتمال عنيف، و البرق لا يكف عن إعماء الأبصار و من النافذة التي تُطل على مدخل البيت و الطريق المتجه للبحيرة كان هناك شبح امرأة ترتدي عباءةً بيضاء و تسير نحو مدخل المنزل، في البداية ظننت أني أكثرت من النبيذ، أو ربما هناك من سممه و أنا أهذي قبل الموت، تبدد كل هذا من رأسي مع طرقاتٍ متلاحقة للباب، هل وراءها العصابة التي ستقتلني؟، تخيلت كل الأمور السيئة التي يمكن أن تحدث لي إلا أمراً واحداً: “أن تكون قد أتت لتقضي هذه الليلة معيرغم حاجتي الماسة لتصور هذا الأمر. فتحت الباب بحماقة و كأني أستقبل مصيري المحتوم دون اعتراض، و بلهجة بدوية صافية قالت لي السلام عليكم، نظرتُ إليها لبضع ثوانٍ قبل أن أقول لها تفضلي، كانت مبتلة بالكامل و يبرز من طرف الوشاح الذي تلف به رأسها خصلات من شعر أسود فاحم، سمراء، العيون شرقية، لا يوجد فيها أي أمرٍ استثنائي يمكن أن أصفه، ليس فيها شيء مميز، قلت لها أني وحيد هنا، و أنها ربما قد أخطأت العنوان، أجابتني بلهجة صارمة، أعرف إلى أين أتيت، اليوم أنا متعبة و أريد أن أنام، و غداَ سيكون بيننا حديث طويل، قلت في قلبي: “إن مقدراً لي رؤية ضوء الصباح، أرشدتها إلى غرفة نوم مجاورة لغرفتي، أعطيتها بعض ثيابي، آسف لا توجد ملابس نسائية في هذا المنزل، غادرت إلى غرفتي و بقيت طوال الليل بلا نوم، حتى تأثير النبيذ تبخر في الدقائق الأولى لمقابلتي لها، و بقيت بلا نبيذ ولا أحلام جنسية، كنتُ مثبطاً غير قادر على فعل شيء أو تخيل أي شيء، للمرة الأولى أعرف الضجيج المزعج في الصمت، في غرفتها صمت القبور، ليتها تقوم بحركة ما لأشعر أين هي الآن أو ما هي خططها.

بدأت خيوط الشمس الأولى تتسرب من نافذتي وفجأة غمرت روحي سكينة غريبة واستسلمت للنوم كطفل صغير غير آبه لذاكرة وجود شيء ما في الغرفة المجاورة لي قد ينقضُّ فجأة ليدمر كل حياتي.

لا أعلم كيف استغرقتُ في نوم عميق كهذا، استيقظت بعد منتصف الظهيرة على وجع ذاكرةٍ قديمة، فتحتُ عيني بصعوبة بالغة، بدا لي ما حصل البارحة كحلم بعيد، أردت النهوض فلم أقوى على فعل ذلك مباشرة، هل كنت أحلم البارحة؟ لم تمهلني الأصوات القادمة من خارج غرفتي كثيراً لأغوص في هذا الوهم، لست وحيداً في المنزل، فتحت باب غرفتي و نزلت الدرج إلى الطابق السفلي، استقبلتني رائحة طعامٍ شهية، هي بلباسها الأبيض مرة أخرى، لكن اليوم في الضوء وبلا غطاء على رأسها، انسدل السواد على الكتفين و جاوزه، كان لقاء الأبيض بالأسود يشبهنا على نحو ما، نحن، أنا و هي، جلست على مقعدي في الغرفة التي قضيت فيها معظم أيامي أقرأ أو أنجز فيها عملي الهندسي خلف شاشة حاسبي المحمول، ماذا أقول لها، هل أسألها، أم أتركها لتقول لي كيف وصلت إلى هنا و لما اختارتني أنا، السؤال الأهم هل سأقبل بوجودها هنا أم علي تدبر طريقة ما لإخراجها، أشك في قدرتي على احتمال ضوضاء شخص آخر معي، الشيء الآخر الذي استغربته، أن جوعي الجنسي اختفى، لم أفكر بها كموضوع جسدي يمكن أن يكون متوفراً رغم حاجتي الماسة لذلك، لقد مضت سنتان لم ألمس فيهما أي امرأة، عدم اهتمامي الجسدي بها ليس أصيلاً في نفسي أو ناجمٌ عن انعدام الرغبة، بل نفور من تلك اللحظات التي أصحو فيها بعد مرور الرعشة لأجد نفس وحيداً في جوار كائنٌ سيثرثر بعد قليل عن أمرٍ لا أفهمه، حاجتي الجسدية حرجة لكن نظرة واحدة لهذه السيدة أمامي تجعلني لا أفكر في هذا مطلقاً، لا شيء فيها غير مقبول لدي، على العكس من ذلك، تفاصيل جسمها أكثر من مقبولة بل مغوية، ربما في ظروف أخرى كنت صنعت منها ألف خيال وابتكرتُ ألف محاولة إغواء، لكن هناك شيء في عينيها، شيء غير مفهوم يجعلك تُنصت لها و تترقب حديثها أولاً، يصبح الجسد جسدهاقضية بعيدة و غير ملّحة، لا تريد أن تخسر القادم و المُحتمل من أجل مجرد رغبة حمقاء، كيف تجزم أن كل هذا فيها؟ أنت لا تعرفها، ولا تعرف طباعها وأفكارها، هل قدومها واقتحامها حياتك بهذا الشكل الفج قد جعلك تشعر بالرهبة؟ لم تُمهلني كثيراً من الوقت قبل مناداتي لأتناول الطعام معها، مأدبةٌ بسيطة من المتوفر في براد المنزل بعد أن أعادت هي صياغتها بالنار وها هي النتيجة: أنا أتناول وجبة الغذاء مع غريبةٍ تتصرف كصاحبة المنزل وأتعاملُ أنا معها كزوجة أعرفها منذ أكثر من ربع قرن ومازال الوئام سائداً بيننا!

جلسنا بعد الغذاء أمام النار مع كأسين من النبيذ وبعض المكسرات، لا أظن أنها ستستطيع الهروب أكثر من صيغة السؤال في وجهي، احمرت وجنتاها بفعل تأثير النار والنبيذ وبدأت الحديث:

أعرفك منذ خمس سنوات أو أكثر، أنت لا تعرفني، لكن ربما ستتذكر اسم سهام، هل تذكر سهام التي تعلق دائماً على القصص التي تنشرها في مواقع المنتديات على الانترنت، أنا هي، بالتأكيد هذا ليس اسمي الحقيقي، لا أحب التخفي خلف اسم مستعار لكن للضرورة أحكام، نفس الاسم استخدمته في مواقع التواصل الاجتماعي و أعرف أنك ربطت بين الاسمين سريعاً، تحدثنا بضع مرات في السنة الأخيرة، الآن أصبحت تعلم شكلي الحقيقي، و ترى وجه من كان يحاورك، ألم أقل لك أني أعرفك، آسفة لأنه لم تسمح لي ظروفي من قبل الافصاح عن هويتي الحقيقة، هذا الموضوع يحتاج لشرح طويل، لكن الآن و بصراحة تامة أنا هاربة من حياتي و مجتمعي و ليس من قضاءٍ أو سلطات، لا أرغب أن يعرف بوجودي أحد هنا، منطقتي تعرضت لقصف و هجوم من قبل عدة أطراف، أستطيع الاختفاء كما اختفت عشرات آلاف الأسماء، أهلي بعيدون من هنا، أعرف أنك تعيش وحيداً و يوجد مشكلة في استقبالك لي و خاصة أن المنطقة ريفية و لا تقبل أن أعيش معك هنا كصديقين ولو كان تعارفنا في بيئة رقمية، لم أسألك من قبل موافقتك، لا توجد لي خيارات أخرى و ليس لدي شك أيضاً في أنك ستقبل مساعدتي، اسمع أنا الخادمة هنا، سأستخدم الغرفة في الطابق السفلي، و ستقول للجميع هذا الأمر، أعرف أنه لن يكون مريحاً لهم لكن مع الزمن ستصبح هذا الأمر صيغةً مقبولة نوعاً ما لوجودي معك، سأعمل جاهدة على تكريس هذه الفكرة في المنطقة حولنا، ما رأيك؟

ما رأيي؟ لم أستوعب في بدء الأمر كيف استمعت إلى كل هذا الكلام، و لماذا لم يعترض الهواء في صدري على مضمونه و لو بزفير خفيف، كنت أعرف سهام فعلاً أو بشرى كما باحت لي باسمها الحقيقي، بشرى الحمد، و أرغب فعلاً في أن تساعدني بوجودها قربي، أحتاجها فعلاً، لأعترف على الأقل أن جانباً مني سُرّ بما سمعته منها، لكن ماذا لو أصابها الاكتئاب مثل الأخريات و بدأ الضجيج حولي، أُصبحُ نزقاً حين أرى الخيبة التي أسببها للناس حولي، لا يبدو أن التفكير في هذه المسالة سيُفضي إلى نتيجة، في مثل هذه الحالات عادة ما ألجا لصوتي الدخلي العميق، إلى حدسي، إلى الجواب الذي لا يحتاج إلى تفكير و يخرج عفوياً، و عادة ما يثبت الزمن و الوقائع أن القدرات العقلية غير المدركة هي أقوى بكثير و أهم من تلك المدركة، حسناً، تستطيعين البقاء بشرى، انتهى تغيير حياتي بشكل كامل بجواب سريع و حاسم، لماذا اتخذت هذا القرار؟، لا أدري، ذلك الصوت الذي حماني طوال عمري أسرّ لي بذلك، أصبحت لي خادمة، و سيمضي من الوقت بضعة أشهر تسنُّ فيه القرية ألسنتها لتصبح حادة و ثاقبة، و ستمر تلك الأيام بيسر نوعاً ما، أخبرتكم أن احتكاكي بالناس قليلٌ جداً و أنا لا أستمع للإشاعات فهي تأكل معي و تشرب و تنام قربي منذ زمن بعيدٍ جداً، هي رفيقة حياتي الفعلية، ما المشكلة إن زادت إشاعةً واحدة، المهم في الأمر أن أحداً لم يتعرض لبشرى بكلمة سيئة، توجد بعض النظرات غير المستحبة من جزء من نسوة القرية لكن الأمر لم يتعدى هذه المرحلة، شيئاً فشيئاً بدأت تختفي هذه النظرات أمام المنظر الهادئ و الوقور لبشرى، و أمام تفانيها في العمل في الحقل و في المنزل، كل ضيوفي النادرين أكدوا هذا الأمر لزوجاتهم و أخواتهم و أمهاتهم، و بعد عام أصبحت بشرى الحمدأحد أفراد هذه القرية الصغيرة، مميزةً بثوبها الأبيض و غطاء الرأس الذي يكشف جزءاً مهماً من الليل الفاتن الذي تحمله فوق رأسها، هذا ما حدث خارجاً لبشرى أما قصتي معها فأمر آخر تماماً و لا يمكن اختصاره هنا كاختصاري حكايتها مع أهل القرية التي أسكن على تخومها.

بشرى الحمدمهندسة اختصاصها في مجال المعلوماتية، تتقن اللغة الإنكليزية و تتحدث بها بطلاقة، مبرمجة قديرة، عاشقة لنظرية الأعداد و خوارزميات التشفير و التعمية، يبدو أن القدر كان رحيماً بها و لم تقع في أيدي التنظيمات المتطرفة في منطقتها، إنها كنز حقيقي بالمعنى الحرفي للكلمة، كانت تستطيع أن تؤمّن اتصالات أي تنظيم عسكري عامل على الأرض، مهارتها الفريدة في قدرتها على تحويل النظريات الرياضية المتاحة للجميع إلى برمجيات حقيقية و هذا لوحده سلاح حقيقي بل سلاحٌ خطير، استطاعت بشرى الاستفادة من الحواسيب المتعددة في منزلي و قامت بتشبيكها و استخدامها لتجربة برنامجها الخاص بالبحث عن الأعداد الأولية الكبيرة وهذه هي الخطوة الأولى في خوارزميات التشفير التي تستخدم المفتاح المعلن، بالطبع لا يمكن لبضع أجهزة مكتبية أن تقوم مكان حاسب عملاق تستخدمه الشركات المتخصصة، لكن يمكن التغلب على هذا العائق جزئياً إن استطعنا استخدام جزء من طاقات الكمبيوترات التي تعمل في منطقتنا الجغرافية و لا نستخدم عادة إلا جزءاً يسيراً من طاقاتها الحسابية، بشرى تفكر في هدر الطاقة، طالما هذه الأجهزة تعمل و تستهلك الطاقة لماذا لا نستغلها، الفكرة موجودة و ليست اختراعاً جديداً، لكن بشرى تستطيع تطوير البرمجيات اللازمة لذلك، هي موهوبة بشكل استثنائي، عرفتها تتذوق الشعر و الأدب و اليوم أعرف لأول مرة هذا الجانب النادر عنها، يا لهذا البلد المليء بالحمقى، لو يعرفون أي عقل تحمله فوق كتفيها و تخفيه بالليل المسكب كشلال ساحر فوقه، ليس عجباً توقفُ إحساسي الجنسي في حضرتها، لديها طاقة عقلية مرعبة في قوتها ودقة تحديد أهدافها، لديها تطوير خاص بها لمناخل الأعداد الأولية و قد حولته لبرمجية تعمل بكفاءة على الأجهزة المتوفرة لدي، سألتها هل تريدين أن تغادري خارج البلاد؟ هزت رأسها

أبداً

إذاً أخفي ما تعملين عليه ولا تنشريه يا رفيقة، قد يقتلونك من أجله

تضحك وتمازحني بلهجتها البدوية المحببة ثم تنخرط في حزن عميق، كان حزنها ينغرس نصالاً في قلبي، لم أكن لأسمح أنا الوجه البارد الذي لا يباليلألمي أن يخرج وهي تتحدث، هل أخون تراثي في الصمت؟ هل أخون ملامح الجبال في روحي؟ أي عقل تملكين يا بشرى، أي عقل تملكين يا بشرى، لم أشعر بتكراري هذه الجملة دون وعي مني، كنت أحدق في عينيها اللتان تلمعان شغفاً بما تتحدث عنه، هذا السواد الصغير الساحر، و الفم الذي ترقص شفتاه مع الحروف، يا ابنة الصحراء لديك بصيرة المدى و لدي حزن المطر، كانت تغوص في تفاصيل تقنية أفهم تماماً البعد الآخر الفلسفي لها، مستمتعاً بالوجه ينضح بنور إيمان آخر، بشرى الملحدة لديها إله لا يتركها و لا تتركه، لا تصدقوا أنه يوجد جمال في الكون كله بجمال وجه يُشعُّ نوراً، كنت أغالب دمعة تعاندني بشراسة في زاوية عيني حين توقفت بشرى فجأة عن نزيف الكلام و نظرت باتجاهي و صمتت، لم أستطع منع عيناي من تفحصها من رأسها إلى أخمص قدميها، بقينا صامتين برهة من الزمن قبل أن تبتسم و تُطرق برأسها نحو الأرض، كانت تبحث في عقلها عن ارتقاء جديد، يستحيل هذا العقل أن يهدأ أو يستكين، شعرتُ بالبلاط أمامي يتحول لورقة بيضاء بين يديها لترسم فوقها برنامجها الجديد المبدع، نظرت إلي بجرأة ملكةٍ سوريةٍ قديمة قبل أن تجتاح منطقتها بكتيريا الذكورة لتقتلنا و تقتلهن معنا و قالت: “عقلك يسأل عن شكل كل التفاصيل الموجودة تحت ثوبي الأبيض أليس كذلك؟ هذا فضول العقل الطبيعي، أنا وأنت نعرف ذلك، وكلما قاومته سيزداد هذا الفضول جموحاً قبل أن يُصبح ساماً في النهاية ويقتل الروح والعقل والبصيرة، أعرف هذا من نزقي حين يمر يومٌ لا أتعلم فيه شيئاً مهما بدا صغيراً عن موضوعٍ ما جديد، اترك لعقلك كل مداه أحمد، ههه يا أحمد العربي وهذا مديحٌ بلهجة محمود درويش و ليس بلهجة العار الذي نعيش فصوله الآن، يا أحمد العربي الخارج من كل حصار، أمهلني دقائق و سأعود“.

عادت بكأسي نبيذ مشروبنا المفضل في هذا الشتاء القاسي ثم جلست على المقعد المقابل لي أمام النار في موقد الحطب، يحدث أحياناً أن يتحول الاعتياد إلى جمالٍ صافي مثلما تحول عصير العنب إلى الجمال الشفاف الخمري اللون في وهج النار، رمت وشاح رأسها وتركت الشعر يتناثر فوق كتفيها، فكت أزرار ثوبها، برز نهدها الصغير قبل أن ينكشف كلياً و هي ترفع جذعها ليسقط ثوبها نهائياً عنها، نزعت بهدوء ملابسها الداخلية، بعد الخصر النحيل تكبر منطقة الحوض و تستمر عبر فخذين ضخمين نسبياً قياساً لحجمها هي، وضعت رجلاً فوق رجل فعدت إلى أمنيتي القديمة: أن أتوقف عن ممارسة عملي الهندسي و أنتقل إلى مجال النحت، الأبنية التي نصنعها هي أشياءٌ عديمة القيمة جمالياً و إنسانياً، و أما تخليد هذه اللحظة وهذا الوجه و هذا الجسد في منحوتة هو حتماً أهم من كل شيء أنجزته في عملي حتى الآن، سألتني:

ألا تريد أن ترمي ثيابك أنت أيضاً؟

توقفت عن النظر إليها مرتبكاً، قالت لي: “لا تبعد وجهك عني…. انظر، سيسأل عقلك عن التفاصيل عندما تُصبح بعد قليل وحدك، انظر و احفظها، ارسمها في عقلك، ألست مهندساً ناجحاً يا أحمد العربي، فليأت الحصارجسدي هو الأسوار…. فليأت الحصار…. و أنا حدود النار …. فليأت الحصار، ما بالك يا أحمد، انظر أيها الشقي، انظر إلي و احفظ كتابك، احفظ مدن الشرق و ليله و موسيقاه، ما بالك يا أحمد الشرقي، يا أحمد الزيتون و سفوح جبال الزعتر، أجبتها : “لدى الذكور مشكلة ليست لدى الإناث، نحن لا نستطيع أن نُخفي حالتنا، و لماذا تخفي أي أمرٍ يا أحمد، لماذا نعرف جميعاً الحقائق و ننكرها، ارم ثيابك كما فعلت أنا

لأول مرة أشعر بهذا القلق أمام عينين جريئتين تتفحصان كل ما فيّ، تحفظ ملامحي و كل انفعالاتي، مضت بضع دقائق قبل أن ننخرط سوياً في ضحك خفيف و ساحر و نحن نتآلف مع مشهد جسدينا، انتهى الأمر و انتهت رهبته، ما أجمل روحك رفيقتي، و أنت يا رفيق الروح ما أعذبك، ماءٌ باردٌ يرد الروح، عطشتُ كثيراً يا أحمد لكني اليوم ارتويت، هيا لنلبس ثيابنا، هذا الشتاء لا يرحم، برده يخرق العظام، ارتدينا ثيابنا و أكملنا نبيذنا ثم عدنا لنقاشنا العلمي حتى أصابنا النعاس، سألتها و أنا أغادر متوجهاً لغرفتي للنوم:

ألم تخافي أن أغتصبك؟

أأقول لك الحقيقة؟، نعم تخيلت ذلك، و ربما كان في داخلي جزء مني يتمنى حدوث هذا الأمر و لن أكون نادمة عن المتعة التي سأشعر بها معك، تُعجبني يا أحمد ولا أنكر ذلك، لكن لو حدث ذلك ما كنت لأبقى هنا، سأرحل يا أحمد العربي .. يا أحمد العربي قاومْ ….. إنّ التشابه للرمال و أنت للأزرقْ …. قاومْيا أحمد الكَوْنيّ في هذا الصفيح الضيّقِ المتمزّق الحالمْ …. قاوِمْ ! ..الآن أكمل فيك أُغنيتي ….و أذهب في حصاركْ و الآن أكمل فيك أسئلتي و أولد من غبارك فاذهب إلى قلبي تجد شعبي شعوباً في انفجارك، لو اغتصبتني يا أحمد ستُسعد الجسد و تقتل الروح يا رفيقي، و لن تكون أحمدَ الرفيقُ و قطعة السكر و ماء الروح يا عطشي، شكراً لك يا رفيقي، شكراً لك، اذهب للنوم يا أحمد و لا تقاوم ما ستتخيله، لا تقاوم يا قطعة من روحي ، لا تقاوم يا صديق القلب و العقل…

أحمد أحمد لقد قتلت زوجي“.

شعرت بفراغ كبير خلف ظهري يكاد يبتلعني، مهما حصل لم أكن لأسمح أن ينتزعني أي أمر من هذا السلام الذي غمرني، حتى لو كان الأمر هو البوح بجريمة قتل.

اليوم خمرٌ و غداً أمر يا بشرى، اليوم خمرٌ و غداً أمر، أنا الآن صاعدٌ نحو التئام الحلم لا تأخذيني من الحَمَامْ …. أنا الآن البنفسج في قذيفهْ!”

تصبحين على خير بشرى

توقعت ألا أستطيع النوم مثلما حصل في الليلة الأولى، لكن لم تمضي سوى بضع دقائق حتى كنت أغط في نوم عميق وساحر.

كان الماء يحاصرني من كل الجهات و المطر يهطل فوقي بغزارة، قلبي يدق بعنف فقد حانت لحظة المواجهة، أجول بنظري في كل الجهات فلا أرى قارباً أو يابسة، أعلم بقلب العارف أنه يتوجب علي السباحة طويلاً لأنجو من هذا المكان، خلف الأفق توجد يابسة، إنه إيمانٌ آخر دون أي برهان، ماذا لو استنفذت كل قواي في السباحة ولم أجد غير حصار الماء، و أتهكم ساخراً من نفسي: “و ما أنت فاعلٌ هنا غير البقاء داخل الحصار!”، أنتظر إشارةً من الإله المحتجب، حمامةٌ ترفُّ فوق الماء فأعرف منها أن اليابسة قريبة، لكن لا إشارات يُرسلها المحتجب إلى الكفار مثلي، عليك أن تبحث في قلبك عن الايمان يا أحمد، هل أقرر السباحة؟، فجأة يصبح الماء شفافاً ليذكرني بآلاف الغرقى المعلقين مثل نجوم في سماء على أعماق مختلفة، أسمع صوت والدتي تنادي: “تعال، أتذكر أنها توفيت منذ زمن بعيد و هذا ينشر في جسدي الرهبة، ثم أراني أخطو خطوتي الأولى، و تعيد والدتي النداء : “تعال، أضرب الماء بيدي فأندفع بسرعة رهيبة فوقه، أضربه ثانية بقوة أكبر فتخرج من يدي أمواجٌ هائلة تنتشر في كل مكان، أضرب و أضرب و أندفع فوقه كقارب رياضي ملامساً سطحه ثم أميل ببطء منتصباً فيسكن وجه الماء و أرّف كظل فوقه سائراً نحو قصدي، قلبي الخائف لا يكف عن الخفقان، لا توجد خليةٌ واحدة تصدق ما أشعر به هنا، مبدأ الشك، هذا العقل الذي لا يُصدّق حتى يختبر و يرى، و فجأة أسمع من بعيد دوي تكسّر قصرٍ من زجاج، قصرٍ مهيب يهوي متراكماً فوق نفسه ثم يغوص في عتمة القاع….


أصحو لأذكر بصعوبة: “لست وحدي في هذا المنزل كما اعتدت لسنوات


أنزل للطابق السفلي متجهاً للمطبخ، ماذا حصل يا بشرى، أرى السكر و قطع الزجاج على الأرض..

هل آذيت نفسك

لا وقع من يدي و أنا أعدُّ الشاي


كانت رائحة القرفة تغمر المكان، الشاي بالقرفة، تغويني النكهات العطرية، تلك الأشياء الرقيقة التي نتناولها فترتفع بمزاجنا حين يختلط الطعم الرقيق بالرائحة، لم نفقد اتصالنا بعالم الحيوان، ما زلنا نحتاج تضافر عدة مؤثرات بدائية لنشعر بالراحة، الشاي في هذا الصباح البارد نعمة، و مع العطر المتدفق منه سيصبح الفطور أشهى، في الحقيقة لم أكن أود الاعتراف أن وجود بشرى قد جعل الحياة أحلى، لذلك اقترفت ذنب كل هذه الإطالة عن رائحة القرفة.


تناولنا فطوراً بسيطاً بصمت، لم نتبادل الكلمات مثلما كنا نفعل كل يوم، ربما هو تجنّبُ كل منّا إحراج الآخر، أنا أقول لنفسي لن أضغط عليها لتبدأ الكلام عن تصريح البارحة، و هي لا تعرف من أين تبدأ. انتهى أطول فطور لنا لكنها بقيت على الكرسي صامتة و بقيت أنا قربها، و بعد بضع دقائق، همست : “لقد قتلته، ثم عادت لترفع صوتها أكثر لقد قتلته يا أحمد“.


تزوجت في السنة الجامعية الخامسة، لم يكن لدي خيار آخر، إما الهروب خارج كل منطقة نفوذ العائلة أو القبول بالنمط الاقتصادي و الاجتماعي السائد، لا يكفي أن يكون لديك الوعي حول وجود المشكلة، بل يجب أن تطور أدواتك للخروج منها، لا تكفي الأحلام يا صديقي، لا تكفي الثقافة، مقاومة غول التخلف و التعصب و الانغلاق يحتاج أدوات قوية، أسلحة، معرفة، مال، جميلة الأشعار و الأمنيات، لكن التحرر صناعة و تطوير أدوات، يجب أن تصنع انتصارك لا أن تحلم به، في ذلك الوقت و أنا ابنة العائلة الفقيرة التي أنجبت أحد عشر طفلاً لم يكن لدي حتى حق الكلام، و لو تكلمت ماذا أفعل؟ و لو اقتنع والدي ماذا يستطيع هو أيضاً أن يفعل، ذاك هو الحصار يا أحمد العربي، و ليس حصارك!، كان من قبيلة كبيرة، أهله أغنياء، و يوجد خيط قرابة بينه و بين والدي، هذا هو زوجك المستقبلي أتوافقين؟، جميل سؤال أبي حول موافقتي، أستطيع نظرياً أن أقول لا لهذا الحطام أمامي الذي يمنعه من الانهيار حاجة بقية الأفواه إليه، أستطيع نظرياً أن أحتمي بالشرع الذي دفع والدي إلى سؤالي قبل إتمام الصفقة، الله لا يحمي الفقراء يا أحمد، الله يحميهم هم ولا يحمينا، صَمَتُّ بفعل القهر يا أحمد، لم يكن لدي جواب و كل طرق العذاب تؤدي إلى روما، و هكذا تزوجت من هذا الثور إياد، هل يبدو لك أنه اسمه يوحي بصورة رجل محترم؟، ربما سماه والده بهذا الاسم لعلمه المُسبق أن سيحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية، و سيتسلق المناصب المهمة، ألم أقل لك أنه من عشيرةٍ كبيرة، هو من مراكز القوى المهمة في مناطقنا و الدولة لديها عشقٌ غريب لأصحاب اللحى و قادة العشائر و العائلات، هل هو زواج مثلي!؟ ربما فالدولة ليست أنثى بالتأكيد بل هي قطيع كبير من هؤلاء الثيران، لا تلمني على تقيمي هذا فأنا لم أجد قانوناً يستطيع حمايتي، لا يوجد أي قانون يحمي كارثتين اجتمعتا في مكان واحد: “أنثى و فقيرة، الثور إياد أرادني جارية، ولم تمضي السنة الأولى على زواجنا حتى تزوج من موظفةٍ في الشركة التي منحوه حق إدارتها و اغتصابها!، عذب زوجته الثانية كثيراً و تركها في إحدى المرات بملابسها الداخلية على شرفة المنزل في برد الشتاء قبل أن يطلقها في اليوم الثاني، في السنة الرابعة لزواجنا تزوج من طالبته في الجامعة، كان يكبرها بعشرين عاماً و كانت هي في السنة الثانية عندما أصبحت زوجته، بعد زواجه بها أصبح يضربني، إلى من ألتجأ يا أحمد، إلى والدي العاجز عن مساعدتي، إلى قانون يمنع نظرياً مثل هذه الأمور لكنه عاجز فعلياً عن ردع مثل هؤلاء، إلى من ألجأ؟ إلى القاضي الذي يؤيد النصوص الدينية في مجالسه الخاصة و خاصة تلك التي تتعلق بضرب الزوجة، هل تعتقد أن قاضياً يستطيع مواجهة سلطة قبيلة في مكان نفوذها و قوتها. لم أسمح لهذا الثور إياد أن ينتزع مني عقلي، تابعت أحدث الأبحاث ضمن تخصصي الجامعي، كان غيابه الطويل عند زوجته الثالثة أمراً جميلاً و مفيداً لي، أصبح البيت واحة معرفة في غيابه، لدي ساعات و أيام لأقرأ، لم أنجب منه أولاداً و هذا أمر أسعدني، لا أريد أن أعاني انقسام الروح بين طفل ينتمي لي و ينتمي لكرهي له أيضاً، رفيقتي الوحيدة و هي زميلة لي في الجامعة تزوجت من عامل بسيط كانت مستودع أسراري هي و زوجها المحب، هي فقيرة أيضاً مثلي لكنها اختارت إنساناً تتزوجه و ليس مجرد ثور يحمل شهادة جامعية، في الحرب الأخيرة، انقلب زوجي على حلفاء الأمس و أعلن معارضته، و شيئاً فشيئاً بدأ يتواصل مع التنظيمات الأصولية، ربما اعتقد أن الغلبة ستكون لهم في النهاية، هو يدعي التدين ادعاءاً ، أنا الذي أعرف حقيقته يا أحمد، لكن ما الذي سيتغير من حاله في ظل دولة دينية!، لن يتغير أي شيء سوى استطاعته الحصول على الجواري، وهذا يسعده يا صديقي ولا يزعجه، الله اكبر ..فليكن، و لتسقط كل الأمة العربية التي نادى بشعاراتها سابقاً في أعماق جحيم هؤلاء، المهم أن خصيتي الثور زوجي بخير، و نفوذه بخير، و سباياه و أنا أولهنبخير.

و كيف قتلته بشرى؟

لم أقتله بيدي مع أني كنت أتمنى لو فعلت، قصفت طائرات المزرعة التي كنا نسكن فيها فتهدم جزء من المنزل و هو وقع جريحاً بن الأنقاض، كنا أنا و هو في المنزل فقط، أُصبت أنا بجروح خفيفة، أما هو فكان ينزف بغزارة، كان علي أن أخبر أحداً من أهله ليرسل من ينقذه من تحت الأنقاض، لم أفعل يا أحمد، لم أستطع حتى التفكير بإنقاذ هذا الكائن الذي يدّعون أنه زوجي، أدرت سيارته، لم يكن يسمح لي بقيادتها، عارٌ إن فعلت، لكن هذه المرة سأقودها نحو حريتي، ذهبت أولاً إلى مدينة مجاورة، ثم انتقلت بين عدة مدن قبل أن أستطيع الوصول إلى حلب، و عندما تم تحريرها استطعت الانتقال منها و قصدت المدينة التي تقطن بها أنت، سمعت أنهم وجدوه ميتاً بين الأنقاض، أحياناً يصيبني الندم، أنا قاتلة يا أحمد، ربما كان من واجبي مساعدته و لأهرب بعدها، لكنه كان سيلاحقني في كل مكان، أعرف هذا و أعرف مقدار نفوذه و مقدار ما يفعل المال الذي بين يديه، سيلاحقني و ربما سيقتلني، لدي نوازع مختلفة تجاه هذا الأمر، أتمنى أحياناً لو قتلته بيدي، و أحيانا أتمنى لو أني أنقذته، ليس سهلاً أن أعيش مع شبح هذه القضية، أهلي ظنوا أني مت أو خُطفت، لم يعد أحد يقوى على السؤال عن الآخر، تشردت عائلات بأكملها بين الموت و المعتقلات و المنافي، هذه قصتي يا أحمد العربي، وهذا تناقضي، بين الجناحين الذين أحملهما فوق كتفي، و بين ما كنت مستكينة له، ربما هذه الحرب أتت بفائدة علينا، لم نعد نخشى الموت يا أحمد، أصبح الموت قطعة منا و أصبحنا قطعة منه، صمتت قليلاً و سألتني متى سيأتي ضيوفك غداً و ماذا تريد أن أحضر لك لاستقبالهم؟


ليسوا ضيوفاً يا بشرى، ليسوا ضيوفاً هم فريق استطلاع


فريق استطلاع!”

نعم فريق استطلاع، مُخبر شيخ القرية يرافقه ابن عمي و زوجته الثرثارة و هما محسوبين على فريق الاستطلاع العائلي، يريدون أن يعرفوا سر الخادمة الجديدة، لذلك يجب أن يتحملوا كُرهاً زيارة أرض العدو

أرض العدو!”

وهل تظني أن حالي بأفضل من حالك يا بشرى العربية!، يا بشرى العاديّة ‍التي مَحَوْتَ هذا الفارقَ اللفظيّ بين الصخر و التفاح ….بين البندقيّة و الغزالهْ !، كان على محمود درويش أن يكتب عن بُشرى أيضاً و ليس عن أحمد العربي الذي ترميني به في كل حديث لنا.

لنرى يا بشرى كم من الوقت سنصمد أمام الغزو القادم مساء الغد

لم يعد للشاي عطر القرفة، أصبح كل شيء فجأة مراً في حلقي و حلقها، أتى وقت الغذاء و لم يخرج أيٌّ منا من غرفته، و أتى العشاء و لم نخرج أيضاً، كان يوماً ثقيلاً على كلينا، و كان علينا أن نفيق في الصباح و نستعد لعاصفة اجتماعية جديدة، غداً سنُصبح حديث كل القرية.

محمود

في الصباح الذي يفصل بين معركتين مرّت ابتسامة يتيمة على شفتينا، ثم انهمكت بشرى بإعداد بعض الأطباق للعشاء، عشاءٌ لفريق الاستطلاع القادم الذي يريد معرفة سر السيدة التي استقرت فجأة في هذا المنزل و تملك لهجة غريبة و خطيرة في زمن الحرب، لم يكن لدي تصورٌ مسبق حول آلية صنع مشهدٍ مقبول نسبياً لحالتنا في الوسط المحيط بنا، فكرت باحتمالات شتى لم يكن لأحدها أي أفضلية على الآخر و في النهاية استسلمت وقررت الاعتماد على بديهتي و سرعة استجابتي لمتغيرات الواقع.

بعد الغذاء جلست أنا و بشرى في ركن الجلوس على طاولة خشبية بسيطة ملاصقة للنافذة التي تُطلّ على جزء البستان المجاور لحافة البحيرة، الهواء يداعب رؤوس الأشجار و يرسم تجاعيد فوق سطح الماء، عصفورٌ وحيد يغرد لسبب مجهول في مكان ما، كل شيء هادئ نسبياً باستثناء ذلك القلق الخفيف الذي يحاول كلّ منا إخفاءه عن الآخر، محمود، محمود يا بشرى كان شرطياً لكن ليس من أولئك الذين يقفون في الشارع و ينظمون السير، بل من هؤلاء الذين يلاحقون المجرمين المفترضين، كان قاسياً جداً في عمله، بل كان يفتخر علناً باستخدام أساليب التعذيب على المعتقلين في قسمه، لم يكن لديه أي موهبة، و كان ذكاءه محدوداً جداً لذلك لم يكن أمامه من سبيل لكشف خيوط الجرائم سوى أن ينهار المتهم من الألم فيتوقف عقله عن محاولة تضليل العدالة، بعض المتهمين كانوا يخرجون من المحاكم أبرياء حتى بعد الاعتراف الصريح أمام محمود، لكن هذا لم يؤثر على عمله و على ازدهار مهنته إلى أن ارتكب يوماً خطيئة فادحة، مات أحد المعتقلين تحت التعذيب و هذا أمر طبيعي و لا يستدعي عادة القلق، الأزمات القلبية و أمراض السكري و الأمراض الرئوية و سلسلة أخرى من الأمراض غيرها يُمكن أن تحدث ضمن فترة الاعتقال و تُفضي لموتٍ محتم، لكن من مات هذه المرة بأزمة قلبية كما زعم محمودلم يكن شخصاً عادياً بل كان مواطناً صالحاً له عدة أقرباء في مناصب هامة جداً، و بالرغم من ثبوت التهمة عليه إلا أن ذلك لم يشفع لمحمود الذي اضطر تحت الضغط للقيام بتسوية مريرة أفضت إلى الاستقالة من عمله، انتهت حياة محمود الوظيفية عند هذا الحد لأن أقرباء المرحوم كانوا يعرفون قواعد التصرف في مثل هذه الحالات، لم يكن اعتراضهم على أسلوب محمود في العمل بل على تصرفه مع المرحوم دون الاستفسار عن علاقات المتهم الذي بين يديه للتأكد من أمان تطبيق الإجراءات النمطية عليه، هنا كان خطأه بالضبط لذلك دفع الثمن غالياً و انتهت أحلامه الوظيفية و أحلام الترقي بها، و بما أنه اعتاد الحصول على احترام الخوف انتقل إلى العمل الديني و أصبح مرافقاً لشيخ القرية و الخليفة المنتظر له، لم يكن عمله السابق و سمعته تتعارض مع عمله الجديد فازدهرت أعماله الدينية، كان يُبدع في الدعاء للمسؤولين بشكل أفضل بكثير من الشيح الطاعن في السن و الذي يبدو أن إيمانه الديني بدأ يميل لصالح الإله فعلاً لذلك بدأت صلواته و أدعيته تقتصر على الجانب الروحي و تبتعد تدريجياً عن الجوانب المفروضة عادة على رجال الدين، لم يكن لهذا الشيخ من يخلفه في هذه المهنة، فلقد مَنَّ الله عليه بأربع بناتٍ و صبيٍ واحد، لكن هذا الذكر العاق انتسب لأحد الأحزاب الشيوعية المحظورة و تم اعتقاله لعدة سنوات قبل أن يستقر به المطاف في دمشقليتزوج و يُنجب ولدين يشبهانه، و بذلك لم يعد هناك أي أمل لشيخنا الجليل في إبقاء شعلة الإيمان في عائلته، ربما كان هذا أحد الأسباب الأساسية لقبوله احتضان محمود و تزكيته ليكون خليفته في القرية إضافةً إلى استفادته من علاقات محمود السابقة و التي استطاعت مع موهبته الفريدة في الدعاء للمتنفذين و المسؤولين من غسل جزءٍ من وصمة العار الوحيدة في تاريخ إيمان شيخنا الجليل: ابنه الذي لم يُحسن تربيه بالرغم من استطاعته كبح تيار ابنه في كل القرية و القرى المجاورة، لكن الله يقهر عباده دوماً لأسبابٍ غير مفهومة و يترك ثغراتٍ في نعمته عليهم ربما لكي لا يغترّوا كثيراً ويتمردوا، و هكذا اجتمع من له ثغرةً موجعة مع آخر له ذات المشكلة فأكمل كلاهما الآخر و صار محمود الخليفة المقبول اجتماعياً للشيخ الفاضل إحسان، إحسان الذي بنى قبره قبل أن يموت على أمل أن يصبح في المستقبل مزاراً يُشفي الناس من بعض الأمراض أو يجعل أرحام النساء تحمل بالأجنة، و هكذا سيبقى اسمه خالداً و لن يداهمه الموت كما سيفعل بجسده الفاني.

سعيدٌ و زوجته سناء، ابن العم الذي يخشى الاقتراب مني خوفاً من مواقفي السياسية المعلنة و زوجته ابنة عمه التي تزوجها بعد نقاش عائلي عابر في أحد السهرات التي أقيمت تحت ضوء القمر في ساحة القرية، دار يومها حديث عادي بين عمي وخالة سناء، و في هذا الحديث اكتشف الأب و الخالة أن سعيداً و سناء قد أصبحا في سن الزواج منذ فترة طويلة و بالتالي لا يجب أن يتم تجاهل الأمر أكثر من ذلك من قبل كبار العائلة بل يتوجب عليهم التدخل الإيجابي و المباشر وإتمام تزويج سعيدٍ من سناء، لم يكن سعيد من النوع الذي يعارض أو حتى يستطيع أن يعارض، و أما سناء فقد اجتمعت أمها و أخواتها لكي توافق على الزواج بسعيد، لم تكن تحبه و كانت تهوى في نفسها سراً ذاك الشاب الخجول في المنزل المجاور لمنزلهم، لكن لا يبدو أن هذا الأخير سيتحرك يوماً و يتوجه نحوها ولو بسلامٍ خاص يشجعها على محاولة الإيقاع به، و هكذا و في لحظة يأس ستظل تندم عليها طوال عمرها قبلت بالزواج من سعيد، استعرت الخلافات العائلية بينهما و وصلت أوجها في السنة الثالثة لزواجهما الميمون إلا أنها هدأت مؤخراً بعد أن أصبح أولادهما في الجامعة، هدوء الخلافات بينهما لا يعني أنها أحبته أو حتى قبلت بوجوده قربها، فقد تناهى إلى سمعي عن طريق التواتر و بما يشبه الإجماع أن سناء قد صرّحت و في فترات زمنية متباعدة أمام عدة صديقات أنها لا تطيقه ولا تطيق الحياة معه، و قد تولت الصديقات الوفيات نشر هذا السر الخاص في كل بيوت القرية، و مع ذلك كله ستقوم سناء بلطم رأسها و النواح حتى الصباح على رفيق عمرها لو توفي سعيد قبلها و سيساعدها على القيام بذلك تلك الأغاني الحزينة و اجتماع نسوة القرية في طقس النواح، في حضور الموت فقط يُمكن للقهر المخزون أن ينفجر حراً دون أن يسألك عن سببه أحد، الآن يوجد إطار عام يحتويه و هو إطارٌ مشروع و مقبول اجتماعياً و لو أن كل واحدة منهن تعي أن الأخرى تبكي قهرها الخاص و تبكي العمر الذي ضاع في حياةٍ لم تكن تشبه أبداً الحياة!.

السابعة إلا ربع، ضوء القمر يغمر بفيض نوره الساحر أرض البستان، الكهرباء مازالت مقطوعة لساعاتٍ طويلة فهذا زمن حرب، الأضواء الخفيفة موزعة في المنزل تغذيها بطارية أصبحت من تجهيزات المنزل الضرورية، صوت همهمة خارج المنزل، وفجأة ينطلق صوت محمود عالياً مستأذناً دخول المنزل، علا صوتي باستقبالهم مرحباً وهذا جانبي الخاص من طقوس القهر، أو لأكن صريحاً أكثر.. من طقوس الكذب المُعتَمد اجتماعياً، توزع الثلاثة حول النار و دخلنا في دوامة السؤال عن الصحة فكما تعلمون كل منّا يهتم لبقاء الآخر في أفضل صحة و أفضل حال، ثم انتقل الحديث إلى الزراعة و فشل المواسم و فشل المسؤولين الذين ندعوا لهم بطول البقاء في أفراحنا و في أحزاننا بتسويق مواسمنا، و بعد التلميح لوجود مؤامرة على أريافنا صمتنا قليلاً لانتهاء كل مفردات الحديث التقليدية و التي تشبه افتتاحيات لعبة الشطرنج النمطية و المعروفة قبل أن تتبعثر القطع على الرقعة و يبدأ النهش بين الجنود و الأحصنة و القلاع فيما الملك ووزيره يستمتعان بهذا المشهد قبل أن يملأ جسدهم الخشبي الحماس و ينخرطوا في قتال نهايات اللعبة، انتهت افتتاحيتنا بالصمت الحذر، بحثت عن منقذ لي أو فكرة أنجو منها من هذا الصمت فأنا هو المُضيف و علي أن أبادر بالكلام دائماً، و كحمامة الطوفان التي مرت أمام السفينة أتت بشرى و بدأت بوضع الطعام على الطاولة الخشبية، كانت الصحون تأتي من المطبخ و تترتب على الطاولة مترافقةً مع انحناءات يد و جسد بشرى، و كذلك مع انحناءات عيني سناء، هي الأنثى الأخرى الموجودة هنا و عشر رجالٍ أُخرٍ سيكونون غير قادرين على الاحتفاظ بالتفاصيل الدقيقة التي تحتفظ بها عين أنثى واحدة، يكفي أن يتبارى رجلٌ و امرأة في عد الألوان حولهما و سيُدرك سريعاً مقدار هزيمته النكراء في مباراة تمييز التفاصيل و الألوان حوله، لم يكن سعيد و محمود في وارد منافستها في هذا المجال و ربما هذا هو سبب إحضارهما لها، هما يدركان في عقلهما الباطن أن السبيل الوحيد لاقتناص أكبر عدد من التفاصيل لمعالجتها لاحقاً هو وجود سناء لكن هذا لا يتعارض مع حقيقة كون النساء ناقصات عقل و دين، و أننا قد نضطر في مثل هذه الحالات لتجاوز بعض قناعاتنا و القبول بالواقع الذي لا يمكن تغييره، أجزم من نظرتي لعيون سناء أنها باتت تستطيع تخمين قياس الملابس الداخلية لبشرى بل تستطيع الآن أن تذهب لأي متجر أحذية و تشتري لها الحذاء المناسب لقدميها دون وجود خطأ يُذكر، وأجزم أنه سيكون مريحاً لقدميها على العكس من نظرات سناء لبشرى.

وضعت بشرى الطعام أمام الضيوف و وضعت أيضاً زجاجةً من العرقالمصنوع محلياً وهو المشروب الكحولي الرسمي المُعتمد في هذه المنطقة أما أنا فاكتفيت بقدح من الفودكا الروسية و هي وقودٌ نظيفٌ لا يترك في جسدي الآثار السلبية لمشروب العرق الذي أستسيغ طعمته لكن لا أستسيغ آثاره اللاحقة، بعض المشروب سيعطيني ميزة مهمة، قليلٌ منه سيُنعش تفكيري بينما سيشرب محمودٌ ورفيقه حتى الثمالة مثل عادتهما، أتمنى أن يفقدا تركيزهما على الأمور المحيطة بهما سريعاً و هكذا أستطيع الانتقال بالحديث إلى أمورٍ تافهةٍ أو على الأقل أمورٍ أقل خطورة من تلك التي جاءا إليّ بسببها يستطلعانها هما و ذلك الرادار الحديث الذي لا يكف عن التقاط كل حركة و كل نظرة و هو أشد خطراً منهما و لو أن هذين الذكرين المفعمين بالغرور يعتقدان بتفاهة الأنثى و بانعدام أي مستقبل اجتماعي أو ديني لها رغم حاجتهما لخدماتها التقنية في غزوتهما الاستطلاعية هذه.

كان الطعام شهياً، لم تكن لبشرى مهاراتها الرياضية و العلمية المميزة فحسب بل كانت قدرتها على البحث تشمل مواضيع الطعام و بعض الأشغال اليدوية المميزة، شعرت سناء بهزيمتها النكراء في ملعب الطعام و خاصةً بعد أن قام سعيد بحماقة الإطراء المبالغ به على طريقة إعداد الطعام و ترتيب الأطباق على الطاولة، ربما فعل ذلك بتأثير مشروب العرقالذي جعله أكثر صدقاً مقارنةً مع سلوكه الطبيعي في يوميات الحياة العادية، توقف محمود عن الطعام و أصابته حالة حادة من الارتباك عندما طلبت سناء مني و بغضب واضح دعوة بشرى للجلوس معنا، أجبت فوراً أني أبتعد عن إزعاجها احتراماً لها و أني لا أستطيع فرض مثل هذا الأمر عليها، لكن سناء أصرّت و بعناد غريب و وقح على حضور بشرى و وقفت لتناديها بأعلى صوتها، في مثل هذه المواقف لا تنفع إرادة الذكور، أنا صاحب المنزل و من غير المنطقي أن أوجه نقداً لاذعاً لمثل هذا التصرف الأحمق و الذي سيزيد من عدم تقبل فريق الاستطلاع للوضع الذي وجدت نفسي فيه و لا أستطيع تغييره الآن، و أما الذكرين المرافقين لها فبديا مستلمين لنظرة الغضب في عينيها و يبدو أن سعيداً قد أدرك متأخراً سبب غضب زوجته لذلك كف عن محاولة تأجيجه، أتت بشرى و جلست معنا و قد حرصتُ على معاملتها كسيدة المنزل بفعل الغضب المتراكم في نفسي من كل هذه الزيارة و من أسبابها الحقيقية، حاولت سناء التذاكي و استنطاق بشرى لتعرف أكثر كمٍ من المعلومات عن منطقتها و أهلها و كافة التفاصيل التي تهم مجتمع النسوة الذي سيعقد جلسة النميمة في صباح الغد للتفكر في المعلومات المستخلصة و المنقولة عن طريق سناء، أجابت بشرى بذكاء و عفوية، بشرى فقدت كل أهلها في معارك مع تنظيم داعش، قتلوا جميعاً و هذا الأمر فتح أول خيط تعاطف مع قضيتها لكن بقي الاتهام الكامن باحتمال أن يكون ما تقوله مجرد خداع و كذب لاختراق هذا المجتمع الذي يحمل أسرار النجوم و هذا احتمالٌ لا يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه بعد سماع لهجتها التي تؤكد بشكل قطعي اختلافها الديني و المناطقي، حكت بشرى لهم عن مأساة هروبها من الموت و كيف وصلت إلى هنا باحثةً عن عمل و عن مأوى يقيها من التشرد و الضياع، أجادت بشرى الوصف مستخدمةً مهاراتها الأدبية المميزة حتى بدأ وجه سناء يحمل الكثير من التعابير المتناقضة قبل أن يستولي عليه التعاطف شبه التام، لهذا التعاطف ذات الجذر الذي يدفع النسوة للبكاء في مواسم الموت عبر الغناء الجنائزي، هو طقسٌ قديم للقهر سابقٌ للأديان السائدة حالياً و فيه تشعر النسوة بوحدة المصير ووحدة الظلم، نظرتُ بعين الارتياح للنتائج التي توصلت لها بشرى و خاصة بعد أن رأيت الضياع في عيون محمود و سعيد بفعل ما شربا من العرق مع ما صنعته بشرى من طيب الطعام، الوحيدة التي بقيت بكامل وعيها في فريق الاستطلاع المحلي هي ناقصة العقل و الدين و التي ستؤمن لنا استقراراً اجتماعياً نسبياً مهماً في الفترة القادمة.

الساعة العاشرة و النصف مساءاً، انتهى الغزو و بدأ الفريق يستعد للرحيل، و على الباب قال محمود محاولاً رد استضافتي له، غداً يوم عيد تفضل بالقدوم و مشاركتنا، ابتسمت بشرى و أرادت استكمال محاولة كسر الجليد مع أهل القرية، سألت: “هل أستطيع مشاركتكم العيد أنا أيضاً، كان كل شيء يسير بشكل جيد حتى هذه اللحظة، فجأة عمَّ الارتباك وجوه الزائرين، لم تستطع بشرى أن تفهم ما سبب هذا التغيير و كانت الحيرة واضحة في عينيها، صمتت سناء، بدأ تأثير العرق يزول من عقل محمود و سعيد بفعل هذه الصدمة، فكرتُ في إنقاذ الموقف سريعاً، قلت لبشرى يبدو أنك نسيت موعدك غداً لتسجيل اسمك كنازحة” “يجب إكمال الإجراءات لكي لا يكون هناك مشاكل مع السلطات، آسف أخي محمود لن أتمكن من المجيء، سأساعد بشرى فكما تعلم هي غريبة و يجب إكمال جميع الإجراءات القانونية، و هكذا أنقذت محمود من ضرورة التفسير و وضعت تأكيداً آخر أن وضع بشرى سليمٌ قانونياً فكما تعلمون مهنته السابقة قد صبغت حياته بالشك و أنا لا أريد أن يتحرك ذلك الشرطي القديم في داخله، ابتسم الجميع لهذه التسوية المقبولة، وحدها بشرى بقيت مع الحيرة على وجهها، سألتني عندما أغلقنا الباب ما الذي حصل؟ كان كل شيء يبدو على ما يرام حتى أبديت استعدادي المشاركة في العيد، ابتسمت وقلت لها تلك حكاية طويلة يا بشرى، مرّ اليوم بسلام نسبي، دعينا ننام اليوم و غداً سأشرح لك كل شيء بالتفصيل.

بشرى ليلٌ بلا قمر، ساحرٌ مثله لمن لا يخشى الغوص في عتمة الذات المفتوحة على كل الاحتمالات، بشرى ذلك السحر في الماء البارد الذي يوقظ من غفلة الحياة، آه لو استطيع هذه الليلة استعارة عيني سناء لأحفظ ما حفظته من تفاصيلها، أحتاج كل هذه الصور لأجعلها تطوف في غرفتي، على الجدران، و بين الملاءات، و في زوايا الغرفة، و زوايا الروح، لكن ليس باليد حيلة، لا أملك سوى عيني ذكرٍ يقضي معظم وقته شارداً في كتبه و أفكاره، أصبح هاجسي الأكبر الان كيف سأحافظ على بشرى هنا، قربي، هذا المنزل لم يعد يُطيق العودة على ما كان عليه قبل قدومها.

بشرى ذاك الاحتمال الخطر أن أولد من جديد، هي الحلم الذي يخشى أن يُصبح واقعاً، بشرى احتمالُ خيبةٍ قاتلة، لذلك فضلت أن أبقى بعيداً عنها، تآلفت مع جسدها ووجودها معي، أخفيت شغفي بتفاصيلها، بأصابعها، بنهدها البدائي، بتلك الأشياء العادية جداً التي تجذبني كل يوم أكثر فأكثر، يصعب استراق النظر إلى شيء متاح لك بالكامل لكن لا تريده أن يكشفَ ولعكَ به، لم تتعمد بشرى إغرائي في أي مناسبة، كان جسدها متاحاً بالكامل للرؤيا، تصرفت أمامي بعفوية كاملة ولم يكن لدي أي مشكلة في طلب رؤية أي شيء فيها، ما خجلت منه ليس الجانب الاعتيادي لفضول رجلٍ و أنثى بل ذلك التوق الغريب لتفاصيلها و تآلفي غير الاعتيادي معها، كان جسدها يهاجمني أحياناً، يحاصر أحلامي، رغباتي، جوعي إلى وجود حلمٍ يبقى بجماله حتى لو دخل أرض الواقع، أستطيع أن أباشر أي حديث مع بشرى، أستطيع أن أبوح لها بأي شيء و ستفهم كل كلمة أنطق بها دون شك بدوافعي للكلام، ستفهمني دون إطلاق أحكام أخلاقية على ما سمعته مني، هي تقبلني بضعفي الإنساني، بنزقي، بمخاوفي، أخشى أن يكون اهتمامنا المتبادل رغباتٍ مؤقتة قدرها أن تذوي، لم تعد روحي تحتمل أنثى تستعد أمامي للرحيل، أو تتذرع بعشرات الأسباب لتثبت لنفسها أني تغيرت و لم أعد أهتم بها كما من قبل، هل ستقول بشرى يوماً ما لي ذلك؟ هل ستقول تغير أحمد لتُبعد عن نفسها مسؤولية عبارة لم أعد أهتم به مثل السابق أو لم يعد عالمه يثير فضولي كما كان، بين ذلك الدفء الذي ينخر العظم توقاً لاندماج جسدي بجسدها و بين ذلك النور الذي يغمر البيت بصداقتها، اخترت الصديقة، لذلك كان علي أن أسترق النظر إليها كي لا تفضحني عيناي، في كل مرة انحنت لتضع الطعام على الطاولة وانكشف جزء من فخذها كانت روحي ترحل في ممالك القلق، أريدكِ جسداً بشدة لكن احتمال خسارتك قاتل لي، فلأصمت، لا توجد أمامي دروب أخرى، بشرى تلك الحكاية الصحراوية، بشرى لم تعد صفراء قاحلة، أصبحت غاباتٍ من نخيل و واحاتٍ على مد النظر، كلينا ذاب في احتمالات الحلم لدرجة أننا خفنا من مغادرته، لم نكن مستعدين لأن يأتي يوم ينظر فيه أحدنا إلى الآخر كغريب، أو يكون مضطراً لوداعه، فلنبقى إذاً على هذه الحال، آه يا بشرى.

أحمد

في الصباح وأنا أراقب في وقت الفطور أجزاء النهد المتكشفة من قميص نومها شردت قليلاً و لم أفق سوى على ابتسامتها المحببة، لم يعد هناك مجال لإنكار استغراقي بالنظر إلى صدرها، قامت و اتجهت نحوي و طبعت على وجنتي قبلة، ثم باشرت إزالة بقايا الفطور من على الطاولة، أخذنا فنجان الشاي معنا إلى ركن الجلوس الملاصق للنافذة فسألتني: “لماذا ارتبك محمود عندما أعلنت رغبتي بالانضمام لهم في العيد؟

الأمر بسيط يا بشرى، و لو قرأت تفاصيلَ أكثر عن هذه المجموعة الدينية لكنت عرفت أنهم طريقة صوفية سرية، الأنثى هي خارج النظام الديني السري عندهم، الغريب أن هذه المعلومات متاحة للجميع في بعض الكتب أو في الانترنت و الكل يعرفونها و مع ذلك يرتبكون عندما يصطدمون بسؤال مثل سؤالك، كانوا يستطيعون القول ببساطة هذا هو نظامنا و انتهى الأمر، العالم تغير يا بشرى، لا توجد أسرار في زمن الاتصالات و الانترنت، ولا يوجد من يستطيع القيام بالإبادة الجماعية مثلما فعلت الكثير من الحضارات بحق حضاراتٍ أخرى في أزمنة سابقة، مازال حلم الإبادة الجماعية يداعب مخيلة الكثيرين، لذلك يخزنون الأسلحة النووية، لو كنت مكانهم لأعلنت كل شيء، لن يزيد التكفير لهم و لن ينقص إن أعلنوا ما لديهم لكن على الأقل ستموت كثيرٌ من الإشاعات السيئة عنهم و عن أسلوب حياتهم، البشر يتصرفون بشكل سيء مع الكائنات التي تحمل أسراراً، عندما تصادفين عنكبوتاً في المنزل وتعرفين أنه آمن و غير سام ربما تتركيه يصطاد الحشرات و لن تكون لديك ذات العدائية تجاه آخر تجهلين عنه كل شيء، معظم العناكب غير مؤذية لكن نقتلها أحياناً خوفاً و جهلاً بها، ليس لدي إطلاع كافي على كل حياتهم و طقوسهم لكن أعرفهم بفعل الحياة الطويلة معهم، هم مثلهم مثل الجميع، منهم المتعصب و منهم المتنور قليلاً، هم دين ذكوري مثل البقية، و ليس تعاملهم مع الأنثى بأفضل و خاصةً في قضايا التوريث، توجد سرقة موصوفة لحقوقها، و يوجد وهم لديهم أن الأنثى لديهم أفضل حالاً من غيرها، سنناقش هذا الموضوع لاحقاً عندما تعود الانترنت، اليوم كما ترين لا يوجد انترنت لأسباب لا يعلمها أحد، حين أخبرت محمود أنك ستكونين معهم ارتبك، أنت من طائفة مختلفة، و ستشاهدين أن النساء لا تشارك في طقوس صلواتهم الخاصة، إضافة أن الصلاة نفسها غير متاحة لمن لم يتلقى أسرار الديانة، أي أنها غير متاحة لكثير من الرجال الذين لم يرغبوا في تعلم أسرار الدين، هل رأيت كم كان محمودٌ هشاً أمام سؤالك، هذا المجرم الذي آذى الكثيرين ارتبك أمام شعورٍ بريءٍ و صادقٍ مثل شعورك، لا تظني أن أحداً يحرِم غيره من حقٍ إلا و كان يخشاه، هم مثل غيرهم من الذكور المرعوبين يخشون الأنوثة، و يخشون من لديه وعيٌ و يعارضهم، و ليس لديهم غير العنف الجسدي أو اللفظي حلاً آخراً لقلقهم، أحياناً أفهمهم لكن لا أبرر لهم سلوكهم، كثيرٌ من الإناث يخنقن أي شيء حيّ يتمرد على المستوى الأفقي و يندفع نحو الأعلى، بعض من يريدون إزاحتهم هم اكثر إجراماً منهن لكن العنف ليس حلاً أبداً، و الحرب بالتأكيد ليست حلاً، أسوأ الحروب يا بشرى و أكثرها إجراماً و تشويهاً للنفس هي حرب الذكر و الأنثى“.

يا أحمد القلِق على أوراق الغار، يا أحمد المنسي على ضفاف الياسمين بعد أن ولدته أمه وتركته للطبيعة، كيف تكون عفوياً هكذا في الحديث عن أيّ شيء و كيف في الآن نفسه ترتبك أمامي، يا أحمد الرجل الذي أخاف أن يكون بعد الكشفِ مثلهم، مثل زوجي و لو أن كل الأدلة تشير للنقيض، ما هذا الخوف الذي يقتلنا، يقتل كل احتمالات السعادة، يقتل هوسي اليومي بأن لا أنتظره و أن أبادره بكل ما أتمنى و يتمنى، أحمد اليومي في مقابل أحمد الاستثناء، أحمد الارتباك الجميل الذي يغويني بفعل المزيد لاستخلاصه كله، يا أحمد التوقكل ما فيَّ نحو اشتعال، أصابعك على فخذيخطوط الجمر، أنا بالكاد أستطيع ضم فخذيّ في حضورك، هل هناك وقاحة مع النفس أكثر من ذلك، لكن لا أريد أن أخسرك يا أحمد فأنت ضوء عينيّ الأخير، أنت الساعد وخشبة الخلاص و أنا من بعدكَ غريقة، أتركُ كل يومٍ باب غرفتي مفتوحة لتراني بعد أن أنام، أعرف ذلك رغم عدم معرفتي متى يتم ذلك، لا أخشى أن تدخل غرفتي، لدي اطمئنان قلبيٌ دائم أنك لن تفعل، أنا هنا بأمان يا أحمد العربي، نحن في ذات الخندق و نواجه ذات العدو و ذات الموت، عندما أنظر إليك يا أحمد أستحضر كل المفردات الوقحة التي يمكن أن أقولها لك في فعل وصالٍ جسدي، لا أعلم لماذا يغادرني التهذيب في حضورك، ألف قبلة لصدرك، ألف قبلة لهاتين اليدين، يا أحمد الحصار، يا أحمد الحلم، هل نضيّع هذه اللحظات لنندم عليها لاحقاً؟

أحمد أحمد

نعم بشرى

هل تعلم أني لا أطيق السرير المشترك الخاص بشخصين أتمنى أن أعيش مع من أهوى بغرفتين منفصلتين، لا أريد أن يأتي ما يحدث بيننا مصادفة، لا أريد لجسدي أن ينهار بالتلامس أو بمآلات النظر، أريد للحكاية أن تتم عن سابق قصد و تصميم، أريد للرغبة أن تعطيني الوقاحة الكاملة لأعبر من غرفة لأخرى بالشكل الذي أتمنى و أرغب و أطلب ما أريد، يحلو لي أحياناً أن أخبر الآخر لفظاً ما سأفعل قبل أن أشرع فعلاً بالتنفيذ، لا تغويني الدروب المعبدة بين جانبي سرير واحد، أريدُ المسافةَ غابةً من القلق أمشي فيها حافيةً، أريد لجنين القلق أن يتضخم في رحمي، أن أَعبُرَ تردد الأنثى حين أرغب في قتل الانتظار، و أن انتظر اللوعةَ و أجرّبَ اليأس و أجرّب رؤية شريكي على الباب حين تنتصر إرادة اللقاء على نار بعض الخلافات البسيطة، أريده انكساراً متبادلاً، لا يهمني أن تكون زيارةً بزيارة، أستطيع أن أذهب إليه عشرات المرات لأني أريد أنا ذلك دون انتظاره هو أن يأتي، أريد أن أفعل ذلك لأني أحب الجسد يوماً و اللطف يوماً آخر و الحب في أوقات أخرى، أرغب أن يأتي بعد زمنِ انقطاعٍ لينتزعني من خيالاتي، من الرجال الذين استحضرهم في حلمي إلى فراشي، أريده هنا بعد أن أنهكوا خيالي متمرداً على المسافة المكانية التي تفصلنا عن بعضنا البعض، لن أتظاهر بأني نائمة، أو أني لم أكن أنتظره، سأقول له تعال، شاركني أحلامي و جنوني، تعال يا انفلات الروح فوق ذرى الأشجار و البراري، أريده أن يرحل حين يشاء ويتركني في ذلك العالم الفضي، غابات من الأشجار الفضية و الأعشاب البيضاء، عشاقي ذئابٌ منفردة لا تجرؤ على الخروج و المواجهة، سائرةٌ نحو سريره مرة أخرى، أستطيع قطع المسافة بين غرفتين، لا أخشى ذلك يا أحمد، عندما أنام أفضل أن أكون لوحدي، ذئبة مفردة تستعد ليوم آخر في الغابة“.

السابعة إلا ربع مساءاً، ألقيت رأسي على الوسادة و كأني أطلب الغياب، أردت أن أرحل في النوم بعيداً عن هذا التعب الذي يكاد يفتك بجسدي، بدا الألم في العينين أقوى من أن يسمح للعقل بالنوم، لكن بعد بضع دقائق تهاوى العقل و انسحب إلى ظلمةٍ بلا أحلام، لم يأبه لصوت صفير الرياح الذي بدأ يعلو ولا إلى صوت دويٍ مكتومٍ للرعد، عاصفةٌ قادمة وأنا أريد أن أهرب من كل العواصف حتى تلك التي تجول في رأسي.


الثالثة و النصف فجراً، أحاول الوصول إلى كأس الماء لأروي ظمأي، الاستيقاظ يحتاج إلى قرار و كل ما فيّ مازال يدعو إلى الاستسلام، أغيب قليلاً، يزعجني جفاف الحلق فأدرك أني لم أشرب بعد، بعد صراع أفتح عيناي، الضوء الخافت للإنارة الاحتياطية وصوت الرعد الذي ينفجر كل بضع دقائق، تذكرت للمرة الألف أني لم أعد وحيداً في هذا المنزل، لا أعلم لماذا أزعجتني هذه الفكرة، يُقال أن كل شيء يولّد نقيضه، التعلق بالشخص يولد الرغبة في التخلص منه، و ربما أحيانا تدفعنا محاولات الابتعاد عن أحد ما إلى إدمان وجوده أو حتى الوقوع في حبه، شعرت بنوع من تأنيب الضمير وأنا أفكر ببشرى هكذا وأتمنى رحيلها في أعماق نفسي، قمت بتثاقل ومررت أمام غرفتها كعادتي، اللحاف فوق السرير موضوع بشكل غير منتظم، لا أحد في الغرفة، هل رحلت؟، لماذا أفكر في أمر رحيلها بهذا الشكل، نزلت إلى الطابق السفلي، فتشت جميع الغرف، لا أحد، ناديتها بشرى، مرتين أو ثلاث أو ربما أكثر، شعرت بأن هذا المنزل أصبح بحجم قلعة مهجورة، و بدأت أشم رائحة الموت و الخوف، صعدت للطابق العلوي مرة أخرى و فتشت الحمام و كل الزوايا الممكنة، فتحت باب الشرفة فصفعتْ وجهي حبات المطر، لا شيء سوى الظلام و أشباح الأشجار في البستان، و كأن المكان كله مجرد جثة، لمع البرق، تخيلت أني رأيتها في الممر المؤدي إلى باب المنزل بلباسها الأبيض ترفع يديها للسماء، هل هي حقاً ثابتة على هذه الحالة أم البرق هو السبب، من جرّب الخروج في ليل عاصفة مظلمة لا يستطيع فيها الرؤية إلا من مسافةٍ قريبةٍ جداً سيعرف عن ما أتحدث، سيرى السيارات و كل ما يتحرك ثابتة في ضوء البرق، فجأة يسطع المكان بضوء قويٍ في زمنٍ قصيرٍ جداً، لا توجد فرصةٌ للعين لإدراك الحركة، كل شيء يبدو مسمراً في مكانه في لوحة تثير في النفس الرهبة، لا يجب أن يموت الإنسان قبل تجربة رؤية هذا المشهد، الضوء يُعمي أحياناً و يمنعك من رؤية الحقيقة.

لمع البرق مرةً أخرى، لم يتغير المشهد، نزلت الدرج بسرعة، خرجت تحت المطر حتى وصلت إليها، وقفت أمامها بضع دقائق قبل أن تحرر عيناها من السماء و تنظر إلي، أردت لهذا المطر أن يغسلني، أن يغسل تفكيري بإلغاء وجودها، مدتْ يدها و مسحت الماء عن جبيني ثم أسندت جبينها على كتفي و بقينا تحت المطر لا نجرؤ على الحركة، الضوء الوحيد أمامنا هو القادم من باب المنزل المفتوح، لماذا لا أجد كلماتٍ أقولها لها، هل جفّت مفرداتي و لغتي، أين بشرى الغيابُ في الخيال، في احتمالات الغد، هذه الحرب تقتلني، تقتل تدفق الحياة داخلي، تبدو كحدثٍ كئيبٍ بلا نهاية، حتى الموت يبدو أمراً سعيداً بالمقارنة بها، هل اختار بعض الشهداء الموت ليهربوا من هذه الحرب، هل أخفقت يدهم في الضغط على الزناد في الوقت المناسب لأنهم لم يريدوا أن يعيشوا في هذا الجحيم أكثر، ياراالتي ودعتني آخر مرة عند هذا الباب و لم تعد، لسببٍ يتعلق بالجانب الوضيع في داخلي تحضر ياراأمامي الآن، لا يبدو هذا المطر نافعاً في غسل تناقضاتي، وضعت يدي على كتف بشرى و سرت بها باتجاه المنزل و كأننا نمشي في جنازة، أغلقت الباب ورائي، كان طيف يارا حاضراً بجسدها العاري كما كانت تحب دائما التجول في المنزل عندما نكون معاً، في تعمدها إظهار أجزاء جسدها بوقاحة صادمة أزعجتني في مواقف كثيرة، كانت تتعمد معاملتي أحياناً كذكر، مجرد ذكر أمام أنثى تملك قطعاً ثمينة و مفيدة، صعدنا الدرج أنا و بشرى، متجهين إلى الحمام العلوي، رمينا ثيابنا المبللة، جففنا جسدينا و لبسنا ثياب نوم جديدة، لم أسألها إذنها، دخلت معها إلى غرفتها و سويت لحافها ثم جلستُ على السرير و جذبتها من يدها، غمرتْ رأسها بين يدي و صدري و نامت كطفلة صغيرة، بقيتُ ساعتين أصارع شبح يارا و شبح جسدها الفج، شعرتُ بأنها هنا و أني أتأهب لوصالها، كان كل شيء خارجاً عن إرادتي الحرة، كم أنا سيء يا بشرى حين أستسلم للجانب المظلم في نفسي، بدأ الصباح في إرسال إشاراته، الديكة تصيح بالرغم من المطر و الظلمة المرافقة له، و كذلك فعل شيخ القرية العجوز حين بدأ يعلو صوته بالأذان، كان صوته قبيحاً مثل كل يوم، لكن اليوم أضاف إليه انطباع الرحيل، سيموت هذا العجوز الذي وصل متأخراً إلى الايمان الحقيقي و سيترك لنا بضاعته خليفته المختارلكي لا نترحم عليه، و كأنها جداول الكره كلها تفور في نفسي و تُفرغ صديدها، ما الذي يجري في داخلي؟ تعبتُ و عاد الصداع مرةً أخرى إلى رأسي، ثم هربت من نفسي في نومٍ مظلمٍ آخر بلا أحلام.

جود

فجرُ ما بعد العاصفة، تستيقظُ على الصداع المتبقي من ليلة أمسٍ لتجد نفسكَ في سريرٍ غير سريرك وأشعة الشمس لا تدركُ حاجتكَ لمزيدٍ من الانتحار في النوم، لمزيدٍ من هدر الحياة في الهروب مما أنت فيه، رائحة أنثى غادرت الفراش قبل دقائق، ما زال مكانها دافئاً و ما زلتُ أنا على حزني الذي غمرني فجأة هذا الصباح، كأن العصافير لم تصحوا، أو أني لم أسمعها لانشغالي بما أنا فيه، منهكٌ في الفراش الصحراء، منهكٌ من النهد السراب، من احتمالات العطر و الموت، منهكٌ من انكماش العالم في صدري، من تقلص روحي، من انغلاق بوابات الضوء في المدى أمامي، الجدران متشابهة و كذلك اليأس، لطالما حلمت أن أطفو في الهواء كريشةٍ صغيرة و لم أفلح سوى في التكوم على هذا السرير كشيءٍ ثقيلٍ و غير مفيد، حتى روحي اليوم لم تستطع أن تطفو؟

صوت صرخة بشرى

ركضت حافياً ناسياً هلوساتي بالطفو في الهواء، كل درجتين بخطوة واحدة، وفي ركن الجلوس كانت بشرى أمام النافذة تحدق في وجه الغريب الجالس على غصن شجرة البلوط وينظر إلى تفاصيلها بوقاحة.

جود جود أيها اللعين قسماً إني سأقتلك..

لم يأبه جود لتهديداتي فخرجت من الباب حافياً غير آبه لطين الأمس، جررته من قميصه من على الغصن و سحبته إلى المنزل، لم تفارق ابتسامة الساخرة وجهه، ماذا أفعل مع هذا الأحمق اللعين، جود الشقي، جود البري الذي يسكن الغابات شريداً، جود المجنون كما أوحى لكل سكان المنطقة و أنا أعلم أنه أعقل العقلاء، نصف عبقري و نصف مجرم، أحب في مراهقته تلك الصبية ذات العيون الملونة في المنزل المقابل لمنزله، كان يصحو في الصباح الباكر ليكوي قميصه بعناية فطريق المدرسة يمر من أمام بيتها، سيلقي عليها تحية الصباح و يستمتع بتلك العينين تحدقان به إلى أن يصل إلى وكر الثقافة المبتورة المسمى مدرسة، لم يكن يهتم لذاك العذاب طالما هي معه، ظل يبني أحلامه مدة عام كامل حتى اكتشفت والدته الأمر و اضطرت المسكينة لكي تشرح له أن حبيبته الجميلة من دين آخر، و حتى لو وافق أهلها فإن الدولة لا توافق، فغر الصغير فاهه مستنكراً مستغرباً، لم تكن والدته تذهب للكنيسة أبداً بل كانت تظهر عداءها لها، لم تعلّم ابنها الصغير أنه مولود بدمغة مسبقة ولا يحق لقلبه الصغير أن يخفق كما يشاء دون رضا الشعب و الحكومة و النظام العام و رماد الأجداد المقبورين منذ ألفي عام أو أكثر، لا يحق لمسيحي الزواج بمسلمة، حسمت الوالدة الأمر، لكنها علوية! صرخ جود مستخدماً المصطلح الطائفي كأمل أخير في وقف انهيار أحلامه، غصت الوالدة بدمعها، القانون لا يجيز لك ذلك إلا إذا أسلمت، جود قلبُ الطائر لم يكن في وارد التفكير بالانتقال من قفص لآخر أو حتى الاقتناع بما قالت له والدته، و في صباح اليوم التالي فاتح حبيبته بما في صدره، مشت معه في طريق المدرسة مطرقة الرأس حتى وصلا إلى دغل القصب في منتصف الطريق فدفعته بقوة داخلها و طبعت على خده قبلةً طويلة و ركضت بسرعة في الطريق بعد أن اكتشفت لتوها أن لديها جناحين تستطيع التحليق بهما، في اليوم التالي لم تحضر زينب للمدرسة ولا في اليوم الذي بعده، و أما جود فكان على موعد مع غضب أمه، لم تدرك زينب أن العصافير وحدها تدفع أبناءها للطيران و أما البشر فإنهم يقصون أجنحة الأولاد، حصلت زينب على كدمة زرقاء على وجهها و أما جود فقد هرب من المنزل، نام ليلتين في مزارات القرية المنتشرة في أكثر من مكان قبل أن يتسلل إلى الكنيسة ليلاً ليحطم تمثال العذراء الذي يرشح زيتاً و الذي لطالما رغب في استكشاف سره، ثم انتقل إلى المزار المختص بحالات العقم و الذي تقصده نسوة القرية ممن لا يعرفن نوع الشياطين التي يمكن أن تخرج من أرحامهن للتبرك به و طلب الحصول على ذرية، قام جود بإحراق المقام صاحب الاختصاص الأهم في القرية و ترك بقية الاختصاصات لكي يجد ربما مكاناً ينام فيه في الليل، و هكذا أصبح الشاب الصغير عدو جميع المؤمنين في المنطقة، كان بخفة ثعلب و عزم ثور عتيق، لم يصدق أحد أن هذا الشاب الصغير و الوديع و الجميل يمكن أن يتحول هكذا إلى وحش ضاري فينام في البراري و تعجز القرية بمؤمنيها من كلا الدينين على الإمساك به و هم الذين توحدوا على قضية مصيرية و هي القبض عليه و معاقبته، و أمام هذه الوحدة الوطنية للفريقين في مطاردته ذهب جود لمناطق أبعد، نام في المقابر و في المزارات الأقل أهمية التي لا يزورها الكثير من الناس و لما يأس القوم من الحصول عليه ذليلاً قالوا أنه مجنون، راقت الفكرة لجود و لأمه المسكينة التي بدا لها هذا المخرج أقل إيلاماً من احتمالات قتله أو تسلميه للشرطة المحلية و ربما تعذيبه على يد من يضع قدماً في الدين و قدماً في شعارات السياسة و حب الوطن، في النهاية نسي الجميع جود الشريد إلا في الأوقات التي يحلو لهم شتمه عندما يسرق دجاجة أو عنقود عنب ليأكله، لكنه مجنون، و هكذا استطاعت القرية التصالح مع نفسها و إكمال عملية التعايش بين مكوناتها المختلفة.

جود القارئ النهم، جود المولع بالفلسفة و اللغات، كان يأتي إلى منزلي البعيد عن القرية و الذي يقع في أطرافها لسرقة ما يستطيع أكله، و في يوم صيفي سهرت في الليل حتى أتى، وقف أمامي بعيني ذئب لا يعرف الخضوع قبل أن يلاحظ في يدي سلة الطعام و الديك المربوط القدمين على الأرض، عادت على وجهه ملامح ابن الثالثة عشرة، و حين أدرك أني رأيت بداية الدمع في زاوية عينيه هرب ليركض مثلما فعلت حبيبته قبل أحد عشر عاماً، بقيتُ في البستان مسمراً في ليله إلى أن عاد، دخل إلى منزلي و بعد حمام ساخن أصبح زائري السري كلما أراد أن يستخدم صوته البشري.

لجود عادة غريبة، كان يحمل معه دائماً كيساً قماشياً فيها ثياب انيقة ومطوية بعناية، في جلساته في منزلي كان يخلع ثيابه الممزقة ويرتدي تلك الأنيقة، لا أظن أن أحداً يستطيع مجاراته في اختياراته الجميلة لثيابه، كان يتجول أحيانا في المدينة أو في قرى بعيدة بمظهره الثاني لكنه يعود دائماً إلى منطقته، أشجار الزيتون يصعب أن تقطع جذورها وهو شجرة زيتون عتيقة ومعمرة.

أدخلتُ جود إلى الحمام عنوةً، ثم باشرت بإزالة أثار الطين عن أرضية البيت و بعد قليل كنا ثلاثتنا على الطاولة المستديرة و بشرى تستمع لحكايته باهتمام، لم يكن جود ذاك الوجه الساخر الذي رأته بشرى فوق غصن شجرة البلوط بل كان الشاب الرصين الذي يرتشف النبيذ بهدوئه الساحر و يتحضر لتناول طعام الغذاء معنا و بعد الغذاء سيكون لدينا حديث طويل سيستمر حتى وقت متأخر بعد منتصف الليل..

جود القاتل … !”

ثلاثتنا، نشرب كؤوس دمنا، ونبارك خبزنا لحمنا، نرحل في الخمر صعوداً فينكشف المدى، جود الذي ينتظر الموت بعينيه الساخرتين و أنا و بشرى ننتظر صحو الأفاعي، و ما كان للحزن أن يكون أكثر قهراً من عيني جود و نهد بشرى، الأول لأنه طفلي الذي لم أنجبه و سأفقده قريباً و الثانية لأنها أخرجتْ وجهي المنقسم إلى سطح المرآة، نصف ظلمةٍ و نصف نور، و فيما كان الاثنان يصعدان سلالم الروح كنت أقبع مع حزني و قلقي عليهما، ثلاثتنا على طاولة مستديرة في زمنِ اللافرسان، في زمنٍ أصبح اجتماعنا خطراً على التعداد العام، تمشي الذكريات مع الخمر في دمي و كذلك هواء الربيع، هذا الليل الطويل سواده كسواد شعر جود و أنا الذي أفتقد السواد في غلبة البياض أنتظر رحيل هذا الشاب بلا وداع، لم يخذلني يوماً حدسي، قوةٌ ما تنتقم مني فأشهد المأساة مرتين، يوم تتحقق و يوم أراها من قبل و لا أملك ردعها، ها هي بشرى تشربُ الحزن ولا تعلم، تختزن القهر ولا تدرك ما سيأتي، فتح جود هاتفه و بدأ يقرأ بعضاً من قصائده التي ينشرها في مواقع التواصل الاجتماعي باسم مستعار، لا تغرقي يا بشرى في لمعان عينيه، لا تغرقي حبيبتي، لا تغرقي يا عمر العمر، لا تغرقي في حزنهما لأنهما لن تغادراك حين تفقديه، ستغزوان أيامك و ملح طعامك و عطر ثيابك و كل كتبك التي تقرئين وكل كل مدوناتك، هذا الجمال أكبر بكثيرٍ من أن يعيش، إنه برج بابل يصعد في السماء، حتى الإله لن يسامحه على هذا و سينتقم منه و ستدركين بعد فوات الأوان أنك لن ترجعي بعد جود إلى بشرى التي كانت، بعض الخسارات لا تعوض يا بشرى، بعض الخسارات تقتل روحنا و تعطبنا، آه يا جود.

بدا في النبيذ مثل إلهٍ صغير، إلهٍ جميلٍ في ملابس الحرب يمشي في وسط حقلٍ أخضر من القمح، نصفُ يوناني و نصف فينيقي يشكو إلينا لؤم البحر، صمت قليلاً مستمعاً إلى موسيقى دودوك أرمنية و توجه بعينيه إلى بشرى قائلاً:

التقيت زينب قبل أيام

لم أحاول اللقاء بها كل السنوات الماضية، ظننت الأمر حكايةَ مراهقةٍ، لذلك لم أحاول إزعاجها بهذه الذاكرة من قبل، لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لي، بقيت زينب ساكنة في ضلوعي و في كل ترحالي و هروبي، عشتُ وحيداً يا بشرى و الليل يُصبح طويلاً و قاسياً على الأرواح التائهة، طيف زينب لم يفارق لياليّ الطويلة، كيف أصبحتْ ؟ و هل تذكرني؟ و هل سأشعر بقلبي يخفق حين حضورها كما كان يفعل من قبل؟، أحياناً كنت أظن أن هذه الأسئلة مجرد نزيفٍ وهميٍ لحكايةٍ مبتورة، مجرد حنينٍ للحظة لو تجاوزتها وما تمردت ربما لبقيت بين عائلتي و أهلي، أحن إلى ذلك المنزل، إلى صوتها أمييناديني في الصباح لألبس ثيابي و أذهب للمدرسة، هل أنا نادم على ما فعلت؟ بالطبع لا، و لو عاد الزمن للوراء مرةً أخرى لحطمت ذلك التمثال و أحرقت ذات المقام، لو لم أفعل ذلك يا بشرى لكنت انكسرت أنا و احترقت طول العمر بالنار، لا يجب أن يسخر الكبار يا بشرى من حلمِ صغير، أحلامنا يا بشرى نحنُ، و السخرية منها أشد من القتل، ربما لن تصدقي يا بشرى لماذا زرت زينب، قبل أسبوعين ذهبت إلى المقام الذي أحرقته و نمت فيه ليلاً، منذ أن أحرقته لم أقترب منه لكن ربما أردت أن أتصالح من نفسي عبره، بالرغم من أننا يا بشرى نتجاوز الخرافات بقوة وعينا الحالي إلا أنها تبقى في لاوعينا بفعل الذاكرة الجمعية ربما، في الليل و بفضل هذا المكان الذي يعود بالذاكرة لحدث شخصي و لذاكرةِ أحاديثَ كثيرةٍ سمعتها في طفولتي عنه رأيت في منامي شيخاً بلباس فلاح بسيط قال لي أنا شيخ هذا المقام، أحسست يا بشرى أن كل ما في مشلول، تعلمين أن البيئة التي خرجتُ منها لا تؤمن بمثل هذه الأمور ولا تؤمن بالتقمص و أمورٍ أخرى منتشرة في البيئة المحيطة بنا لكن وعينا يختلط بفعل القصص الكثيرة المتبادلة بيننا و بين جيراننا و تستطيعي أن تجدي فعلاً في أعماقنا تأثراً متبادلاُ بمروياتنا الدينية و هو أمر ليس سطحياً بل عميقٌ و غريبٌ ربما، المهم يا بشرى لم أستطع في المنام الحراك أمام حضوره الكثيف و كأنه طاقةٌ استثنائية غلّفت المكان حولي، بدا أنه لا يهتم كثيراً لكوني أحرقت مكانه الذي دُفن فيه و قال لي اذهب إلى زينب يا جود إنها تنتظرك، شعرت بحزن عميق لذكر اسمها، ثم بدء الشلل يخرج من أطرافي حتى تمكنت من الوقوف و مواجهة عينيه، كرر مرة أخرى ما قاله لي اذهب إلى زينب يا بني، إنها تحتاجك، ساد في عقلي سؤال ساخر عن تغيير اختصاص هذا المقام و جهل الناس ربما باختصاصه الحقيقي، ربما أردت تحطيم تمثال العذراء مرةً أخرى لكي يخرج عقلي من الاستسلام الذي أنا فيه، أو ربما أردت استفزاز هذا الكائن أمامي ليخرج من صورته التي يتظاهر بها أمامي، ابتسم الشيخ و مال بيديه الخشنتين بفعل العمل نحو الأرض و احتضن بذراعيه رزمة من الحشائش البرية فتحولت إلى أزهارٍ من زجاج مرن تُشعُّ نوراً، رأيت وجهه الحزين فوقفت عن السخرية نادماً، حل في صدري شعورٌ آخر مختلف تماماً، وددت عناقه أبي الذي لم أراه و مات مذ كنتُ رضيعاً، هو الآخر بالكاد بدا قادراً على إخفاء دمعته اليتيمة، مد يده بالزهور نحوي و غادر مبتعداً في قلب الغابة.

أفقت في الصباح منهكاً و اسم زينب في كل مكان، في الماء البارد الذي أشربه و في صفاء زرقة السماء فوقي، في النسمات التي تهب على وجهي و كأني لم أغادر طريق المدرسة ولا غادرتُ مكاني حيث دفعتني و انتزعت روحي بقبلة، زينب، كيف تصحو الذاكرة بكل هذا الجبروت و تعيد الأحداث إلى نقطة بدايتها.

زينب متزوجة يا بشرى.

تزوجت مثلما تفعل كل الكائنات المستأنسة التي لا تكسر تماثيل العذراء و تحرق المقامات مثلي، بحثتُ في الانترنت عنها عن صديقاتها ثم توصلت إلى صفحتها الشخصية، لم أطلب صداقتها لكني حصلتُ على معلومات عن مكان عملها، و في صباح اليوم التالي وضعت العطر كما كنت أفعل و كويت ثيابي و كأن اليوم يوم المدرسة، ومشيت على الرصيف أمام مقر عملها، عادت لي السخرية من نفسي و من تصديقي لهذا الشيخ، لكن كلما تذكرت دمعته وخز شيءٌ حادٌ قلبي، ما بين سخريتي و انتظاري خرج قلقي و تصاعد وما بدا ارتجالاً في البداية تحول شيئاً فشيئاً إلى محاكمةٍ عقليةٍ تنحو إلى تدبير الهروب من هذا المكان، و حين انتصر قرارُ الهروب على أمل المراهق الصغير الذي لم يمت في صدري كما اكتشفت قبل أيام أدرت جسدي لكي أعبر الطريق للرصيف المقابل مبتعداً عن هذا المكان و عن هلوساتي و جنوني، وجهاً لوجه أمام هزيمتي، زينب و كأني لم أغادرها ولا هي أبداً غادرتي، زينب التي عرفتها من شهقة الحياة تدخل صدرها و تناديني باسمي جود، و كيف عرفتني و كل ما في تغير إلا قلبي، جود…. أنت جود أليس كذلك، نعم أنا جود الشقي جود الغبي جود الطريق و السفر، و كأن الزمن لم يتغير، كيف يتكثّف هكذا عطر الكون كله في امرأة، في لحظة، في كلمة، في اسم، زينبُ الرضا، زينب القبول، زينبُ الفجر الذي عاد كما كان، تكلمت كثيراً دون أن أجرؤ على فتح فمي بحرف و هي قرأتني عارياً من كل صلفي و عنفواني الكاذب، و كما الأمس قالت لي تعال، و كما الأمس سرت وراءها، و بعد أقل من عشر دقائق كنّا وحيدين في منزلها، زوجي لن يأتي اليوم، لم تكن أمامي فرصة لمناقشة هذه الفكرة و الوضع الذي نحن فيه، أصابعها الآن تفك أزرار قميصي أنا الذي لم أهضم قبل أعوامٍ قبلة!، كان الفرح يستوي على عرش قلبي كما لو أن الحياة عادت إلى روحي فجأة، عشت شريداً في البراري و لم ألمس من قبل امرأة و اليوم نهدها حاضر بكل ازدواجية الحب و الجوع أمامي، زينبُ الآلهةُ الأم حين تُبعثُ من التاريخ، هذا اللون الريفي أمامي، و جسدٌ بطعم الدخان و السهر تحت ضوء القمر، جسدٌ بنكهة الفطائر على نار الحطب، بنكهة أحلامي و أنا أنام بين القبور و بين الأموات و أبحث عن حياة، جسدٌ يرتفع فوقي و حين يهبط تسيل السواقي و تتفجر الينابيع و تضج بمائها الأنهار، زينبُ لهاث الطبيعة حين تنتظر بالغضب عاصفةً ما، لم أستطع أن أدرك عدد مراتِ الوصال بيننا، لكن في النهاية كنتُ مجرد حطامٍ و بقايا ذاكرة وباقة ورود من زجاج مضيء، في الليل بقيت محدقاً في سقف غرفتها، مطر الربيع يهطل بغزارة في الخارج و أنا أسأل نفسي هل أستطيع البقاء في هذا النعيم، هل استطيع تدبر أمري و إنهاء تطوعي في المجموعة التي أقاتل معها، مضى على انخراطي في الحرب سنة و نصف، القدر عبثي، من ذا الذي كان بإمكانه التصديق أن جود الملحد بكل الأديان يقاتل إلى جانب من يقدسون المقام الذي أحرقه و تمثال العذراء الذي حطمه في مقابل إيمانٍ آخر على الطرف المقابل، الحياة ساخرة فعلاً، هم يعرفون من أنا لكن عندما أصبح رفيق سلاح تتغير المعايير، يوجد رابط غريب بين من يوحدهم الموت و بين من يشعرون فعلاً أنهم ضيوفٌ لساعات أو أيام في هذا العالم، يصبح كل شيء فجأة صغيراً و تافهاً و ملاكُ الموت يعبر فوق الرؤوس و يحصد منها ما يشاء، له وحده حق الاختيار، نحن نرى الأجساد تتهاوى أمامنا و نعرف أن هذا مصيرنا المحتوم لكننا لا نفكر فيه، ربما لا نفكر حتى بالانتصار كما يفعل السياسيون و الذين يفرحون لتقدمنا خلف الشاشات، نريد فقط أن ينتهي هذا الجحيم، نريد فقط مغادرة هذا المكان سواءٌ إلى بيوتنا أو أموات.

في الصباح المثقل برائحة التراب و المطر و وجوب الرحيل و قبل أن أفتح الباب مودعاً سألتها في أي قطعة عسكرية يعمل زوجها و ما اسمه، سامر، بدا الاسم عادياً و لو أنه مألوف بالنسبة لي، و كتَلَّةٍ تصعدها فتنكشف أمامك السهول كلها جاءت بقية حديثها لتخبرني أن رفيقي في المجموعة هو زوجها، سامر العنيد و المتكتم، سامر الصامت الذي لا يترك ضريح وليٍّ إلا و ينظفه و يهيئه بأفضل حال لزواره، سامر زوجها، لم يفاجئني القدر كثيراً فأنا في صراع مرير قديم معه منذ أن سرق مني والدي قبل أن أراه.

هل سأعود و التقي زينب يا بشرى، نعم سأفعل، ربما حلمت و أنا أستقبل صوت المطر في غرفتها ليلاً و هي نائمة قربي بأن أخطفها و أرحل، اليوم لا أستطيع أن أفعل هذا، ليس ذنب سامر ولا ذنبها و لا ذنبي أيضاً، سألتقي بها ما استطعت أنا و ما استطاعت و رغبت هي، سأبقى في الظل و يبدو أن هذا قدري الدائم العيش في المقامات و المقابر، لكن لا أستطيع التخلي عنها يا بشرى، كنت أظن الوصال الجسدي رغبة، لم أكن أعلم من قبل أنه نزيف روحٍ عطشى لملاقاة جوهرها، حين بدأت زينب فك أزرار قميصي ظننت أنا الجاهل أنها رغبة، ألم أخبرك أني لم أعاشر أنثى من قبل، شعرت بالرغبة بداية لكن شيئاً فشيئاً بدأت أشعر بالقلق من تصاعدها و اقتراب النشوة، جاهدت يائساً لكي أبعد عني تلك اللحظة و عندما فشلت غمرني الحزن، لم أكن أريد لرقص الأرواح هذا أن ينتهي، سمعتُ قبل غيابي كلَ موسيقى رغبتها ورأيت كلَ لونٍ ساحر حلمت به، بعد المرة الأولى فهمتُ زينب، فهمتُ أنها تعلم بفعل التجربة ما لا أعلم أنا، و بدأت أتلمس طريقي في لغةٍ تعلمتها للتو، سأعود لها بشرى في زيارتي القادمة، غداً أنا مغادر إلى الجبهة، انتهت إجازتي، لم أسمح لكما بالحديث و بقيت طوال الليل أتكلم عن نفسي، سأعود يا بشرى لأسمع قصتك، أنا و أحمد و أنتِ غرباء مثل بعضنا البعض، يوماً ما سيكتشف المحيط هذا و سيقتلوننا، أنت لم تري الوجوه القادمة التي نقاتلها، أأقول لك سراً آخر أيضاً: “بت أخشى الوجوه التي نقاتل معها، أو لأكن منصفاً أخشى بعضها، و ربما تكون معركتنا القادمة معهم، هذه الحياة عبثية يا أخي الكبير أحمد، خذ هذه الأوراق أيضاً إنها الأشعار التي كتبتها في خنادق الموت و الانتظار، أحمد انشرها باسمي الحقيقي إن رحلت، ربما لم يعرفني أحد بصورتي الحقيقية لكن لا أريد لهذا الأمر أن يستمر بعد الموت.

أحمد كان الزيت خدعة كما أخبرتك من قبل، لكن ربما هناك من يحتاج هذا الأمر و روحه ستضيع دون هذا الزيت، الناس حيث أقاتل يموتون بسبب الزيت و بسبب المقامات و من يموت مقابلهم يموت لأسباب مشابهة، ربما كل هذا هو من أسباب موتهم، لكنه أيضاً من أسباب قدرتهم على الصمود في هذا الجحيم، و من سخرية الحياة أنه كان السبب في لقائي زينب، لا تشك أبداً أني أصبحت مؤمناً أو أني يوماً أستطيع أن أكون كذلك، لكن ربما بدأت اسأل إن كان إنسانياً أن تقول لمن لا يحتمل ذلك: “أنت وحدك، ولا أحد سيساعدك، أنت مسؤول عن كل شيء في حياتك و ستغادر و لن تعود، الفرصة الوحيدة لبقائك قليلاً أو كثيراً أن يبقى أثرك في أرواح من غادرتهم، لهذا السبب أكتبُ ربما، هل أخاف الموت يا أحمد؟ بالتأكيد، هل أتفق مع من أقاتل معهم؟ لا بالتأكيد أو على الأقل لا أتفق مع كثيرٍ منهم، في السنة و النصف الماضية كنت أقاتل من أجل طيف زينب، اليوم أريدها أن تحيا يا أحمد، لا أريدها لنفسي، أريدها للهواء يعبث بشعرها، أريدها للبحر يغسل جسدها، أريدها للينابيع تتدفق مع ضحكتها، أتفهمني يا أحمد، اكتبْ عن كل هذا، أعلم أنك قادرٌ على ذلك و ستفعل ذلك يوماً ما، أخبرهم عن جود الذي عرفته.

عانقيني بشرى، حلقي جاف و روحي ترتجف، أريد لرائحة أنثى أن تهدأ قلقي.

غمرت بشرى الأم رأس جود في صدرها، لم أستطع سوى رسم ابتسامة ساخرة على وجهي أدفع بها هروباً مرارة العلقم في حلقي، يا جود الصغير كم هذا الوطن صغيرعلى مقاسك يا ولدي، ألم أخبركِ يا بشرى أن لا تنظري في عينيه ولا تستمعي إلى كلامه، ستحترق روحك إلى الأبد في طيفه الذي لن يغادرك.

وداعاً يا جود الحبيب

في الخندق المطل على الحدود التركية و خلفها تلك الجبال التي كانت أرضنا، أرض أمي و أهلها، كان جود يصارع الوجه البشع في نفسه، لو يرحل سامر الذي يقف في الخندق المجاور عندها سيكون مع زينب حلم حياته، في الحرب الموت كثير، ربما أتى في صالحه هذه المرة، زينب التي فرقتها العذراء عنه و شيخ المقام و فكر من يقاتل معهم و فكر من يقاتل ضدهم، لم يعلم أي مشاعر تضطرب في صدره، بحث عن ورقة ليكتب عليها انفجار بداية قصيدة و قبل أن يستل قلمه كان الرصاص يضرب أعلى الخندق و ينثر التراب فوق رأسه، هو و مجموعته في كمين متقدم لحراسة نقاط التحصينات الرئيسة خلفهم، أصبحتْ القوة المتسللة بينهم، تعالت صيحات التكبير من كلا الجانبين أما هو الملحد فاحتمى بطيف زينب، لن تصلوا إليها أيها الأوغاد، طعن بحربته كائناً ذو ذقن طويلة و شعر أشعث و كأنه قادم من غبار التاريخ، وفتح نار رشاشه في التحام مباشر وجهاً لوجه مع مجموعة العدو المتقدمة، اختلط صوت الرصاص بصوت الأنين و صوت احتضار الأجساد، قفز إلى الخندق المجاور محاولاً الانتقال لوضع الدفاع، أين سامر؟، نظر من خلف الصخرة التي يحتمي بها، كان سامر المصاب على بعد بضع أمتار من الخندق و الدم ينزف من فخذه، الرصاص يحيط به، يريدون الاجهاز على الجريح، هل تحققت رؤيته، هل سيموت سامر و تبقى له زينب، هل سيعود إلى الجنة التي عرفها حين التقاها، كم هي رائعة تلك الفكرة و محببة إلى قلبه، عاد له وجهه القبيح مرة أخرى، لكن هذه المرة وجه من كسر تمثال السيدة، ذلك البائس العنيد داخله، ذلك الحمار كما وصف نفسه في ليلة ندم، صرخ في داخله بأعلى صوته زينب، لم يرد لسامر الجريح أن يسمع اسمها، وضع اصبعه على الزناد و أطلق النار غزيراً في وجه وحشين بشريين أرادا الانقضاض على سامر، أرداهما على الفور قتيلين و اندفع بقوة في وضع الرمي الغريزي مطهراً المنطقة حول سامر، استعاد رفاقه المبادرة و قاموا بهجوم معاكس ساحق كما بدأت النقاط الخلفية بتشكيل طوق ناري حول منطقة وجودهم، كانت أصوات الانفجارات تملأ المكان حولهم، ركض هو باتجاه سامر ليضمد جراحه، نسي لثواني و هو الحذر قواعد الحرب، مر شيء ساخن في لحمه جوارَ القلب، القناصة، رسائل الموت البعيد، بدا كل شيء يتهاوى، شعر ببقع صفراء و بيضاء تملأ المكان، كان ضوء الشمس أبيضاً كثيفاً و مبهراً، شم رائحة تراب رطب، ثم بدأت الظلمة تتسلل إلى عينيه، في العتمة كانت السيدة التي حطم تمثالها قادمةً إليه، لم تكن كما يصورونها في التماثيل باللونين الأزق و الأبيض، كانت تلبس ثوباً خشناً بلون التراب، و ترمي إلى الوراء شعرها الأسود المنسكب كشلال على كتفيها، صاح بها لا تقتربي قد يقتلك الرصاص، لكنها لم تأبه لتحذيراته و تقدمت نحوه، الانفجارات حولها في كل مكان، التراب و الغبار، و الرصاص يحفر المكان حوله لكنها لا يؤثر بها، كان وجهها مشعاً مثل قمر، وصوتها رقيقاً كانسياب نبع ماء، لست مؤمناً بك سيدتي، أعلم أني أموت و هذه بقايا ذاكرتي، لم تأبه لكلامه و احتضنت رأسه الثقيل، شعر بدموعها تغسل وجهه المغطى بالعرق و التراب، لقد حطمتُ تمثالك سيدتي، فأجابته الأم كل أحبتي يفعلون ذلك يا بني، كل الأحبة يغادروني شباباً أيها الجميل، إهدأ و أغمض عينيك، لقد تعبت كثيراً يا بني في هذه الحياة و آن لك أن تغادر، لماذا يتكرر هذا الأمر معك دوماً، أنا التي بدأت أكفر بكل شيء الآن، آه يا نور العين، آه يا صغيري.

أفاقت بشرى في الليل على صوت صراخي، ركضتْ نحو غرفتي مسرعة، كنتُ جالساً في السرير أبحث عن كأس ماءٍ، عطشٌ قاتلٌ و حارقٌ في حنجرتي، نظرتْ بشرى إلى وجهي الغارق في الغضب و الحزن، مات جود يا بشرى، إنه كابوس يا أحمد، أنت هنا في غرفتك و الوقت منتصف الليل، كنت نائماً يا أحمد تحلم، سيكون جود بخير لا تقلق، قلت لك مات يا بشرى لم يُخطِئ قلبي من قبل و خاصة حين أشعر بسهم النار يخترقه هكذا، وقفتُ بجوار نافذة غرفتي أنظر للقمر البدر في وسط السماء، أحسدُ الذين يعرفون البكاء، هذا القهر الذي لا صوت له قاتل و مؤلم، جود أيها الحبيب فلترقد روحك بسلام.

رضوان

رضوان، الاسم اللطيف على قلب نصف الشيخ أو الشيخ المستقبلي محمود و هو الذي ينال القسط الأكبر من أدعية شيخنا الجليل –الشرطي السابق التائب!- ، رضوان الطبيب منارةُ هذه القرية الصغيرة التي أسكن على ضفافها و على هامش مجتمعها، طبيب النفوس و الجيوب و متعهد البناء الأول في المنطقة كلها ، سمعنا أن شر تعهداته وصل إلى المدينة و أنه أصبح قادراً على منافسة فاسدي المدينة و هذا سبب فخر محمود به و هو أيضاً سبب فخر جزء من أهالي القرية به، فقد أصبح لديهم لصٌ له اسم على مستوى المنطقة و المدينة، جزء من الناس هنا يحبون التفوق بغض النظر عن نوع المسابقة التي يتفوق بها الشخص، قضى رضوان العظيم في الجامعة ثلاثة عشر أو أربعة عشر عاماً قبل أن يتخرج منها و قد حزن كثيراً لهذه الواقعة المأساة –تخرجهلأنه فقد منصبه كرئيس طلابي مهم له نفوذه و سطوته، و بالرغم من أن طبيبنا العظيم لا يفقه في الطب أكثر ما تفقه عنزات الراعي سليم فيه إلا أنه حصل على بعثة هامة و ذهب لإكمال تحصيله العلمي و عاد بشهادة في طب الأطفال و بقي وفياً لعروبته و لغتها و التي لم يستطع تعلم غيرها بالرغم من ابتعاثه للدراسة في بلد أجنبي، بنى رضوان بعد عودته إلى الوطن بيتاً على رأس جبل صغير مطل على القرية و هذه عادة شائعة في بعض المناطق يقوم بها من يملكون النفوذ المطلوب للتربع فوق رؤوس الجبال، و قد قام رضوان بالاستعانة بصديقه في الجامعة و الذي أصبح الآن مديراً في شركة عامة لتسوية الأرض الصخرية حيث أرسل له الآليات الثقيلة المطلوبة و هكذا أصبحت الأرض الصخرية المائلة سطحاً مستوياً يكفي لبناء بيت عادي يستوطن على مرتفع و يوماً ما سيتحول هذا البيت لقصر صغير، لكن رضوان شخص زاهد في حياته و سيقتنع بهذا البيت لبضع سنوات قبل أن يحوله لقصر يناسب الحالة الجديدة التي سيتحول لها حتماً فتاريخه كله نجاحٌ تلو الآخر و لا بد لمن يسير على هذا الدرب أن يصل، انتهت الأموال التي مع رضوان سريعاً فقام باستغلال آخر مبلغ لديه في استثمار ناجح آخر و أصبح رئيس بلدية القرية و بالرغم من أنها قريتنا صغيرة نسبياً إلا أنها أمنت له نواة مادية جيدة للمشاركة في تعهدات و مشاريع أبنية مشاركةً مع رؤساء بلديات في مناطق مجاورة، و هكذا استطاع رضوان الطموح بناء قصر إلى جانب بيته الذي لم يتجاوز عمره بضع سنوات، أصبح منزل الطبيب مركزاً لأعمال الخير و هو تعبير مختصر عن ذبح بعض الأضحيات و تجميع بعض شيوخ الدين للصلاة و التعبد و مباركة المال الحلال لرضوان التقي و هذا استثمارٌ جيدٌ آخر، فالشيخ الذي تشبع معدته سيجيد الدعاء أكثر لصاحب هذا الخير وبالتالي سينتشر تأثير صاحب الدعوة في منطقة جغرافية أكبر، إن هذا الأمر أكثر جدوى من نشر إعلانات في التلفزيون الرسمي و خاصة بعد انتقال الناس إلى عصر الصحون اللاقطة و بحثهم عن قنوات تحقق لهم المتعة أو تغسل عقولهم بواسطة شيوخ دين آخرين، تعرّف رضوان على محمود في مرحلةٍ كان فيها هذا الأخير يتمتع في بنفوذ قوي للغاية في مدينة مجاورة هي حالياً خارج سلطة الدولة، نشأت صداقة قوية و صار رضوان يُكثر الزيارات إلى المدينة التي يعمل فيها محمود ثم استأجر فيها بيتاً صغيراً و حوله فيما بعد إلى مكتب تعهدات، و بما أنه يغيب عن هذه المدينة معظم الوقت وظف فيه عبير و هي فتاة سيئة السمعة إلا أنها كانت عوناً هائلاً له في تنفيذ استثماراته الاجتماعية في هذه المدينة، محمود المشهور بعنفه في التعامل مع المجرمين المفترضين أصبح اسم الخوف الأول في المدينة و محيطها، و من يقع بين يديه سيبحث أهله عن شخص يُمكن أن يصل إليه لكي لا يصيب ابنهم مرض مفاجئ أو جلطة قلبية وهذ واردٌ في عصر محمود أبو فارسالذي أصبح أشهر من نارٍ على علم في زمن قياسي لا يتجاوز بضعة أشهر، من تصيبه مصيبة مثل هذه عليه اللجوء إلى عبير و التي يُقال عنها أنها ذات نفوذ كبير و تستطيع فك المشنوق قُبيل إعدامه عن حبل المشنقة، بالطبع هذه مبالغة كبيرة للدعاية والواقع أن عبير مجرد شخصية هامشية يُمكن التخلص منها أو حتى قتلها حين الحاجة لدفن الأسرار و عندها ستفرح الجموع لموت هذه المسكينة حتى لو تم الأمر على يد محمود نفسه، فكما تعلمون لا يوجد انتقام يُسعد الجماهير أكثر من انتقامهم من أنثى خرقت المحظور الاجتماعي، و بالرغم من أن كثيراً من الذكور الذين سيفرحون بموتها هم من زبائنها الدائمين إلا أن هذا لا يفسد لروح الانتقام من جسدها قضية، أعتقد أن أكثر استثمارٍ رائعٍ في هذه البلاد هو إنشاء مسرح روماني يتم فيه إفلات الحيوانات المفترسة على ضحية من هذا النوع لكي تستمع الجموع بمشاهدة واقعة افتراسها، وأجزم أيضاً أن عدد الحضور من الإناث سيفوق بلا شك عدد الحضور من الذكور فالأحقاد التي رأيتها في حياتي في عيون النساء تجاه هذه الشخصيات تكفي للجزم بصحة اعتقادي هذا، سينتشي الحشد لدرجة أنهم سينسون محمود و أفعاله مقابل الحماسة و السعادة التي سيحصلون عليها من رؤية مشهد كهذا، ربما العائق الأكبر أمام مثل هذا المشروع ليس اعتراض عددٍ كبيرٍ من الحمقى هنا و هناك فهم ليسوا أصحاب نفوذ في المجتمع، العائق الحقيقي هو تسرب صور مثل هذه الاحتفالات إلى العالم و تشويه صورتنا الحضارية أمامه، المهم في الأمر الآن أن عبير التي تفك المشنوق هي مجرد كائن بائس مهمته استقبال المتضررين من أسلوب محمود و إيصال المعلومات إلى الوسيط رضوان الذي يقوم بدراسة هذه الملفات بعناية قبل أن يتوجه إلى محمود للاتفاق معه على المبالغ المطلوبة للإفراج عن المقبوض عليهم أو حتى التخفيف من أوضاعهم المأساوية داخل السجن.

اعتاد محمود أن لا يدفع شيئاً من راتبه، لذلك كان يتفاخر دوماً أمام الجميع أن راتبه يكفيه و يزيد، كل المواد الغذائية واحتياجاته الأخرى تصل إلى أمام منزله من الطامعين بالحصول على وده و هذا أدى إلى ظهور مرض غريب في يده اليمنى إذا لا يستطيع وضعها في جيبه و إخراجها دون آلام نفسية و جسدية حادة، ربما كان هذه المرض هو السبب الرئيسي لاختياره مهنته الجديدة و التي تُعفيه من آلام تحريك يديه، فالمؤمنون يضعون المال في جيبه و هو يقوم بعد عودته لمنزله بإخراجه بهدوء و دون بذل جهد يسبب له الألم، و رغم أن ما يحصل عليه من أموال الآن لا يمكن مقارنته بأي حالٍ من الأحوال بالأموال التي كان يحصل عليه سابقاً إلا أنها تبقى جيدة و مقبولة لمن أصابه الطيش و الغرور ولم يسأل عن أقارب الضحية التي بين يديه و ما هي مناصبهم و ما هو مقدار نفوذهم قبل أن يطبق عليه وصفاته المجربة للإقناع الذاتي.

في الجلسة التي زارنا فيها محمود حدثنا عن لؤم الفلاحين و سرقاتهم و تعصبهم، فقد كان لمحمود قطعة أرض في المدينة التي يعمل فيها حصل عليها كما أخبرنا مقابل خدمة ما أداها لشخص في ريف هذه المدينة و كلما أراد جني محصولها سبقه إليها فلاحوا المنطقة، استمر هذا الأمر أكثر من عشر سنوات و لم يُفلح يوماً في الحصول منها على حبة زيتون واحدة، قُبيل طرده من العمل بعدة أشهر رأى عجوزاً يجلس على زاوية الأرض المقابلة لأرضه، فقال له العجوز لا تتعب نفسك هذه الأرض فهي لا تُعطي أي محصول، فهم محمود الرسالة لكنه موجود في مكان بعيد عن قريته ولا يستطيع هنا أن يستخدم أدوات الدعاية التي يستخدمها في محيطه الاجتماعي، ما زال محمود يملك حتى اليوم سند شراء هذه الأرض، لكنه بلا قيمة و هو يأمل دائماً أن تعيد الدولة السيطرة على المنطقة و طرد التكفيريين منها فربما عاد الشجر فيها ليُثمر، حتى في أحلك الظروف و أقساها لا تستطيع أحلام محمود التوقف.

بالرغم من أن رضوان لديه أموال كثيرة إلا أن لمحمود امتيازات أخرى، يكفي أن يسأل بأدب أحد الأشخاص أن يدفع فاتورة الكهرباء لبيته أو فاتورة المياه و سيضمن أنه لن يطالب بها و إن طالب سيقول له تعال غداً، ثم بعد غد إلى أن ييأس صاحب المطالبة و يصمت، و بالرغم من الضرر الذي ألحقه محمود بكثير من أبناء القرية بهذه الطريقة إلا أن هذا لم يؤثر على ازدهار مهنته، فما زالوا يعتقدون أنه الرجل القوي الذي يملك بالرغم من طرده كثيراً من النفوذ و المعارف، و ربما يستطيعون غداً الطلب منه الحصول على وظيفة حكومية لأحد أبنائهم فكما تعلمون أن العمل في الأرض لم يعد يستطيع إعالة أحد.

السادسة فجراً، خرج محمود من منزله مسرعاً و انطلق بسيارته البيضاء باتجاه جبل القصر حيث يقيم رضوان، كان في استقباله بالإضافة إلى رضوان و علي كاتم أسرار سيد القصر و رجل المهمات القذرة شخصان يبدو عليهما التعب، أحدهما يقارب عمره الخمسين عاماً و الآخر شابٌ ملتحي في الثلاثين من عمره، انضم محمود إليهم بسرعة و بدأت مفاوضات تسليم بشرى إلى أهل زوجها.

كانت مهمة محمود التحريض عليها بوصفها جاسوسة للمعارضة، و عندما يتأكد محمود من سيطرة الفكرة على أهل القرية سيتم استدعاء الشاب و هو ابن عم زوجها مع صهره الخمسيني ليخطفا بشرى و ينطلقان باتجاه قصر رضوان، هناك سيتم تجهيز سيارة لنقل البضائع بغرفة سرية صغيرة و بعد تخدير بشرى ووضعها فيها ستنطلق السيارة، لن يتم تفتيشها على أي حاجز و هذه مهمة رضوان و بعدها ستخرج لتنطلق في مناطق خارج سيطرة الدولة و هناك تتكفل جهات أخرى بعدم تفتيشها، لم يفقد رضوان الطبيب مهارته في إدارة الصفقات المالية، بقيت تجارته مزدهرة مع جمع المناطق، طالما هناك مصالح متبادلة سيبقى الود سائداً بين البشر.

أحمد

هذه الغرفة تراودني دائماً لأفتح بابها، في كل مرة أقف أمام ذاك الخشب العتيق ذو المزلاج و أحاول استراق النظر من بين شقوقه فلا أفلح إلا في التقاط الفراغ، غرفة في بيتي الصغير أجهل ما وراء بابها و أجبن دوماً على فتحها، أنظر للمزلاج المستكين لواقع الانتظار، أعرف يقيناً أنه لن يتحرك إلا بفعل يد تدفعه و مع ذلك أخشى أن يسقط فجأة و أجد نفسي أمام ضرورة أن أعرف ما بداخلها، شعرت بكائن يمر خلفي مباشرة فقفز الحزن و الخوف إلى قلبي، جود، ماذا يفعل جود هنا، تذكرت صوت والدته و هي تصرخ متفجعة عليه في وداعه الأخير، جود مات يا أحمد إنك تهذي، رأيتَ جنازته و حضرت دفنه، رأيتَ أيضاً قلق العيون و هم يحضرون جنازة الشهيد – المجنون سابقاً، رأيت الغصة في القلب و بعض الهمس و النميمة في محاولةِ طرد الندم، عادة لا يخجل سكان هذا الشرق من أفعال الكره و الأذى لكن اليوم استثناء، لم يترك جود لأحد في هذه المنطقة مهرباً يَعبر منه، نصف الشيخ محمود كتفاً إلى كتف مؤمني السيدة التي حطم تمثالها و وراءهم سار ملحدوا القرية و متعصبيها و بسطاءها، صمت الجميع أمام هيبة الدمع في عيون رجال عرفوا الموت و جاؤوا يدفنون رفيقهم حزناً و اعترافاً بمعدن هذا الإنسان الذي خرج في غفلة منه و دون إذن عقله و وعيه، نعرف أحياناً أنفسنا و نعرف الآخرين في لحظات لا عودة منها، هذه الجنازة غير كل الجنازات التي رأيتها في حياتي، رفاق سلاح يدفنون بصمت و جموع تغادر مطأطئة الرأس دون المبالغة بمدح المتوفي أو الهمس بنقائصه حتى قبل مغادرة مكان الدفن، كل من كان هنا عاد إلى منزله و نام باكراً، العقل ينشد النسيان، العقل يكره الخجل، بقي جود يومها جاثماً كصخرة ثقيلة فوق الصدور و في اليوم التالي كف الجميع حتى عن التلفظ باسمه، أرادوا نسياناً نهائياً لكي يستطيعوا العودة إلى حياتهم و صراعاتهم و أحقادهم اليومية، جود مات و أنا أراه يومياً على أشجاري و ها هو يمشي خلفي، هذا الشاب الذي اختصرته دمعة في طرف عين زينب رفضت أن تنحدر على وجنتها و بقيت عالقة كجمرة لا تنطفئ، جود الفراغ الذي لم ولن يمتلأ، و أنا أمام هذا الباب العتيق أجبن عن مزلاجٍ أدفعه، دار الباب بصرير الصدأ على مفاصله و انفتح المكان أمامي، لا شيء في هذا المكان، عشرات الأمتار تمتد في كل الاتجاهات، فراغ كبير و خاوي يستطيع ابتلاع أي شيء غير الحزن الذي صار رفيقنا اليومي في هذه الحرب.

أفقت و بقيت بضع دقائق قبل أن أعي تماماً أنه حلمٌ ثقيلٌ آخر، جلست أستمع إلى موسيقى قميص يوسفلمجيد انتظامي، بقيت المقطوعة تتكرر و تتكرر.. لم أشأ تغييرها، تذكرت أول انطلاقة الاضطرابات في بلدنا و سقوط ضحايا العنف، بعد انكفاء على النفس و خوف من المستقبل شعرت فجأة بالجمال يغمر معظم الإناث في محيطي الصغير، كنت قادراً على مباشرة علاقة جسدية مع معظمهن، بَدَون شهيات بصورة استثنائية، كنّ يقطرن السحر، بقي هذا الأمر لأسابيع قبل أن يحفر الموت في أجسادنا و يقوضها من الداخل، ماذا حل بتلك الأجساد التي كان الضوء يغلفها بالعطر و الأمل، اليوم و بعد خمس سنوات من الحرب تبدو الأجساد اعتيادية و الوجوه جميلة مثل لوحات في متحف، كيف أخفي أمر هذه الغرفة عن بشرى، إنها تبتلع كل شيء.

من قَبلُ كان بيتي غرفة واحدة مكتظة بالأجساد، لم أفلح يوماً في الهروب منهن، كنت أقع فريسة الرغبة بتعريتهن جميعاً لأقطف الضوء الذي يغلف منحنيات الجسد، اليوم لم يعد هناك غير غرفتي العملاقة الخاوية، غرفتي ذات المزلاج الذي فتحها جود بنفسه بعد أن فتح موته كل الأسئلة، سخرت من فكرة خوفي على بشرى من احتمال موت جود، وجه زينب، طقوس الموت على وجهها، لا أعرف كيف يستطيع إنسان مثلها أن يحتمل كل هذا الفقد.

في الماضي كان تحرش الأنثى بي يمنحني لسعة الحرّ في الطعام، يجعلني نهماً و يجعلني أكتب في وصفه الكثير، اليوم صرت أهرب من نفسي، أخاف منهن، أخاف أن يكتشفن أني أكثر حزناً من أشجار الصفصاف المنسية وحيدةً قرب مجاري السواقي، استحضرت في خيالي إيمان، تأملت جسدها الأقرب للسمنة و الذي لم يستطع العمر أن يُنقص من بهائه، هل أدعو إيمان و بشرى معاً و أنام مع هذا الخيال، هل أنفذ الأمر فعلاً؟، استدعيها إلى هنا و أقول لها ما أرغب أن أفعل في حضور بشرى و معها، أردت بكسر كل القواعد هنا أن أعود إلى زمن ما قبل الموت، لكن الغرفة الفارغة بقيت تبتلع كل الخيالات، تذهب الشخصيات في عمقها ولا تعود.

ذهبت إلى عملي صباحاً و مثل كل يوم كنتُ أعدُّ المتبقي من الأيام حتى أصل للتقاعد الجزئي، أريد أن أعيش و لو لبضعة أيام قبل أن تأتي هزيمة الموت النهائية أو انكسارات العمر المتلاحقة، في الطريق و أنا أشاهد الصور ذاتها و التي فَقدتْ بريقها منذ أمدٍ طويل تذكرت منشوراً كتبه أحد المقاتلين على صفحته في الانترنت يقول للناس نحن نموت من أجلكم لتحيوا و تحتفلوا، كثيرون يفعلون ذلك فعلاً، يطبقون النصيحة، لكن ماذا نفعل نحن الذي لحمنا موصول بلحمهم، ماذا يفعل شخص مثلي كان جودالحبيب يقف على أشجاره و يتصنّع الجنون، كيف أستطيع أن أمسح من ذاكرتي مشهد باص النقل العام و المعروف شعبياً باسم الباص الأخضرحين أصبح مسرحاً لبكاء مقاتل على عكاز، الباصات الخضراء رمز شعبي لفكرة الانتصار و نقل الإرهابيين من مكان إلى مكان بعد هزيمتهم، لكنها بالنسبة لي أنا المدمن عليها بفعل الضرورة و الحاجة رمز لتلاقي اللحم المهمل المكدّس فيها، رمز لضياع الحدود مع أنفاس المتعبين و الخائفين و الساعين خلف سراب الانعتاق من دورة البؤس، أذكر كيف ساد الصمت حين وضع السائق أغنية يطلب فيها الشهيد المفترض الرجوع للحياة للاستشهاد مرة أخرى، سمعت اختناق أصوات العاملات في الباص و شاهدت عيون الرجال مثبتة على نقطة وهمية في الأرض، ما أبشع الصمت يا رفيقة ذاك الذي يتبع القهر الذي لا فرار منه، و ذاك الذي يتبع صوت شتيمة بذيئة تصدر من معاق على عكاز، أنتم لا تشعرون بنا، ربما من مات ارتاح، و أخفق في النجاة من عاش على عكاز في باص أخضر على مقربة من المنتجعات التي يسهر فيها الناس و يدفعون في الزيارة الواحدة مقدار التعويض الذي حصل عليه هذا المقاتل ذو الرجل المبتورة، سمعت صوت بكاء الكثيرين من قبل، لكن لم أسمع صوت القهر هكذا بهذه القسوة، في الباصات الخضراء يتوحد لحمنا و تصبح الشظايا في أجسادهم مصدر ألم لنا، لذلك ينقسم المجتمع حولنا إلى راكبي الباصات الخضراء و راكبي وسائط النقل الأخرى.

في العمل جلستْ زميلتي إلى جانبي و مالت باتجاهي لتحدثني عن أمر يتعلق بمهمة مشتركة بيني و بينها، انفتح القميص الذي ترتديه و ظهر نهدها الغافي بوداعة كفرخ حمام صغير، كان هذا المشهد ليُبهج يومي كله من قبل، قبلَ سنوات الغدر، غدر الزمان بالعيون التي تآلفت و انفرط عقدها على الكره، قبل سنوات الحرب كان هذا المشهد يُشعل النار في مفاصل جسدي، ليس رغبةً او اشتهاءً بل هي الحياة تتدفق في الأرواح، تجعل للصباحات نكهة اشتهاء التكرار، و تجعل لمكان العمل لون التراب ولون الأشجار و لون الأزهار، اليوم هو مجرد صحراء قاحلة، لا زرعَ، و لا أملْ، و هذا النهد الذي أراد مداعبتي صباحاً لم يحصد سوى ملامح الهزيمة على وجهي، الغرفة داخلي لا تكف عن الاتساع ولا شيء يمكن احتمالاً أن يملأها، تذكرتُ بشرى، تلك العيون الهاربة، ذاك الأمل الذي يفرضه اتقاد العقل، و ذاك الجسد المشتعل بحمى السعي وراء الموت، موته الخاص و الفريد، وراءَ النهاية التي تليق ببشرى وروحها، أمام هذا النهد بدوت اليوم مثل ناجٍ من مذبحة يسير بين أنقاض طروادة، من لا يعرف لعنة هذا الشرق لا يعرف حزنه، ولا يعرف لماذا اخترع أحدهم الناي ليواجه به من اخترع الطبلة، ولو عرف عهر اقترانهما معاً في بعض موسيقى ثقافتنا الحالية لكسره و غنى وحيداً في البرية لكي لا يسمع صوته أحد.

كنت في أفضل حالاتي الإنسانية حين كان جسد الأنثى دعوة للرؤية و دعوةً للملامسة، اليوم أهرب منه و أريد الاختباء، لأعترف.. أريد أن أمارس الجنس كطقس بكاء، و الأجساد حولي إما فرحة أكثر من اللازم أو هي أجسادٌ بلا ذاكرة، مجرد لحم يمشي فيه دم، صوت الناي يراودني مرة أخرى: أنْ اهربْ من هذا المكان و أتخذ مكاناً قصياً، الأصوات البشرية تصبح مؤلمة لأذني أكثر فأكثر، حافياً فوق أطلال مدينتي و هم يمشون في اللامكان، شاهدت عيني جود مرةً أخرى و هو يفاضل بين زينب و بين إنقاذ زوجها، أي حماقة ارتكبت يا جود، أي حماقة ارتكبتها أيها الإله اليافع الصغير، شعرت بالنهد الصغير يصبح قطعة علقم في حلقي، جسد جود ممدد تحت التراب و أنا نظر لفرخ الحمام الصغير، و عندما تراودني نفسي على استكشافه أكتشف مقدار الموت داخلي و انتقل إلى ساحات المعارك و ساحة الخسارات حيث ترقص الأجساد اضطراباً أخيراً و ليس احتفالاً في بلد يحتضر بفعل نزيف الموت، ألم أقل لكم أن سكان الباصات الخضراء هم شعب آخر منفصل عن بقية الشعوب في مكان يدعونه ظلماً أنه وطن.

بشرى الولع، بشرى الغصة باعتراف لن يولد، بشرى الجسد النزيف في روحي، بشرى احتمالات الخسارة التي لم يعد يحتملها جسدي السائر نحو العقد الخامس، بشرى أحاديث الصباح و عطر الشاي بالقرفة، بشرى احتمال الرحيل معاً في موت غامر و مريح، هل ستحتملين انكساراتي يا بشرى، هل ستحتملين.

كيف أرتب الزمن، كيف أفصل بين ما حدث في الخيال وما حدث في الواقع، كيف أروي لكم زمن الحرب وكأنه استثناء وكل زماننا وتاريخنا حروب وخوف، كيف أتأكد أن ما أرويه حدث الآن وليس في المستقبل بل حدث في زمنٍ سحيقٍ من الماضي، في الشرق نفقد معنى الحياة و معنى نهاياتها، نحن نولد هنا لمتابعة صراع قميء غابر ونموت من أجل حماقات قديمة و يمر العمر سريعاً دون أن نعيش ذواتنا، نُولد أمواتاً و ننجب جثثاً، يلقّنوننا أن الحياة هي فقط بعد الموت، فهل عرفنا غير الموت لنفصل بين الحياة و ما يخالفها؟.

سناء

كيف أجد وجهي بين تلك الوجوه المبعثرة في ضوء الصباح، كيف أجد أحلامي المعلقة عليها و التي تغادر أحياناً بلا سبب وبلا ضجيج، كيف أفصل ما بين الهزائم و الانتصارات و كل انتصارٍ مجزرةٌ مؤجلة و تاريخ آخر للعدم، أقرأ هذا الصباح عن الجنس ببلادة الطبيب الذي يبحث عن علاج لحالة مرضية ما، و أنظر من نافذتي للعصافير المكررة، أتخيل أن جزءاً كبيراً منها يحتضن بيض تماسيح صغيرة و أنه سيأتي يوم نفقد فيه تلك المخلوقات التي تطير في مقابل التي تزحف، أنزل السلم متجاوزاً غرفة بشرى النائمة في ثياب الصيف الرقيقة، أفكر بمرارة كم احتجتُ هذا الجسد في سنواتٍ ماضية، كم احتجته قبل أن يداهمنا الموت تحت الأغطية و بين طبقات الخبز التي نأكله لنستطيع نقل الزمن إلى الأمام ليلةً أخرى، أو لكي نستطيع تجاوز سواد الليل إلى ظلمة صباحٍ آخر، تذكرتُ فجأة زجاجة الفودكا و كأني أكتشف أمراً ذو أهمية قصوى، كانت رفيقة عملي الهندسي و رفيقة كتاباتي في أيام غابرة و ها هي الآن تقبع وحيدة في مكانها مهجورةً منذ سنوات، قطّعت بعض الفاكهة و صببت قدحاً صغيراً ثم ذهبت في ذاكرتي لكي أعرف لماذا كنت أنتشي من تأثيرها الحارق في حنجرتي، صببت قدحاً آخر ثم آخر قبل أن اسمع طرق الباب، صوت طرقٍ بأنامل رقيقة، حتماً ليس خلف الباب أحد البغال التي اعتادت أن تحول هدوئي إلى رغبة بالانتقام من ذاك الذي ينتزعني منه بخبط عنيف على الخشب الذي لا ذنب له سوى أنه يفصلني نهائياً عنهم، سناء؟صباح الخير يا ابنة العم، تفضلي، سألتني بخجل هل بشرى هنا، نعم لكنها ما زالت نائمة، هل أستطيع التحدث معك في أمرٍ خاص؟، بالتأكيد …. تفضلي، دخلت سناء و كأني أراها لأول مرة، أين وجع الكره و الغضب الدائم على وجهها، أين ذاك الوجه الصارخ في وجه القدر الذي لم يعطها سوى برودة الثلج و غبار الحقل الذي قيّد حركة عيونها و حركة روحها، ابتسمت في وجهها ممازحاً و قلت لها هل أصب لك كأساً سناء؟، أنت تعرف أني لا أشرب أبداً، أعلم فعلاً و لكن سؤالي لماذا؟ ما الذي تخشينه؟ أن تكوني أنت؟، نظرتُ إلى وجهها المتعب، و جسدها الذي يبدو هرماً بفعل تبلد الزمن لا بفعل مروره، جلستْ مقابلي على الطاولة الخشبية صامتة، في مثل هذه المواقف لا أحسن التصرف، ربما كان من واجبي أن أؤمّن لها مدخلاً لما تريد قوله، لكني بقيت صامتاً و أكملت تأمل قدح الفودكا، قطّعت بعض التفاح و الإجاص ووضعته أمامها متأملاً يديها الأقرب للسمنة، و خلف الهرَم الساكن في عينيها كانت تُطلّ من بعيد عيني طفلة لم تبلغ بعد، قلت في سري كيف احتفظتِ يا سناء بهما، كيف لم تقتلهما الرتابة و الزواج –الواجب، كيف لم تقتلهما الواجبات المنزلية من تنظيف و طبخ و جنس و رعاية البقرات في الزريبة، كان نهدها مستسلماً منذ أمد بعيد و انحناءة التعب ظاهرةٌ بين كتفيها و كأنها تحمل بينهما كرة معدنية ثقيلة، نظرتْ إلي بعمق، رأيتُ ملامح الطفلة الصغيرة التي عرفتها منذ زمن بعيد تطفو فوق وجهها أكثر فأكثر، بشرى يا أحمد، بشرى أصبحت حديث القرية، يقولون عنها أنها تعمل سراً مع الإرهابيين و أنها خطرٌ عليك

تقصدين أنها تعمل مع الطائفة الأخرى المخالفة لطائفتنا التي ولدنا في كنفها؟

لا ..يُقال أنها متخفية هناو قد تقتلك

أنا ميت من زمان يا سناء، أخبريني يا ابنة العم .. متى أصبح الناس هنا يهتمون لأمري؟

ليس وحدك في خطر يا أحمد بل ربما القرية كله، قد تكون تتجسس علينا و على أحوالنا

و ماذا لديكم من أسرار لكي تشكل بشرى خطراً عليكم، قياس ملابسكم الداخلية على حبال الغسيل؟

أرجوك يا أحمد لا تسخر ..أنا أتكلم بجدية

و من قال لك يا سناء أني أسخر منك، بالفعل ماذا لديكم لتتجسس بشرى عليه؟، سر أعيادكم؟، معتقداتكم؟، أعلم أنك تتابعين مواقع التواصل الاجتماعي بانتظام، اليوم سأرسل لك روابط لكتاب يتحدث بالتفصيل عن ما يظن زوجك أنه يخفيه عنك و أنه لا يحق لك الاطلاع عليه، كل شيء منشور يا سناء مع كمٍّ كبيرٍ من الأكاذيب المريعة، قد يكون لوجود بشرى و غيرها تأثيراً معاكساً، البشر أعداء ما يجهلون، بشرى عرفت من البحث في الانترنت أشياء أكثر بكثير مما تعرفيها أنت عن محيطك، العالم تغير يا سناء و أنت ما زلت لا تشربين الفودكا، هل تخشين من البوح بما لا ترغبين؟ تعلمين أن قليلٌ منه يُفرح قلب الإنسان و يجعله أكثر شفافية و عفوية، معظم الناس لا تخشى الخمر بل تخشى تلك الرقة و العفوية التي يمنحها لهم، يخشون أن يكونوا ذواتهم و لو لمرة واحدة في عمرهم، إنه الخوف يا سناء …. مما تخافين أنت يا ابنة العم؟

لم تعرف سناء من قبل سحر رجلٍ تتوضأ أحلامه بكأس من النبيذ، يتكلم عن ما لا يُقال، يكتب علناً عما تهرب منه نسوة القرية بابتسامة يسود بعدها القهر و الرغبة بالبكاء، في سنوات الحرب أصبحنا جميعاً بشكل أو بآخر عراة، أقصد الأحياء منا و ليس الجثث التي تمشي بيننا، كانت سناء على حافة الحياة و لسبب مجهول لم يتمكن الموت منها، أعرف أنها تواجه هنا أمراً استثنائياً، إمرأةٌ من طائفة أخرى تعيش مع ابن عمها تحت سقفٍ واحد بلا زواج، هذا الأمر كفيلٌ بإثارة أكثر الخيالات سوءاً في المحيط الاجتماعي الذي نعيش فيه، و إذا أضفنا موقفي السياسي المعارض لتوجهاتهم تصبح قناة تصريف الغضب و النقمة التي صنعناها أنا و بشرى مليئة بالحجارة و الركام، لم تعد فكرة خادمة تستطيع امتصاص الغضب المتصاعد في هذه المنطقة، كيف تستطيع شخصية مثل سناء ضاع عمرها في صفقة زواج عائلية أن تغفر لشخصية مثل بشرى تتجرأ و تسكن وحدها معي، كيف يغفر لي متدينوا القرية صداقاتي مع أهل مناطق أخرى و مع مذاهب و أديان متعددة و كتاباتي عنهم و مساواة انغلاقهم بانغلاق الآخرين، لن تنتهي هذه الحرب إن بقي الجميع هكذا، و على الأغلب لن تنتهي لكن نحن الذي سنموت بأسباب مختلفة.

أقرأُ ما تكتب يا أحمد

و ما هو انطباعك عما تقرئين؟

أخاف كثيراً ولا أجرؤ على التعليق عليه، هل تعلم أني أرى نفسي أشرب و أثمل في أحلامي، أحيانا تنتابني رغبة أن أخرج أمام منزلي و أصرخ بكل قوة حتى يخرج هذا الثقل في صدري، أخاف أن أشرب؟، نعم أخاف يا أحمد، لست مثلك، أو ربما مثل بشرى، كرهت بشرى في بداية قدومها، لهجتها الغريبة التي لم نعتد عليها هنا، تصرفاتها، كنت أعتقد أننا أكثر انطلاقاً و أكثر حرية، لكننا في الواقع أكثر وهماً، نعم أقرأ يا أحمد و قد تغيرت بشكل مؤلم، لا أعلم إن كان واجباً علي شكرك أم عليّ أن أكرهك، لماذا صمتت كل هذا العمر يا أحمد؟

هي الحرب يا سناء تُخرج الأمل! فينا

انتبه يا أحمد .. ، أشعر الآن برائحة الموت القوية هنا، هذا المنزل مسكون بها، ربما أنت لا تعرفني يا أحمد، لا تعرف من هي السجينةُ خلف هذا الوجه الذي أمامك وماذا فعلتَ بها، سأعود في وقت قريب يا أحمد، حضّر لي كأساً من الآن، ألا تريدني أن أشرب؟

وهل تريدين أنت ذلك؟

أريد أن أتكلم يا ابن العم هل أستطيع أن أصرخ هنا بحريتي كما أحلم دوماً

بالطبع تستطيعين …. وأنت تعلمين أنه بوسعك فعل ذلك

انتبه لنفسك يا أحمد انتبه من هذا الأفعى رضوان، سمه قاتل يا ابن العم

مضت سناء في طريقها، لم أودعها، وبقيتُ طيلة الوقت بعد مغادرتها أسأل نفسي عن عدد الأقداح التي شربتها، هل زيارة سناء حقيقة أم أنها خيالاتي الصباحية، هل ما زالت العصافير تحضن بيض التماسيح، أم أن جزءاً منها يخفي بيضه الخاص في أماكن قصيّة، كيف استطعتِ يا سناء أن تنجبي هذا الطائر الجميل الذي رأيته اليوم في عينيك.

أبو الياس

بشرى التي مررتُ قبل ساعة من الآن أمام غرفتها، ذلك الفخذ الذي يؤرقني دائماً و أفكر بعدد المرات التي يجب ليديَّ أن تمر فوق الطين إن أردت نحت تمثالٍ لها ليصبح قوياً و صقيلاً مثله، أريد لهذه الحروب حولي أن تنتهي، أريد أن أغرق في هذا الجسد بلا ذاكرة، أن أعود كتاباً بين يديها، سلسلة من الغابات و الينابيع و احتمالات الربيع، حَضَرَتْ يارا في خيالي و لأول مرة لم أخجل منها و لم أخجل من نفسي، مشيت معها إلى غرفة بشرى، عاريةً من كل ثيابها و من أوهامي عن جسدها، كانت تقف ملتصقة بظهري، نهدها الصغير يضغط عليه و يداها تطوقان صدري، نادتْ بصوت خافت .. بشرى بشرى، الآن ستفتح عينيها لترانا، ازداد جسد بشرى سحراً وغموضاً وكنت أنا أزداد قلقاً مع احتمال استيقاظها..

صباح الخير

لم تسألني لماذا أقف وحيداً ضائعاَ تائهاٍ على باب غرفتها، اكتفيتُ بالابتسام ومبادلتها تحية الصباح، مشيتُ باتجاه غرفتي وحيداً، هل الفودكا ما أشعل جسدي بكل هذه النار أم هو وجه بشرى المحدق بي في حضوري الملتبس أمامها، هل رأت يارا؟، لأول مرة أشعر أني أستعيد عافيتي منذ أسابيع، أنا أيضاً أحضن بيض بعض العصافير وليست سناء فقط تفعل هذا، أكثر ما يقتل النفس أوهام الطُهر، شكراً يارا، شكراً رفيقتي، بعض الجمر وإن أحرق يديكَ وبعض روحكَ إلا أنه يُعيد الحياة لما تحطم منك.

كانت السماء في حالة انتظار، بين الموت الذي تحدثتْ عنه سناء وبين أمل عودتها لتشرب معي كأساً، بين استعادة حياتي مع طيف يارا و بين استقبال بشرى لوجودي علناً أمام غرفتها، و لأول مرة فهمت ذاك الدافع القوي الذي أصاب جود لإحراق المقام وتدمير تمثال السيدة، و بقدر رغبتي في نحت تماثيل جديدة كانت رغبتي في تحطيم القديم منها، وجه السيدة يعاتبني بمحبة على هذا الخيال ووجه جود الضاحك يرافقها، كنت أسمع ضحكاته تملأ المكان مترافقة مع صراخ سناء بأعلى صوتها، ربما تحتاج جدران منزلي لصوتها و ضحكاته لتنفض عنها ما تراكم من غبار، أي الأحداث وقعت فعلاً و أيها كان وليد خيالي، لا أستطيع التحديد، هي الحرب التي تخلط الزمن و تخلط الأرواح، من البعيد من منزل أبو الياس صانع الأواني الغضارية، كانت رائحة الدخان و الغضار المشوي تصل إلى منزلي، أحب طينه المتصلب في أشكال جديدة، كل الأواني التي أستخدمها في منزلي من صنعه، هو أيضاً ينحت أحلامه البسيطة في شكل أواني يجدد مظهرها دائماً و يغريني باقتناء المزيد منها، هل جربتم الماء المحفوظ في جرار غضارية؟، لن تعودوا بعدها إلى أوعيتكم الحضارية، ما زال أبو الياس يحارب الموت بطريقته في زمن السيارات و الدخان و التلوث، هو أيضاً يحضن بيض العصافير في غفلة من الزمن ومن الحراس، مشيتُ باتجاهه متحملاً قسوة شمس الصيف، لا شيء سيعيد بعض الحياة إليَّ سوى اقتناء بعض ابداعاته، في الطريق إلى عمود الدخان كانت صورة بشرى تملأ فضاء ذاكرتي و لسببٍ أجهله كنت أراها تحضر فطورها و تغني شيئاً ما عن العصافير التي ترحل ولا تعود.

في الطريق الطويل إلى مصنع أبو الياس تداعت الذكريات داخلي، عدت إلى زمن المدرسة، إلى وجهها يسألني كيف تكتب اسمك بهذه الطريقة، توقفتُ عن تخطيط اسمي بشكل فراغي و حاولت التفكير في إجابة لسؤالها، لم أفلح في الوصول إلى إجابة منطقية، كانت هي من الأوائل في المدرسة و أنا العادي الذي ترتيبه يتوسط صفه و ليس صفوف المدرسة مثلها هي، أردت أن أقول لها أني أستغل مبادئ الهندسة الفراغية فقط لكن هذا يعني ضمنا تهكمي عليها لأنها تسألني بجدية و هي فعلا غير قادرة على تخيل الأبعاد الثلاثة على الورق، فيما بعد سأكتشف أن هذه موهبةٌ مثل الشعر و مثل كل المواهب الأخرى لكن وقتها لم يكن هذا الأمر ما يشغل عقلي، كنت أفكر في وجهها العادي، في أصابعها الطويلة، و في أشياء كثيرة فيها، كل ما فيها لم يكن يجذبني وقتها، لكن بقيت لمدة عام أو أكثر أفكر بها، هل أستطيع أن أتزوجها، ربما كانت هذه بدايات انجذابي إلى العقل، إلى ضوئه، إلى جمال العيون التي تُشعُّ ألقاً وتمرداً على حدود المعروف، هذا الإغواء سيرافقني دوماً في كل مراحل حياتي اللاحقة رغم إقدامي على إقامة علاقات مع نساء لا يمتلكن هذا الوجه البارد لرفيقتي في المدرسة ولا يمتلكن أيضاً ذكاءها.

عمود الدخان يسير أمامي في الصحراء، أشعر باستحالة الوصول إلى أرض أبو الياس، هناك مسافة شاسعة تزداد بعداً، الزمن يعود للوراء، إلى رفيقنا الشاب في المدرسة الذي وجدوه قبل الامتحان ميتاً فوق كتابه، تركناه في المساء بصحة جيدة و بعد ساعات مات ببساطة، كنا جميعاً نظن أن الموت لا يصيب سوى الكبار و نحن مازلنا صغاراً عليه، لكن ها هو رفيقنا يُخرجنا من أوهام القوة و القلاع الحصينة إلى هشاشة القش، فوق الكتاب، و قبلها مساء يحدثنا على حبه و كيف سيصارحها في يوم ما، لا أعلم لماذا تنفجر الذاكرة هكذا كخزان ماء فيه عشرات الثقوب و كلما أغلقت ثقباً انفجر آخر، أذكر وجوه من اعتبرتهم يوماً سعداء ثم حطّمهم الزمن، أذكر تلك الصغيرة بتنورتها القصيرة تعبر الطريق، و أذكر جسمي الضئيل وقتها و فقري، ونظري لها ككائن أعطاه القدر كل ما يريد، حدث أن التقينا بعد ثلاثين عاماً كانت تبحث عن الحب و أنا عن رفيقة فافترقنا، جلست مقابلي واختفت من عينيها كل مظاهر البرود واللامبالاة، بفخذيها المتباعدين و بكيان أنثى تريد أن تعرف الحياة للمرة الأولى، قل لي أنك تحبني، فكّرتُ في نفسي: “لم ألمّح لها و لو تلميحاً أني أحبها، أخبرتها أني أحتاج رفيقةً لانكساراتي، رفيقةً لزمني المهزوم، وهي أخبرتني أنها تريد حباً، قصة حب رومانسية، قلت أنا أريد رفيقةً أتكلم معها و تحاورني، تفهمني، أرغب بك كأنثى، تغريني كثيراً، لكن هذا القلب لم يعد يحتمل مزيداً من الأوهام، أأقول لها تلك الكلمة السحرية أحبكو أستجيب للفخذين في أقصى توترهما، هي تقايضُ الحبَ بالجوع الظاهر على وجهي، جوعُ الجسد المحروم من أنثى لأعوامٍ طويلة، أحتاجها جسداً و ربما تسكنُ روحها إلي فتصبح رفيقتي الدائمة، لم أكن أفكر أنها مجرد علاقة عابرة، بل روح تشرب معي من كأسي و تُدفئ برد خيالاتي، أردتها إمكاناً قائماً لبعض الفرح قبل أن أهوي ميتاً فوق كتاب مفتوح، رأت ترددي فحثتني مرة ثانية على قولها، قلت لا أستطيع، عادتْ إلى ثلجها و رحلتْ، بقينا نتواصل هاتفياً لكنها كانت دعوة المرّة الواحدة التي لا تتكرر في التاريخ أبداً، لا في تاريخي و لا تاريخها، حتى الجوع و الوحدة لم ينجني من حماقة الصدق، لهذا لم أفكر أن أصبح سياسياً، السياسة تقول، قل لها أحبكو غداً يخلق الله ما يشاء واحتمال أن تصبح رفيقتك كبير فلا تهدر هذه الفرصة، وأما عقلي البائس فيقول لي: “إن فعلت ستظل تشعر بالكذب على نفسك و ستظل تهرب منها بعيونك إلى الأبد، هي تعلم أنك لن تحبها خلال ثانية، خلال دعوةٍ واحدة، هي تريد عقد إذعان، هي تريد حلمها و لو وهماً لتنفجر بقايا الإنسان داخلها فتعيش ولو لمرةٍ واحدة قبل أن تهوي هي الأخرى فوق كتاب، مصائرنا نحن البشر غريبةٌ جداً، غريبةً و عبثية، لم أنساها أبداً، و لم أنسى الطفلة التي كانت تعبر الشارع وكنت أمامها أفكر بالطعام الذي ليس معي ثمنه، بفقري، بجسمي النحيل الذي لا يلفت الانتباه، بلا عضلات، بلا جمال، فقط تلك العينان اللتان تشتهيان ارتشاف الحياة قطرة قطرة، و ذاك العقل الذي لا يهدأ، و تلك الحماقات التي لا تنتهي، لن تُفلح في شيء يا أحمد العربي كما تدعوك بشرى الحمد، لن تفلح في توازن العقل والصدق مع الحاجة للأوهام لدى البشر، أليس وهماً يا أحمد أن تعتقد نفسك صادقاً، ماذا تسمي ذاكرتك تلك، لماذا لم تنساها و هي طفلة، و لماذا تدور ذكراها في عقلك الآن، كنتُ مثل فخار أبو الياس القديم، مغطى بالشروخ و أقطر منها ماء الماضي، موزعاً بين كل النساء كان هذا تيهي الخاص، وهذه صحرائي التي أظن أن عمود دخان مشغل أبو الياس سيخرجني منها، أي حماقة أن أربط بين الأمرين.

وصلت أخيراً إلى أرض منبسطة توضّعت عليه الجرار، اشتريت واحدة لا أحتاجها مثلما فعلتُ في كل المرات السابقة، و أنا في الطريق أحملها عائداً إلى منزلي سألت نفسي عن سر الولع بهذه الجرار، شكلها إنسيابي.. ألا تشبه بطن أنثى؟، إغواء الفراغ في الجرار إغواءٌ قويٌ جداً، أحتفظ بهن فارغاتٍ دوماً، ربما في يوم من الأيام سأملؤهن نبيذاً، أحتاج قبواً و عنباً و أنثى تعصر الحزن في قلبي، لن أقول هذا الكلام لأحد، لن أتفوه بكلمة عن هذه الرحلة إلى أرض أبو الياس المقدسة، سأكتفي بوضع الجرة الجديدة قرب سابقاتها و أخلد لنوم عميق، أشعر بالإرهاق الشديد، فهذه المرة المائة التي أفشل فيها في منع نفسي من شراء جرة جديدة.

بين احتمالات القلق و النبيذ الموهوم الذي أخشى أن لا أراه أبداً كانت بشرى بثوبها الرقيق تطوف في ذاكرتي، كانت كلمة أريدك كافية، سواء صدرت مني أو منها، هل أدلّها على متجر أبو الياس لتشتري جرارها الخاصة، سأعدُّ لها مكاناً لتخزين مقتناياتها منها، لدي رغبةٌ هائلة الاتساع بك يا بشرى، أريدكِ عاريةً من كل مشاعرٍ أو واجبٍ من أي نوع كان، أريدكٍ عماءاً صافياً و تيهاً حقيقياً، قد أخدع الموت فلا يجدني فيه، قد أخدع نفسي في بدائية الجنس والغريزة، في الانتماء الذي يتشكل في الانصهار، جسد يحترق بجسد، يئن بفعل المعرفة الوليدة الطارئة على سكون الزمن، شعرت بنهد بشرى يمزق ثوبها، فخذيها اللذان يشبهان فخذي محاربةٍ قديمة، هكذا وبدون مقدمات وقفتُ ببابها أنا و جرتي، لم تسألني لماذا تقف هكذا، لم تستغرب مني فعلي، كانت ملامحها حادةً وقوية، ملامح محاربةٍ أكثر منها ملامحَ أنثى تستعد للحظةِ وصال، وضعتُ الجرة جانباً، ربما لم أردها أن تبقى مع رفيقاتها، كان كل ما فيَّ ينبض بتوتر غريب، شعرت بالضيق في صدري، بالرغبة في الهروب إلى تيه مشغل الفخار، فكرت بشراء كل الجرار و تحطيمها شظايا صغيرة، كنت أريد الهروب لكن كل النوافذ و الأبواب كانت موصدة أمامي، بشرى تفك أزار ثوبها بتمهل شديد و كأنها تعرف ما أعانيه، هل تريد أن تترك لي فرصةً للهروب أم تتفنن في تعقيد الأمر علي، برز النهد و سال الثوب فوق الجسد، خرج من أطرافها يسهولة و يسر، كانت رائحتها أشبه بخشب عتيق، طوقت خصري بفخذيها، شعرت بقوتهما، لم أكن أعني لها شيئاً في هذه اللحظة، لم يكن لاسمي و تاريخي معنى بالنسبة لها، كنت مجرد رجل قرر أن لا يخزّنَ الجرة التي يحملها قرب رفيقاتها، كان لأي شخص يفعل مثلي أن يثير تلك القوة العمياء في داخلها، سألتني بوقاحة: ألم يثرك الذكاء يوماً و تتمنى الجنس معه حتى لو لم يعجبك شكله الخارجي؟، قلت بلى، و كأنها قرأت أفكار رحلتي، قرأت ذاكرتي، لم تمهلني لألتقط أنفاسي، و تابعت: لقد تخيلتهم جميعاً، لم يكونو بالعدد الكبير فهم عملة نادرة للغاية، أردتهم في فراشي، لدي رغبة شديدة بهم و ما منعني عنهم سوى خوفي الاجتماعي، ربما لا يكون البعض منهم على مستوى الوعي الكافي لهذه الحالة، و حتى لو هاجمني بكلام قاسي لقلت له: “أخذت أنا ما أردت فلتصمت أنت عن سخافتك هذه، كنت لأكتفي بتلك النظرة التائهة في عينيه و أنا أنتزع بقايا الروح و الذاكرة من جسده و أحتويها في جسدي، تعال يا أحمد أريد أن أشعر بازدحام النار في بطني، أريده ممتلئا بك، بندمي على كل ما فاتني من قبل منهم، و ما فاتني من أيام هنا، أريد أن أشرب وأشرب ولا أرتوي.

في الصحراء كانت ظبيةٌ تطارد ظلها الهارب أمامها و كنت أنا أسلم ساقي للريح وراءها، في البداية كان هذا المشهد هو ما يغريني ثم أصبح ما يغريني هو التوازي معها و ثبات المسافة بيننا، استحضرتُ كل صور النساء أمامها بلا خجل، تحررتُ منهن واحدة واحدة قبل أن أغرق في الشعر الأسود على المخدات البيضاء و ذاك النهد الذي يلاحق صدري و فمي، فخذيها، أصابعُ يديها، ذاك الهدوء الذي يخطف الأنفاس، ذاك الطيران الهادئ، ألق العيون و هي تمزج الفيزياء بالرياضيات بالجنس، تلك الإباحية الصادمة إلى حد انفجار القلق، ذلك التعري الحقيقي من كل الأوهام، النبيذُ لا نعتصرُها من العنب بل من الأرحام الممتلئة بالحقيقة، حقيقة عودتنا إلى ما كنّا عليه قبل أن تسيطر علينا أوهام المدنية، يوم كانت البراري موطننا و موطن أرواحنا المغتصبة الآن بالجدران و الأقفال و الأبواب، أدخله عميقاً لتعرف المدى، أدخله لتعود إليَّ متألماً كفعل اشتياق صرف، كن أنت و نسائك واحداً متوحداً في حضرتي، ألم تفعلها جدتي هذا مع أنكيدو الوحش، أنا لا أريد تمدنك، أكمل عصر النبيذ فعقلي يذهب في الغياب، أكمل بذاءة اللفظ و رقّة الهوى، أكمل يا ذا العينين المسافرتين في المدى، أنا احتمالٌ خذه كله حين يكتمل، أكمل لا تتوقف، أكمل لا تتسرع، أكمل حكايتك، اكتبها، دونها، لا تتركها تضيع بين الصدى، كانت الجرار في أقبيتي تمتلئ الواحدة وراء الأخرى و يسيل منها النبيذ ولا يتوقف، و كان السُكْرُ اللذيذ يتمكن من جبيني فأطفاء اشتعاله تارة في صدرها و تارة بملامسة جبينها و تارة بالتوقف لالتقاط النفس، خمسون عاماً من التيه، خمسون عاماً من سؤال التائهين مثلي عن أرضٍ فيها يرقص الحجر، اليوم أصِلُها أسرعُ من الموت الذي غافل رفيقي الصغير فوق كتاب، أسرع ُمن لحظة ندم، كان جسدها يستسلمُ و كنتُ أجاهد لكي لا أقفز في الفراغ حتى سحبتني إلى الأعماق ظلمة شديدة فنظرتُ في عينيها مرةً أخيرة قبل أن نهوي معاً إلى ما يشبه الموت و انتظار الضوء على حافة أمل.

سناء

بشرى في المدينة في زيارة تمتد ليومين لصديقة، صديقة ظهرت فجأة في حياتها مثل كل الأشياء التي تحدث معي مؤخراً، لا اسم لهذه الصديقة ولا أعرف أي معلومات عنها، ولا أعرف سبب اختفاء بشرى عندها ليومين أو ثلاثة، و باستثناء هذا الفضول الداخلي لمعرفة أي شيء عن تلك الصديقة الجديدة كانت حياتي مع بشرى هادئة للغاية، الحياة معها أشبه بالطعام المعطر ضروري للحياة لكنك تأكله مستمتعاً أيضاً بتوابله، ذات الطبق بنكهاتٍ شتى عبر إضافاتٍ بكميات قليلة محترفة، بشرى الحرارة الحارقة و الأمان المقيم في القلب، ترتجل دائماً في حياتها و في عملها و في الفراش أيضاً، تزداد جمالاً بفعل الاعتياد و بفعل انحسار جموح الشغف، أباشر سراً و منذ فترة دروس النحت، أريد أن أمشي على الصلصال بيدي لأخلق صورة لا تفنى منها، تماثيل عارية، ربما بعد قرون يكتشفونها مدفونة تجت غبار و تراب هذه الأرض، و يعرفون أي جسدٍ أرّقني وأي كيان رفع أغطية اللاوعي لدي فانفجر سيل الخيالات وسيل الاستنثاءات لاكتشاف الجديد في أماكن الاعتياد المزمن، مضت شهورٌ خمس على اكتشاف جمال البوح بالبسيط العادي في حياتنا، في معظم الأحيان التفت إلى باب غرفتي لأجدها عارية تتحدث معي، مفرداتها الاستثنائية حاضرة، تستطيع أن تقلب العري المعتاد الذي تتجول به في المنزل معظم الوقت إلى نار تتسعر خلال بضعة دقائق فأنسى ما حفظته منها، لم تكن تخجل من طلب ما تريد مراراً و تكراراً و كأنها مولودة في زمن غير هذا الزمن و في بيئة لا نعرفها في بلادنا، أفكر فيها هذه الأيام كثيراً، هل صديقتها،أم صديقها؟ أشعر بوخزة خوف من الاحتمالين، هذا ضعفي الانساني البسيط الذي لا أبوح به لأحد.

أعادت لي بشرى إمكانية إكمال خيال جسدي غير مبتور و كأنها أزالت الشوائب التي تسد شرايين الطبيعة في نفسي فتدفقت الصور لتحرق هذا اللحم الذي قارب الفناء، كنت أخبرها ببعض من الصور في رأسي فتبتسم و تصنع منها حكاية، لم تخف في أي من الأيام ان تمضي في مجاهل نفسي و نفسها إلى أكثر الأشياء قبحاً و إيلاماً لذاكرتنا، لديها جرأة الشهيد السائر إلى حتفه و هو يعلم مسبقاً به، أشعر بالعجز أحياناً لإدراكي أن غيابها لن يُعوض و سيترك في نفسي ندبة يصعب التئامها، دخلت بشرى في كل شيء في حياتي حتى في نشاطاتي العلمية، بدت كلمة زوجية أو حبيبة أوحتى رفيقة أصغر حجماً بكثير مما أعرفه في نفسي عنها، هي ما لا تتمنى أن تفقده، هي ما تتمنى أن تعلنه جهاراً، هي الحقيقة التي يؤلمك كبتها، كبت المضطر، وكبت الحماية لعينيها اللتين لا تكفان عن ابتكار الزمن المحتجب داخل زمن آخر، هي فضولي الساحر يروادني من داخل جسد أنثى، هي ديانة بأكلها إن اجتمعت معي،أشعر بأني أستطيع إقامة علاقة مع أي أنثى تطرق بابي الآن، كان حضور خيال بشرى في نفسي يجعلني مرتبطاً بخطوط الحياة الخفية، ببعدي الرمزي كرجل، بتجريد المعنى، بتكثيفه، بحضوره الطاغي، لم أكن كثيفاً في حضور أنثى من قبل كما أكون و أنا معها.

قاطع هذياني هذا صوت طرق باب منزلي، لثواني قليلة توهمت أن أنثى خرجت من خيالي و وقفت على الباب، هل سأنفذ ما شعرت به، عندما فتحت الباب كانت ابنة العم سناءفعدت إلى إلى عالمي الواقعي …

أهلاً سناء … تفضلي

هل بشرى هنا؟

لا هي في زيارة في المدينة و لن تأتي إلا غداً مساءاً

حسناً .. أريدك أنت فقط، هل لديك نبيذ أستطيع تجريبه للمرة الأولى في حياتي

ابتسمت لطلب سناء واحمرار وجنيها و كانها ستفعل أمراً استثنائياً خاصاً و ليس مجر شرب كاسٍ من النبيذ، بضع دقائق و كنا في وسط غرفة الجلوس على الطاولة المستديرة نشرب خمراً من عطر و قلق و انتظار.

كيف انقلب وجه سناء من مظلمٍ إلى نور، بين غزوة الاستطلاع و أول زيارة مسافة دهرٍ، و بين زيارتها الثانية و الآن تغير لا أدركه بعد، لم تعد ترغب بالانتقام ممن سرق حياتها في صفقة زواج عائلي، صارت رغبتها بالانتقام معممة أكثر، سناء تشعر بعداوة الفكر الذي قادها إلى هذه الحال، سناء التي طحنتها الحرب خسرت اثنين من إخوتها و هي تنظر بالقلق إلى ولديها الذين سيتم استدعائهما للجيش و لن تستطيع إبعاد هذا الأمر عنهما أكثر مما حاولت، في صباح يوم عادي بلا ملامح مثل معظم أيامها و هي في طريقها إلى الدكان لشراء بعض الحاجيات كان التاجر الغني عصامو هو نازح من منطقة تدور فيها الآن حروب طاحنة يتحدث مع صاحب الدكان الفقير الذي تؤم له تجارته البسيطة ما يسد رمقه و ورمق أولاده، كان عصام يقول له: “نحن هنا بخير، أموالنا معنا و أنتم تدافعون عنا، كان لحديثه بعد طائفي بغيض، و شعرت سناء بالغضب و احتقار طائفة هذا التاجر قبل أن تعلمها مشاهد الحرب اليومية أن فقراء منطقته ماتوا أيضاً سواء في طرف المدافعين في الجيش أو في طرف من اعتقد أن باستطاعته تغيير الحال بشعارات طائفية بينما هذا التاجر يسرح و يمرح حراً طليقاً، سناء التي اختنقت بغضاً من حديث عصام قامت ببيع معظم ما تملكه هي وزوجها لكي تستطيع تهريب ولديها إلى ألمانيا، لم ترد أن يموتا من أجل شخص مثل عصام، انقلب حالها فجأة من الوطنية المبالغ بها إلى رد الفعل الطائفي وصولاً لإدراك الواقع و أساس الصراع بين من يملك و من لا يملك سوى دمه، في فترة تناقضها هذا بدأت تتابع ما أكتب أنا و اصدقائي في مواقع الانترنت و مواقع التواصل الاجتماعي، رأت أن الأمور مترابطة من زواجها إلى رحيل ولديها قسراً عنها، و كمن ينظر من خلال زجاج به شقوق كثيرة الرؤية مشوهة لكن تبقى أفضل بكثير ممن يصطدم نظره بجدار حجري لا نوافذ فيه، سناء الذي بدا وجهها اليوم مشعاً بجمالٍ استثنائي أتت لتشرب خمراً، أتت لتعصر القهر المتراكم في جسدها حتى فاض عن احتمالها، أتت لتصرخ في منطقة تتمنى لو أن حتى الوليد لا يصرخ مطالباً بما يحتاجه ليستمر في الحياة، أرادت لصوتها أن يخرج حقيقياً و يشبهها و لو لمرة واحدة في حياتها الممتدة من عبثٍ إلى أخر.

كان النبيذ يسري في جسدها مثل السم، و بدل أن يُخرج منها ذاك التحرر الذي كانت تراه في الأعراس فينخرط الناس في الرقص و الدبكة باستمتاع و تعزوه لتأثيره، أخرج فائض حزنها و دمعتها التي كانت تغالبها منذ جلسنا على الطاولة متقابلين، بدأت الدموع تنهمر قطراتٍ متباعدة، نظرت إلي بعينين أكثر صفاءاً و سألتني:

من أنت؟، إشاعات كثيرة حولك، متناقضة وغريبة، تارةً أنت غيرت انتمائك المذهبي، و تارةً ملحد، ثم معارضٌ، و بعدها أنت تنتمي لأحد الأجهزة الأمنية، أو لديك شخص نافذ يؤمن لك غطاءاً قوياً لنشاطك، فاسقٌ، لك علاقات نسائية كثيرة، فاشلٌ، أوصافٌ كثيرة أخرى أسمعها قبل الحرب و بعدها، من أنت فعلاً يا أحمد

هل تذكرين جود؟

نعم أذكره

هل يتحدث الناس في المنطقة عنه؟

لا هم يتجنبون ذكره نهائياً و هذا أمر غريب بعد أن كان حديث القرية الدائم و شتمه واجب في كل مكان يتم ذكره فيه

جود يا سناء انتقم بطريقته ممن قهره، في البداية ظن أن غريمه والد زينب، ثم اكتشف بوعيه رغم صغر سنه وقتها أن القضية أكبر من مجرد والد متحجر العقل، هي قضية منطقة بأكملها، حطم تمثال السيدة و أحرق المقام ليوسع رمزياً دائرة الاتهام و دائرة الانتقام ممن آذوه كثيراً عبر اغتيال حلمه، حلمه البريء الصغير، فيما بعد اكتشف جود أن هذا الانتقام غير كافي و أنه لم يُشفي غليله منهم، لذلك مات مدافعاً عن أرضه، عن عيون زينب، و عن زوجها

توقف الدمع في عيني سناء و بدأ يتحول وجهها إلى الاهتمام بضياعٍ آخر جديد، مدت يدها لقطع التفاح أمامنا، تناولت بعضاً منها مع رشفات صغيرة من النبيذ قبل أن تسألني عن هذا الجواب الغريب و الذي لم تفهم ارتباطه بسؤاله الذي طرحته علي.

حين كانوا يشتمون جود كانوا مرتاحين و سعداء، اليوم لا يستطيعون التحدث عنه، جيد أن نكتشف أن الضمير البشري لا يموت بسهولة حتى لدى من خنق إنسانيته في الحقد و الأوهام، جودٌ مشي إلى صليبه يا سناء، مشى في درب الآلام، صعد إلى خشبته اختياراً و ليس اضطراراً، إيماناً و ليس تذاكياً و تلاعباً، جود لم يكن سياسياً كان ثائراً حقيقياً، في البداية من السهل أن يقوم الناس هنا بتصويره كمارق شرير، اليوم هو شهيد دافع عن وجودهم، مات من أجلهم، من أجل أولادهم، من أجل أن يرقصوا في الحفلات، و من أجل أن يستمتعوا بالحقد على بعضهم البعض!، من أجل أن يستمروا في شتم بعضهم البعض!، جود ضحى بحياته من أجل من شرده و آذاه و اضهده و أطلق عليه كل الصفات القبيحة و آخرها أنه مجنون، لذلك يصمت الجميع، الأسهل على ضمائرهم أن ينسوه كلياً و أن لا تعود ذكراه لتشعرهم بما هم فيه من ضآلة و عجز، لا يسامح الناس من يعكس صورتهم أو من يتجاوزهم في المسافة فينكشف عجزهم أمام ذواتهم، إن لم يفلحوا في ذلك سيتحول جود إلى قديس أو إله

نعم إله لا تستغربي فعل السنوات في حكايات البشر اليومية

أتعلمين ماذا يفعل الجسم البشري مع شظية اخترقت لحمه و استقرت فيه؟ يلتهب و يحيطها بالقيح لينفجر فيتمكن من إخراجها، فإن عجز عن ذلك يقوم بتغليفها بنسيج لحمي قاسي يحيط بها كي لا تتحرك، يقوم باحتوائها في مكان محدد مهما كان ضررها لكي يُنقذ باقي أجزائه، هكذا نفعل نحن البشر مع شظية مثل جود، صمتهم الآن هو تجمع قيح نفوسهم، فإن لم يفلحون في لفظه من داخلهم سيقولون أنه ليس بشراً مثلهم، فعل مالا يستطيعون أن يفعلوا، سيقولون أنه مدعوم من قوة نافذة للغاية، لديه استثناء من شيء خارجي و ليس بشرياً مثلهم فيكونوا مطالبين بفعل ما فعل، نحتوي نحن البشر عارنا و هزيمتنا أمام ضميرنا بأن نغلفه بشيء قاسي و نمنعه من التمدد إلى بقية اجزاء نفسنا، قديس مدعوم بتأييد إلهي تبدو فكرة جيدة للغاية لكي لا يشبهنا و لكي يكون فعله ليس منسوباً له بل لغيره المتواري الحاضر دوماً لينقذنا من ورطتنا أما ذاتنا

حالتي لم تبتعد عن حالة جود و إن لم أصل لسمو و صفاء روحه، أتحدث عن أمراضنا و أعلم يقيناً أني ربما أدفع الثمن الذي دفعه جود قسراً و ليس اختياراً، لذلك لن أصبح قديساً فأنا نصف طاهر يا سناء و نصف سياسي لأني ما زلت أراوغ الزمن أما جود فلم يتردد في الذهاب إلى نهايته و إلى الحد الأقصى ولو أراد مفاضلة العقل و المنطق لكان مع زينب الآن، كل الاتهامات لي تدفعها قوة فضولهم و قوة رفضهم لأي تمرد على واقعهم و بما أني لم أتراجع من مواقفي فيجب أن يكون لي قوة أرضية حامية لتصرفاتي، أنا مثالٌ آخر من موقع مختلف يفضح عجزهم، لذلك أفهم كرههم لي و لا أعتبر أن هذا الكره هو موضوعٌ شخصي، أنكفأ في بيتي و هذا يزيد إحساسهم بالخطر، الإنسان يصنف المجهول كخطر يصعب عليه التعايش معه

النساء يا بشرى في حياتي كلها و عمري الآن قد تجاوز الخمسين ثلاثة، آخرهم بشرى، أعلم أن هذا فضولك، بشرى بالتحديد، بشرى زوجتي، ربما لا توجد أوراق تثبت هذا الأمر، لا يحتاج البشر إلى أوراق ليثبتوا زواجهم، ربما العكس هو الصحيح، دون أوراق سيكون زواجهم اكثر صحةً و أكثر منطقية و أكثر إنسانية..”

لا تخبرني يا أحمد، أنا خير من أستطيع تأكيد ذلك، الأوراق ليس لها معنى، أكمل حديثك يا ابن عمي

هي ذات القضية السابقة لكن بتلاوين مختلفة، عندما لا نستطيع نحن البشر أن نعيش إنسانيتنا الحقيقية نتيجة خضوعنا للنظم الاجتماعي القاسية نحول خيالاتنا الذتية اتهامات إلى الاخرين، اليوم أنت هنا معي ولا أحد غيرنا، من يشتهي وصالك الجسدي يا سناء سواء كان يعترف لنفسه بهذا الأمر أو يخجل من الاعتراف به سيقول عني و عنك أشياء كثيرة، لن يتخيل حوارنا هذا و سيتخيل أموراً أخرى يحتاجها هو و لا نحتاجها نحن، لست أنفي أن خيالنا البشري يذهب إلى أماكن قصية، ربما لا أستطيع منعه تجاهك، لكن عبر اعترافي به أترك لعقلي فرصة مراقبته، نحن لا ما نتخيل بل ما نفعل يا سناء، و اليوم أراني أشرب معك خمراً، و أرى رفيقةً تقاطع طريقي و طريقها لزمنٍ، كلٌ يسير إلى مصيره الخاص يا سناء، قد نمشي في طرق واحدة قليلا أو كثيراً لكن سيفترق كل منا في طريقه المحتوم حين يأتي وقت ذلك

لما تسألين عن كل هذا يا سناء، هذه الطرق لا عودة منها، لم يسر من قبلك أحد فيها و عاد

ومن قال لك أني أريد أن أعود، ربما لن أجرؤ على الذهاب بعيداً جداً، ما تبقى من العمر أصغر بكثير من أي يستوعب خوفي…”

هل تعلم؟

سأغادر هذه الدنيا و أنا لم أعرف من أنا فعلاً… هل تؤمن بالتقمص يا أحمد؟

لا ..، ربما أعتقد بوجود نوع من الذاكرة الجمعية تتناقله الأجيال فيما بينها، لا أعلم كيف تنتقل هذه المعلومات، لكن أثق أن العلم سيكشف النقاب عنها في يوم من الأيام، التقمص تختبرونه عندما تشاهدون استدعاء اجزاء من هذه الذاكرة الجمعية، أعلم أن هناك شواهد كثيرة متواترة، أنتم تقبلونها بشكل ديني، البعض المختلف عنكم دينياً يرفضها و يقمعها عند الأطفال الذين يتحدثون عن ذاكرة سابقة

أرغب في أن يكون هناك تقمص يا أحمد، انظر إلى حالتي، لا أستطيع قبول أن الله قد تركني لهذا المجتمع يخنقني ويقتلني معنويا دون أن يكون لدي فرص أخرى، أنا لا أستطيع أن أفعل ما تفعله أنت يا أحمد، أنت تحررت حتى من إيمانك بمعتقداتنا، أنا مازلت أشعر بتلك القوة العظيمة التي خلقتنا، هل تذكر عيسىفي المنزل المجاور لمنزلكم، هذا الشاب الذي أحببته حتى اختنقت و لم أجرؤ حتى على لفت نظره،نحن إناث الأرياف نحمل السجون تحت جلودنا، لذلك لا نحن نفارقها ولا هي تفعل، في كل مرة اقترب زوجي مني كنت أتخيله معي، لم أكن أستطيع تجنب استحضاره في ذاكرتي، كان هذا الأمر يخنقني و يجعلني أشعر بالعار، أي مصيبة تقع لي كنت أظن أنها نتيجة لسوء نفسي هذا، كنت أخاف على أولادي أن يصيبهم مكروهٌ عقاباً لي على خيالي هذا، ألم يقل شيخ القرية عن خالتي التي تعاني من مرض السرطان أن الله يعاقبها، أحياناً كانوا يقولون أن الله يعاقب الأولاد ليحرق قلوب ذويهم، صّدقتُ كل هذا يا أحمد، صدقته قبل أن أقرأ كثيراً في سنوات الحرب، في كل مرة عاشرني فيها سعيد و تخيلت عيسى معي كان رهاب فقد أولادي يحول حياتي إلى جنون، هل تعلم قسوة لحظات القلق إلى أن يعودوا سالمين إلى منزلي، أمام عيني و في حجري، اليوم أنا أسخر من نفسي من ذاك الأمان الزائف حين يصبحون حولي، و كأن كليُّ القدرة سيؤجل أذية الأولاد حتى يخرجوا من البيت بعيداً عن عيناي، أي حمقاء كنت في ذاك الوقت و كيف لم أفكر آنذاك بشكل منطقي، بقيت على هذه الحالة سنوات طويلة قبل أن أتعرف على زوجته و في اجتماع نسوي للنميمة الصباحية انفجرت المسكينة بالبكاء لتحكي لنا عن الوحش القميء الذي تزوجته، عن سخفه، عن نظرته السيئة للنساء عموماً، عن ألفاظه الجارحة بحقهن، منذ تلك الزيارة الصباحية فارق عيسى فراشي، لكن شيئاً ما تحطم في روحي، لو تزوجته وقتها لظننت أني أسعد إنسانة على وجه الأرض، اليوم أدرك أني لو تزوجته لأصبحت مطلقته إضافة لحملي قلباً مكسوراً لا يمكن ترميمه، هل كانت خالتي ووالدي محقان بشأن تزويجي من سعيد؟، ربما لو عشت تجاربي يا أحمد، تلك التجارب التي تستطيع فيها المغادرة و تحمّل بعض الخسائر مهما كانت مؤلمة لكانت حياتي مختلفة و لكان لها معنى، خسارة تجربة تبقى أهون من خسارة العمر كله، لو عشت تجربتي الجسدية والروحية مع عيسى ربما لعرفت كيف أنتقل إلى عالم سعيد، سعيد طيب القلب، هو مثل أشجار البلوط في حقولنا، مثل هواء قريتنا، نقي وواضح، لكن حتى الهواء حين يُحشر قسراً في صدرك تفقد احتمالكَ له و يصبح اختناقاً مؤكداً مهما كان رقيقاً وجميلاً، ذهبت هذه الحياة و لم أعرف طعم الجسد عن حب أو حتى رغبة، رغبتي أنا، رغبة ذاتي لا رغبة مجتمعنا المحاصر بسياجٍ من الألسنة تتناول كل من يحاول الفرار خارجه

حكت لنا خالتي عن رؤيتها لأولِ و لآخرِ فيلمٍ إباحي، رأت هذا الفيلم اليتيم قبل ثلاثين عاماً تقريباً، تلك هي الفترة التي انتشرت فيها أجهزة الفيديو المنزلي و بدأ الناس فيها يخرجون من أسر القنوات التلفزيونية و مقص الرقيب و اختيارات السلطات لتوجهاتهم الثقافية أو الجنسية!، كانت زميلة خالتي في المدرسة أرملة فقدت زوجها قبل أقل من عام، تقدم لزواجها رجل من مدينة أخرى فقبلت به فوراً رغم أنها لا تعرف معلومات كافية عنه و فجأة تغيرت حياتها، أصبحت هذه الخجولة الريفية أكثر جرأة و بدأت تروي لزميلاتها النكات البذيئة، و حين ذهبن إلى منزلها للمباركة بزواجها استقبلتهن بثياب جميلة تُظهر الكثير من جسدها، كانت في قمة الحيوية و التألق بينما المفروض أن تكون أكثر رصانة و أن لا تنسى أن زوجها لم يُكمل سنته الأولى وأن عليها تأمين توازن بين فرحها بزواجها و بين حزنها على زوجها المتوفي، المسألة لم تنقضي عند هذا الحد بل تجاوزت جرأتها كل المعايير، في منتصف الزيارة النسائية الطويلة سألت زميلاتها إن كنّ قد شاهدن فيلماً جنسياً من قبل؟، هل أضع واحداً في جهاز الفيديو؟ في النهاية شاهدن جميعاً الفيلم الإباحي، و مثل كل القصص التاريخية العظيمة بقيت ثغرة أو حلقة مفقودة لم تخبرنا بها خالتي وهي: هل اعترضن على عرضها هذا؟ هل شاهدن الفيلم من ألفه إلى يائه أم استدركن الأمر و طلبن توقيفه قبل إكماله حتى آخر مشهد، هناك أسئلة تقلب دائماً معنى الروايات التاريخية الكبرى لكن للأسف لا أحد يملك جوابها اليقين، حتى الأحياء الذين عاصروها يتجنبون الحديث عنها ويتجنبون أيضاً إكمال النص المفقود، المهم في حكايتنا هنا أن خالتي و زميلاتها المتزوجات عدن و أخبرن أزواجهن بهذه الواقعة و بالرغم من تأني الأزواج في التدقيق في تفاصيل القضية و طلب مزيد من الايضاح المدعم بالوصف لاتخاذ قرار سليم غير منحاز فكما تعلم يا أحمد رجال الشرق لديهم حس عدالة استثنائي و يخشون الله فعلاً في الحكم على الآخرين و خاصةً إن كنّ من النساء، بعد التدقيق في كل جوانب القضية و تخيل تفاصيل تفاصيلها صدرت أحكام متماثلة من كل الذين استمعوا إلى زوجاتهم: لا تعودوا إلى زيارتها واقطعن علاقتكن بها فوراً، أجزم يا أحمد أن هذه الزيارة كانت تاريخيةً بالنسبة لهن، شاهدن الحياة من ثقب باب في غرفة مظلمة، ثم تجنبن إغواء النور و سددن الثقب بقطة قماش وهكذا انطفأت عيونهن و لم يعدن إلى التفكير في هذه الواقعة مرة أخرى تجنباً للألم

ما الذي تريدين قوله يا سناء ..أكملي

بدت سناء أكثر انطلاقاً تحت تأثير النبيذ، ذاك المشروب العتيق الذي لا يضاهيه مشروب آخر في السحر، سحرٌ موغلٌ في القدم، يعيد للإنسان ذاكرته القديمة على العكس من المشروبات الروحية المصنعة حديثاً بوسائل جديدة نسبياً، ذاكرة الجرار الفخارية للنبيذ هي الأقدم، هي جزء من تاريخنا الإنساني و من طقوسنا حتى لو اختلفنا في تحريمه أو إباحته. بدا وجه سناء جميلاً للغاية تحت تأثير تحررها من خوفها ومع انطلاق صوتها ثابتاً دون خجل وتردد، سناء الأقرب للسمنة كانت مثل غزال رشيق يقفز من فكرة لأخرى، كان صدرها يرتجُّ مع حركة يديها وهي تحاول التعبير بكل الوسائل الممكنة عن الصور المتلاحقة المتدفقة في عقلها، بدا تعبيرها هذا كرقصٍ منفردٍ بين الكلمات، أنصتُ لها بشكل جيد دون الكثير من المقاطعات إلا حين كانت تتطلب مني ذلك.

انهارت صورت عيسى أمامي ولم أجد بديلاً عنه يستطيع سكن خيالي، نحن الإناث نميل لاستخدام صورة المحبوب في خيالنا الجسدي و سأسألك عن هذه النقطة فيما بعد، حين فقدته في الخيال أصبح الجنس مع سعيد صعباً علي لأسباب جسدية، كنت أستطيع تجاهل حالتي التي لا تصل إلى أي مكان لكن لم يعد بإمكاني إخفاء صعوبة وصولي لنقطة أستطيع بها المباشرة بالفعل الجنسي رغم وجود تحريضٍ طويل، هل تفهم ما أقصد؟، بت أتحجج بالمرض و التعب و الأولاد لكن هذه الأعذار لا يجب أن تستمر طويلاً وخاصة بعد رؤيتي لمظاهر القلق على وجه سعيد، أدمنتُ مشاهدة الأفلام الإباحية، تخيلت نفسي بينهم منفلتة من كل شرقٍ و من كل ضوابطَ حاصرتني في حياتي، وجوهٌ لا أعرفها و لا أحمل لها في ذاكرتي وصفاً أو مشاهدَ تزعجني، أجسادٌ جميلةٌ عارية وأشياءُ تثير الفضول لم نعتدها في ثقافتنا و في حياتنا الخاصة، بدأت أتلمس جسدي لأتعرف على مفاتيحه، تمنيت أن أخوض جميع هذه التجارب لأفهم جسدي أكثر وأكثر، رأيتُ التناقض داخلي بين تخيل الواحد المحبوب وبين رغبتي الداخلية في تجربة هذا العالم المنفلت إلى حد الجنون، ربما حين نكون جوعى نتخيل أن بإمكاننا التهام كل أنواع الطعام على طاولة مأدبة، نتمنى أن نستمر في التهام كل الأصناف بلا توقف لكن حين نشبع سنعرف أننا محكمون بقدرتنا البشرية وبفقد الاهتمام بالطعام بعد الشبع، نحن هنا لا نتحدث عن حب ولا عن صداقة بل عن حالة جوع بسيطة، جوعٌ بسيطٌ لكنه مستمرٌ و مؤذي، هو جوعٌ يا أحمد، جوعٌ راكمه الخوف من التعبير، خوفنا من التعبير بجسدنا وإلا أصبحنا عاهرات في نظر محيطنا، أعلم أن الرجال يطلبون من الأنثى التعبير المنفلت من الضوابط لكن لو فعلنا معهم هذا أي وصف في ذهنهم سيلبسوننا إياه،هل نستطيع فعل ذلك ونحن بفعل التشريط الدائم والتربية التي تلقيناها نفكر في كل حركةٍ نقوم بها في الفراش، هل هي مناسبة؟ هل تفي بمعايير الحشمة ولا تجعل هذا الذكر الذي أمامي يفكر بي بطريقة سيئة، لماذا أساعده و هو يحتقرني!، ماهي الألفاظ الذي يشتم بها الرجل؟، ألا يستخدم اللفظة السوقية للفعل الجنسي كتهديد و يعتبره لو حدوثه إذلالاً للخصم، ألا يقصد حين يقول لرجل آخر أنه سيفعل به كذا … و كذا.. أنه يريد إذلاله، الجنس في ذهن الرجل فعلُ هجومٍ و إذلال لا فعلُ تواصلٍ و انصهار، وعلينا نحن أن نظهر مستمتعاتٍ بما يفعل، بل علينا التفاعل وكأننا لم نستمع من قبل إلى أمهاتنا و جداتنا و آبائنا يقرأن علينا آلاف النواهي و الأوامر التي نطبقها اليوم بفعل الاعتياد في فراش الزوجية، كيف أستطيع أن أكون في خيالي مع ذاك الشاب الجميل في الفيلم الإباحي، أو أكون في تجارب أكثر تعددية و انفلاتاً ثم انتقل لممارسة الفضيلة في الجنس الرسمي المحكوم ليس فقط بعيني الزوج بل بقوانين العشيرة و القبيلة والأديان، نحن نضاجع القبيلة كلها يا أحمد في فراشنا لا الشريك، نحن نضاجع وحشاً بل مسخاً له آلاف العيون يرصد بها حركاتنا و همساتنا وآهاتنا و سكناتنا و شرودنا، تباً لهذا القاع الذي ولدنا فيه

ارتشفت سناء النبيذ بتواتر أكبر ربما أرادت جرعةً أعلى من الجرأة، ألم تعدني سابقاً أنها تريد العودة إلى هنا لتصرخ بأعلى صوتها، ظننت وقتها أنها ستفعل هذا الأمر حرفياً لكنها الآن تصرخ بأعلى مما توقعتُ بصوتها الخافت الذي يبدو ساحراً أكثر فأكثر، تمنيت لهذا الحديث أن لا يتوقف لذلك بقيت صامتاً مستمعاً في انتظار أن تكمل كل ما تريد قوله، تناولتْ ورقةَ خسٍ بعد رشفة النبيذ و أكملت:

بت أستطيع إكمال الوصال الجسدي مع سعيد، هذا العالم المنفلت الذي استحضره إلى فراشي يؤمن لي البقاء بعيداً عن الواقع الذي لا أريد أن أراه مع أنه يلامسني و جزءٌ منه يكون في داخلي، عبر هذا الاستحضار كنت أنتقم ايضاً من صوت والدتي، من صوت جدتي وخالاتي، من صوت والدي ينهرنا نحن البنات إن تبادلنا نكتةً بذيئةً و يضحك إلى حد القهقهة إن سمعها من أحد أخوتي الذكور، الفراش في شرقنا ساحةُ حربٍ يا أحمد وليس مكاناً للعيش المشترك و الانصهار المتبادل، تخيلت أن مجتمع الممثلين الاباحيين أكثر سعادة منا لأنه يعرف قوانين الجسد أكثر، المجتمع الغربي كله هو أكثر حريةً منا في مجال الجسد و توجد فيه فرصٌ أكبر لتلاقي المتشابهين لكن في اعتقادي مازال جوهر العلاقة بين الرجل و الأنثى بعيداً عن الاكتمال و النضج، بعد زوال وهجُ نارِ الجسد الذي حفّزت في خيالي الكثير من الصور المثيرة جداً بدأ الإدمان يأخذ مساره الطبيعي، أي إدمان له ذات المسار، في البداية تظن أن الجرعة غير كافية و يتوجب زيادتها لتسمتع، تزيد منها و تزيد لكن دون جدوى، و شيئاً فشيئاً تفقد الجرعات تأثيرها و يصبح عقلك واعياً للتفاصيل الصغيرة، بدأتُ أنتبه لوجوه النساء في الفلام الجنسية، إنهن لا يستمتعن، نادراً ما تجد أن مصور الفيلم يهتم بالتقاط النشوة في جسد الأنثى هذا إن حدثت، كل الأفلام تنتهي بالهدف السامي الأعظم: وصول الرجل للنشوة، أين غيابهن، هن تابعات أيضاً مثلنا، هن مجرد أداة، هذه الأفلام تفضح ما يحاول المجتمع الغربي إخفاءه في أفلامه السينمائية، السينما دعاية لتزوير الحقائق، زلات اللسان هي أصدق من آلاف الساعات من الدعاية التي يبثونها، في كتاب لفاطمة المرنيسي عنوانه ‘هل أنتم محصنون ضد الحريم؟‘ تسأل عن سر ولع الرجال الغربين باقتناء لوحات تصور الحريم في الشرق، خجولةٌ هي رغبته عندما يقتني لوحات الحريم أما الأفلام الإباحية فهي إباحية فعلاً، رغبته العميقة تخرج بلا خجل وبلا تزوير.”

لم أخرج أبداً خارج سوريا لكي أدعي فهمي للمجتمعات المختلفة في العالم، لكن أشاهد دوماً الأفلام العالمية، ذات الشتيمة الجنسية يا أحمد، هي في كل مكان فعل إذلال و عدوان، نحن النساء في نظرهم مجرد أدوات للمتعة، أدوات لتفريغ القهر والغضب، والبديل عن علاقة المنتصر والمقهور هي العلاقة الرومانسية، ذاك الحب الساحر الذي يهدم جدران المستحيل، لا أعلم لما يذكرني هذا المصطلح بتصوير الشيوخ في القنوات الفضائية الدينية للجنة، الجنة هي شيءٌ جميلٌ جداً ستحصل عليه إن تخليت عن إنسانيتك البسيطة و كنت الكائن المطيع للقوانين الدينية و للأوامر والنواهي المختلفة، إن تخليت عن كل هذا ستعيش انفلاتك كله في مكان آخر بعيداً عن هذا العالم الأرضي، ستأكل لتشبع، و تمارس الجنس حتى ترتوي والأهم من ذلك أنك لن تعمل!…”

لما تنظر إلي هكذا يا أحمد..”

نعم الحب الرومانسي هو المقابل للجنة، أوقف تعابير دهشتك هذه، من قال أن أجسادنا تهوى القواعد، اليوم وتحت تأثر النبيذ أحلق مع أفكاري كظلٍ يمشي فوق سطح ماء، قبل قليل أردت طلب تفسيرك لميلنا نحن النساء نحو الحب الرومنسي في علاقاتنا الروحية و الجسدية، اسمع، لدي فكرة، قرأت قبل فترة عن مفهوم الجمال من وجهة نظر علم النفس التطوري، خلاصة المقال تتحدث أن انجذاب الرجل إلى شكل معين لمؤخرة الأنثى يعكس اختياره للشكل الأمثل و الأقوى لمنطقة الحوض التي تؤمن حمل الجنين بشكل أفضل، توجد عدة مقالات لتفسر لماذا نعتبر هذه الصفات جميلة أو هذا الشكل جميلاً، نحن الإناث يجذبنا شكل العضلات في جسد الرجل، ربما كانت أجسام النساء أجمل من ناحية منحنياتها الإنسيابية لكننا لا نقبلها كمعيار جمالي ينطبق على الرجل، نحن نريد أيضاً لجيناتنا أن تمتزج مع صنف يستطيع البقاء ويستطيع المحافظة عليها، لدي فكرة يا أحمد أحاول التقاطها، جسمي كله في حالة خدر باستثناء عقلي فهو متيقظ إلى درجة فائقة، هذا شعور جميل يا ابن عمي، جميل أن أعيشه في أمان وجودك قربي، اسمع لدينا نحن الإناث تناقض صارخ في الخيالات الجنسية بين تلك التي موضوعها الاغتصاب أو الجنس مع الغريب وبين ميلنا لعلاقة مستمرةٍ دافئة، الرجل أقل اهتماماً منا بالعلاقة الأحادية المستمرة، خياله تعددي بشكل واضح، ربما هذا يعود لحاجتنا لفترة استقرار بعد الإنجاب مع شريك يحمي أطفالناجيناتنا، نميل للعلاقات المستقرة في فتراتٍ معينة من حياتنا دون أن نكون على قطيعة نهائية من الجذر المشترك الذي خرجنا جميعاً منه رجالاً و نساءاً، الجنس أداة تواصل و انصهار، أداة حوار بين أقطاب الحياة لإعادة انتاجها، وربما كلما كان الغريب بعيداً عن محيط مورثاتنا كان الأمر أفضل لثمرة الجنس، الرجل يريد أن ينشر جيناته بشكل كثيف في كل مكان ليكون هو السائد، لهذا هو يحتاج لتعددية اكثر، نحن نتمناها أيضاً ولذات الأسباب لكن يجب أن يتخللها فترات من الهدوء لكي تنموبذورنا بأمان، نحن النساء نتناقض بين قطبين و هو يمضي في انتشار وحيد، أعلم أني أهذي وأعلم أيضاً أني لست سناء ما قبل الحرب ولست سناء ما قبل عدة أشهر من الآن، ولست سناء ما قبل النبيذ، حين نقرأ كثيراً نهدأ و نفكر وحين نشرب النبيذ ننفجر في اتحاد مع ما قرأناه، لم أقصد هذا النبيذ في الكأس أمامي، ما أجمل روحك يا ابن العم، ما أجمل ما فعلته لي، غيرت حياتي كلها

اسمع: أعرف أني لن استطيع التمرد أكثر من هذا، ربما أرغب فعلاً في أن أعيش كل تجاربي الفكرية و الجسدية لكني ما زلت أخاف يا أحمد و أعرف أني أيضاً لن أستطيع فعل ذلك، أحتاج الإيمان يا أحمد لكن لا أستطيع انتظار الجنة، لذلك التقمص يبدو كحل وسط، لكن لا أتمنى أن أكون في الجيل الجديد مولودةً في الغرب، أريد أن أُخلق في هذا الشرق مرةً أخرى، لكن في مجتمعٍ أكثر تحرراً أستطيع فيه القيام بتجاربي دون تشريعها علناً لكن دون دفع الثمن غالياً، ستكون تجاربي السرية الصغيرة، متعتي الخاصة البعيدة عن الضوء وعن الحاجة إلى إعلانها، في هذه البلاد نستطيع إن امتلكنا القوة السياسية أو الاقتصادية أن نُظهرَ علناً الالتزام وأن نعيش ذاتنا الخاصة أيضاً، أقبل بهذا الحل الشاذ، للشرق سحره و توازنه الذي لا أرغب في مفارقته، لا أريد أن أرى مرةً أخرى هذا الفعل الميكانيكي في الأفلام الإباحية، ولا ذاك التقديس للعلاقة الرومانسية و تحويلها إلى دين، أريد علاقةً شرقية تُدفِئُ القلب والعيون، وحتى عودتي الأخرى بعد فناء جسدي الحالي سأحاول التكيف مع زوجي سعيد، سأبقى حرّةً جزئياً في خيالي، لا أستطيع تحويل أحلامي إلى واقعٍ يا أحمد

أحمد … أنت و بشرى في خطر شديد

نصف الشيخ محمود يقول عنها أنها إرهابية متخفية وأنك واقع تحت تأثيرها، إشاعاتٌ كثيرة تقول أنها توجه صواريخ الإرهابيين لكي تسقط قرب أهدافها، بدأ الناس يقلقون من وجودها هنا، قبل يومين كنتُ في حقلنا أقطف بعض الرمان من الأشجار الملاصقة للطريق، لم يحس محمود بوجودي في هذا المكان البعيد عن القرية، كان يتحدث بهاتفه المحمول مع رضوان و يقول له أن القرية لم تعد تطيقها وأن اختفاءها سيبدو هروباً من قبلها أو اعتقالٌ لها من قبل جهة أمنية ما وأن على الشباب أن يحضروا لأخذها، لم أستطع سماع بقية الحديث لأن محمود انتقل بعيداً عني أثناء سيره في الطريق وأنا خشيت الحراك لكي لا يشعر بوجودي، أخشى عليك يا ابن العم، ولا أعرف كيف ستحلُ هذه المشكلة

طار تأثير النبيذ من جسدي و شعرت بداومة تريد ابتلاعي، منذ فترة و أنا أشعر بالخطر الشديد، حدسي اللعين مرة أخرى، رضوان طبيب الموت، هذه الأفعى السامة تخطط هذه المرة لأمر بشع جداً، لم تكفيه كل التقارير التي كتبها بحقي و وجهها للأفرع الأمنية التي قمت بزيارتها كلها، لو كان الأمر قبل عقدين أو ثلاثة لم أكن لأرجع أبداً من رحلاتي تلك، أشياء تغيرت في زمن ما قبل الحرب أما خلالها فتبدو الأمور مختلفة و إن كنا نحن السوريون لا نثق كثيراً بثبات هذه التغيرات منذ أيام الوحدة مع مصر.

سناء .. طلب أخير قبل أن تغادري .. إياك بإخبار أحد بما قلته لي سيكون الأمر خطر عليك، لا أحد ..أتفهمين، أهلك، سعيد، صديقاتك..، لا أريد لأي إنسان أن يعرف ما قلتله لي اليوم عن محمود و عن الذي يخططه لبشرى

بقيت عدة ساعات قبل موعد وصول بشرى الحمد، شعرت باختناق الزمن الذي يضيق أكثر فأكثر، أردت فك التفافه حول عنقي فلم أستطع، يضغط هذه المرة بقوة و ثبات وبلا تراجع، خفق قلبي بشدة لتخيلي فقد بشرى، ربما حانت اللحظة التي خشيت منها طول خمس عقود من عمري، لحظة المواجهة مع ذاتي و مع مصيري الأخيرالذي حاولت الهروب منه طوال عمري.

هل آلمك الاختيار يا صديقي الصغير جود، ها آنا على حافة الاختيار الأخير لكن لست صاحب تفرّدٍ في القرار مثلك، لدي رفيقةُ دربٍ و ليس أمامي مفرٌ من إخبارها أن حياتنا الجميلة انتهت و حان وقت الألم، فكرتُ في التضحية وجعلها تفر إلى أي مكان، داخل البلاد سيصِلون لها في أي مكان وأما خارجها فالأمر مستحيلٌ الآن بطرق التهريب المعهودة التي اتبعها السوريون في بداية الحرب للوصول إلى شواطئ اليونان و من ثم إلى أروبا، الطرق الرسمية للذهاب إلى الخارج مستبعدةٌ أيضاَ لأنها ستعرض بشرى لخطر كشف تحركاتها، بما أن محمود و رضوان في العملية فإن الكثيرين من توابعهما في وظائف الدولة المختلفة سيكونون مستعدين لتقديم بعض الخدمات المجانية او المأجورة لهما، هي الهاربة من أهلها و عشيرتها وأنا المعارض وإذا أضفنا اختلافنا الطائفي و المناطقي ستتوسع أكثر فأكثر دائرة المستعدين لتقديم خدمات مجانية للتخلص منا.

بشرى الجسد الذي حلمت بنحته ليبقى بعد فنائي و فناءها، بشرى السُمْرَةُ الساحرة واللهجة البدوية التي أدمنتها طوعاً و اختياراً، بشرى حبل غسيل أحلامي المعلقة التي لم تجف بعد، يسبقني القدر دائما بخطوة فماذا عنك يا صديقتي، تعالي قبل وقتك فلهذه الساعات المتبقية في هذا اليوم طعم ابتلاع الجمر.

غسان

دخلت مسرعاً مع ثلاث أوعية بلاستيكية كبيرة لحفظ الزيت إلى الجزء الخلفي لباص نقل عام صغير كي لا أزعج بقية الركاب بالحجم الكبير الذي أحمله، أشار لي السائق أن أتوجه للمقعد الأمامي إلى جانبه، أشرت إلى الأوعية التي أحملها وأخبرته بحاجتي لمقعد إضافي لها فقال لي هذا الشاب سينزل بعد مسافة بسيطة ..تعال، انحشرت في المقعد الضيق قربه وأثناء ترتيب ما أحمل ارتطم أحد الأوعية ببطن الشاب الجالس إلى جانبي بيني و بين السائق فابتسم وأبعده بهدوء عنه ثم أخبرني بلطف أن جرحه لم يُشفى بالكامل بعد، إصابةُ حرب، شظية اخترقت أمعاءه فاضطر الأطباء لقطع أجزاءٍ منها، شعرت بخجل شديد وأبديت اعتذاري عن إزعاجه فقال لي لا تهتم يا أخي نحن هنا لنساعد بعضنا البعض وفي النهاية أنت لم تؤذني، الحمد لله أنا في طور الشفاء، سار الباص بضع أمتار قبل أن تفوح رائحة بغيضة عرفتها أثناء بقائي في المشافي مرافقاً لبعض أفراد عائلتي، إنها رائحة جرح متقيح أو رائحة مفرزاتٍ تخرج من أحشاء إنسان، يبدو أن سوائلاً من بطنه ما زالت تخرج من الجرح، شعر غسان بتنبهنا أنا والسائق للرائحة فعزى هذه الرائحة لسيارة نفايات مرّت بالقرب منا، نزل من الباص بعد سيرنا لمسافة بسيطة يعرج ويضع يده على جرح بطنه، آه أيها الشاب أنت لم تُشفى بعد و لم تقل حقيقة ألمك كي تحافظ على مشاعر من حولك، سألت السائق إن كان يعرفه، قال: “هذا غسان الذي يسكن في بيت بسيط عند تقاطع الطرق بعد قريتنا

بدا النهار الذي تلا تعرفي على غسان كشريط أسود يتكرر ويتكرر بلا انقطاع وبلا ملل، حدسي المزعج يدفعني بشدة لعدم نسيانه ولإعادة صورته في خيالي وهو يعرج في الشارع المرة تلو الأخرى، استطلعت أخباره من بعض سكان قريتي، لم أكن أعرفه فهو لا ينتمي للمنطقة، أتى قبل خمسة عشر سنة هو وعائلته الصغيرة المؤلفة من أخٍ و أبٍ و أمٍ ليسكن على أطراف قريتنا في بيتٍ من الطوب الاسمنتي المفرغ مؤلفٍ من غرفة واحدة مسقوفة بصفائح معدنية رقيقة وشيء إلى جوارها يشبه المطبخ فيهٍ بعض الأدوات المنزلية المتهالكة وعلى بعد متر واحد من هذا المأوى يوجد ثلاث جدران رابعها بابٌ من صفيحٍ به بعد الثقوب الصغيرة مثبتٌ ببعض القطع الخشبية وهذه هي دورة المياه الخاصة بمنزلهم، بنت العائلة منزلها الصغير فوق قطعة أرض مهملة تملكها الدولة على تقاطع طريقي، مساحة الأرض كلها لا تتجاوز مائتي متر مربع استغلها أبو غسان لزراعة بعض الخضار و تربية بضع دجاجات، لم يزعجوا أثناء تواجدهم هنا أحداً من سكان القرية أو سكان القرى المجاورة الذين كانوا يمرون أمام بيتهم القائم على تقاطع الطرق التي تؤدي إلى قراهم،كان بعض أهالي قريتنا القرى المجاورة لها يرسلون الطعام إلى أم غسان في فترات متقطعة لتطعم صغارها، لم تكن هناك إمكانية لإرسال الأولاد إلى المدرسة فحتى المدارس المجانية تحتاج إلى ثياب و كتب، و بالرغم من أن المنطقة كلها يغلب عليها الفقر عموماً إلا أن الأولاد لم يتمكنوا من الحصول على التعليم مثل بقية أقرانهم من البسطاء، هناك مسافة واضحة بين الفقر العادي و بين المدقعوهذه المسافة لا يعرفها إلا من عاشه و اختبره، ولمن لا يعرفها، الفقر هو جنة عدن و أما المدقع منهفيشبه العالم المزري الذي نعيش فيه الآن وسط جنون الحرب، في الأعياد الدينية كان بعض من بقي فيهم ضمير ينتزعون اللحم من أمام شيوخ الدين والأقارب المتخمين الذين يعتبرون تناول هذا الطعام طقساً دينياً أو اجتماعياً محبباً ليرسلونه إلى أبو غسان الذي يمتنع عنه بحجة أنه لا يستسيغه لكي يترك فرصةً أكبر لأولاده ولأم غسان بتناول المزيد منه، وبالرغم من وجوب شكر أصحاب الضمير هؤلاء على خرقهم استقرار النظام الاجتماعي الراسخ فوق العقول والصدور و إرسال الطعام إلى هذه العائلة الفقيرة إلا أن فعلهم هذا لم يكن يجلب السعادة لها، النشوة المؤقتة للشبع تتبعها أيامٌ من محاولة التأقلم مرةً أخرى مع طعم الحشائش و الخبز الحاف، و هكذا كان طعم اللحم يتحول إلى ذاكرةٍ مرّةٍ و مزعجة، هو تذكيرٌ بواقع غير مفهوم لطفلين صغيرين و لأهلهما الذين لا يعرفون لماذا تستطيع الطيور والدواب أن تأكل من خيرات الأرض وهم لا يستطيعون ذلك، كبر الأولاد و صاروا يتنقلون في أعمالٍ مختلفة، في الحقول وفي معامل الزيت المنتشرة في المنطقة أثناء أوقات جني مواسم الزيتون فتوسع بناؤهم غرفةً أخرى، وهكذا استطاع أبو غسان زوجته عناق زوجته دون أن يكون مضطراً لسرقة الأمر في غفلة من أولاده.

رأى بعض أهالي قريتنا و منهم الشيخ الشرطي محمود أن منزل أبو غسان يسيء لمشهد القرية السياحي، و بدأوا بإثارة الموضوع في جلساتهم وزياراتهم لكنهم لم يحصلوا على الكثير من التعاطف مع قضيتهم، ربما لأن الضمير الجمعي لأهل القرية شعر أن تحت هذه الحكاية التي ينشرونها حكاية أخرى، هذا التقاطع مهمٌ لإنشاء متجر ضخم يبيع سلعه بأسعارٍ سياحية للمصطافين الذين بدأوا يتعرفون على منطقتنا، وأما مصطلح سياحي فهو أن تبيع الأشياء بضعف ثمنها حتى لأهل بلدك و منطقتك، بدأت قصة كلمة سياحيفي عصر المواد التموينية المدعومة التي تحافظ على صحة الشعب وعلى الحد الأدنى من احتياجاته الإنسانية الضرورية ويبدو أن هناك من اكتشف وقتها أن خبزنا الذي نأكله يومياً لا يصلح كواجهة حضارية للبلد ليتحدث عنه فيما بعد زواره الأكارم، العقلية العربية التقليدية تُعلي من شأن الضيف و تهتم به أكثر بكثير من اهتمامها بأهل البيت وهذا ما تعلمناه جميعاً في الشعر و في الأدب العربي، قصة حاتم الطائي وفرسه مزروعة في وعينا هي وغيرها من القصص الأخرى المشابهة لها، لذلك كان لزاماً علينا نحن المشبعون بفخرنا بهذا التراث أن نؤمّن للضيوف خبزاً لائقاً لا يشبه ذاك الذي نتناوله نحن، هذا التصرف يتسق مع العادات العامة في الأكل في صحون عادية بسيطة والاحتفاظ بأفضلها و أغلاها إلى حين يأتي الضيوف ويظهر أيضاً في الاهتمام العام بجناح استقبال الضيوف على حساب بقية غرف البيت، هو أمرٌ متجذر بقوة داخل وعي مجتماعاتنا ولو أن هذه السلوكيات بدأت تتغير تدريجياً في بعض المناطق، بداية حكاية الخبز السياحي مختلفة تماماً عن نهايتها، إذ تحول الأمر فيما بعد إلى طريقة لبيع الخبز الأبيض غير المدعوم للمواطنين الذين يتشاركون معنا اسم البلد على بطاقة الهوية الشخصية لكنهم يأنفون من مساواتهم بالطعام معنا و فيما بعد عرفنا أنهم يانفون أشياء أخرى كثيرةً غير خبزنا كفاف يومنا، المهم في الأمر أن اسم الخبز السياحي أصبح مرادفاً للخبز الأبيض الجيد الذي لا يشبه خبز العامة، توسع هذا المصطلح فيما بعد ليصل إلى وصف كل أنواع النهب المشروع للطبقة التجارية التي تحولت إلى غول يريد أن يسرق كل شيء، عندما تخرج من منزلك و تمشي بضع أمتار أو بضع عشرات منها باتجاه شاطئ البحر المستولى عليه باسم منشآت سياحية يصبح ثمن ذات زجاجة العصير المصنعة محلياً ضعفين أو أكثر، ألا تشاهد بحر مدينتك؟ أو جبالها، أو أشجارها الخضراء، أو رمال صحاريها، ألم يُسمح لك بالاستمتاع بها؟، إذا أنت سائح و يجب أن تدفع ثمن ذلك غالياً، هنا لم يعد هناك ذاك الفرق بين الخبز الوطني العام و بين الخبز السياحي بل أصبح لذات المنتج هالةٌ أخرى مختلفة مدعومةً بحاجتك للخروج من سجن جدران منزلك وحاجتك لتنفس هواء موطنك، لا يجب أن تكون أية متعةٍ صغيرة بلا أجر، لذلك ستجد من يتقاضى منك أجور أي نشاط إنساني تفعله لتحسد بعدها الطيور التي تحلق في السماء بلا حدود و حواجز والحيوانات التي ترعى فلا سياحة تُفرض عليها في بيئاتها الطبيعية.

محمود و بتحريضٍ من الدكتور رضوان أراد اقتلاع هذا المنظر المشين من تقاطع الطرق هذا المؤدي إلى القرى السياحية، و كاد أن ينجح في مسعاه هذا بعد استصدار أمرٍ من بلدية القرية بإزالة هذا العدوان السافر على الأملاك العامة من قبل مواطنين لا يهمهم الصالح العام و جمالية البلد و قراه الساحرة، قبل تنفيذ أمر إزالة البيت المخالف لشرع القوم السياحي بدأت الاضطرابات في بلدنا، نسي الناس مصالحهم و بدأوا يهتمون بفكرة من سيموت و من سيبقى وكيف ستتطور مجريات الأحداث، وحين سارت الحكاية باتجاه التصعيد العسكري تنفست كثير من الأطراف المختلفة الصعداء فهذا يعفيها من كأس أي تغيير اجتماعي حقيقي له معنى يغير التوازنات الاقتصادية القائمة حالياً، بالرغم من الاختلاف الحاد السائد حول من يحق له الامساك برقبة الآخر و خنقه حين يشاء بقي الاتفاق الاقتصادي على إبقاء الوضع على ما هو عليه سمةً مشتركة حتى بين المتناقضين الجذريين، في هذه الأثناء و في ذروة زهد رضوان و تابعه محمود بالمشاريع السياحية تم سوق غسان أخيه عماد إلى الخدمة العسكرية، غسان فضل أن يبقى مع الجيش النظامي بينما مال عماد للتطوع مع القوات الرديفة، بدا له أن طعام القوات الرديفة أفضل وتعويضاتها أكبر، لم يشأ أن يعيش طوال حياته يأكل الحشائش البرية و الخبز الحاف ثم يموت وهو يأكلها أيضاً، كان مدركاً أن حضور الموت كثيفٌ في كل مكان لذلك ليمت وهو ممتلئ المعدة هذا أفضل بالنسبة له، سكت محمود و رضوان فليس من المعقول أن يتم هدم خُمٍيسكن فيه حماة الوطن و حماتهم أيضاً و خاصةً بعد إرسال محمود ورضوان أولادهم الذكور خارج البلاد بحجة الدراسة، ليس من المعقول أن يموت شيوخ القرية المستقبليين وأولاد الطبيب الماهر في تجارة العقارات وفي أنواع أخرى من التجارة مثلهم مثل بقية الشعب، هم من الطبقة الجديدة التي افتتحها مشروع الخبز السياحي و التي بقيت تكبر و تتعاظم حتى أصبحت طبقةً مستقلةً قائمةً بذاتها ولها ثقافتها المتجذرة في بنية مجتمعنا، أصبح محمود يدعو في كل صلواته العلنية لهؤلاء الجنود القديسين الذين يعيدون كتابة تاريخ المنطقة بدمائهم، وحين توفر التغطية الإعلامية المناسبة كان رضوان يتحرك إنسانياً هو و مجموعة من الفتية الصغار المتحمسين والجيدين جداً للبكاء أو ذرف الدموع لكن ليس للالتحاق بجبهات القتال، يزورون الجرحى ويلتقطون الصور التذكارية معهم لنشرها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام المرئي إن أمكنهم ذلك، هو جهد مشكور من قبلهم حتماً و لو أنه يشبه في تأثيره ما فعل لحم الأعياد الدينية في معدة غسان و أخيه عماد، تلك المرارة الباقية في حلقهم عند محاولة التكيف مرة أخرى مع طعامهم العادي و نسيان حلاوة الاستثناء، في هذا الجو الوطني العام تحول بيت أم غسان الصابرة كما يلقبها إعلام الصفحات الشريفة وفقاً لوصفهم أنفسهم والتي نذرت ولديها للدفاع عن الوطن وربما عن رضوان و محمود أيضاً إلى محجٍ لوسائل الإعلام والجمعيات الوطنية المختلفة التي تجاهدعلى طريقتها باستخدام هواتف محمولة يكفي ثمنها لإطعام عائلة أبو غسان لعام كامل، توقف المشروع السياحي مؤقتاً أمام طغيان مد المشروع الوطني، لكن بقيت صورةُ متجرٍ فاخر التصميم ترواد عقل رضوان دائماً، الأسعار السياحية مغريةٌ جداً لكن ليس هذا وقتها، إنه وقت التضحية من أجل الوطن، من قال أن أم غسان وحدها التي تضحي، رضوان يضحي أيضاً لكن الاعلام لا يلتفت له ليُظهر تضحياته، شعر بالغبن من هذه الحال لكنه قرر أن التضحية بصمت هي السبيل الأفضل لبقاء هذا البلد مرتعاً له ولأفكاره التجارية النشطة للغاية.

عماد، منتسب القوات الرديفة، الأخ الصغير لغسان، والطفل العزيز على قلب أمه الذي أوقف هو و بضعة زملاء له هجوم عشرات الدواعش على نقطته العسكرية و لم يتزحزح من مكانه في حين هرب معظم رفاقه، عماد الذي وقف مقاتلاً حتى خجل الهاربون من أنفسهم وعادوا لمساندته وإنقاذ النقطة التي حافظ عليها مع بعض أبناء التراب من طينته غدرته طلقة قناص في رقبته، ظنت أمه البسيطة أن ابنها محظوظ لنجاته من الموت لكن حين رأته بضع أشهر أمامها مشلول الأطراف تضع الطعام في فمه وتمسح جسده و فضلاته كما كانت تفعل في أول نشأته أيقنت أن الموت ربما ليس بمثل السوء الذي توقعته، لم تكن تعبة أو متذمرة من العناية به، هي ابنة التراب أيضاً و تنبت حتى في شقوق الصخر مثل جميع أشجار هذه البلاد، لكنها خائفة فقط من الموت، من موتها هي، من عجزها، من سيطعمه إن ماتت؟ من سيزيل القذارة عن جوانبه المتقرحة؟، في البداية اهتمت الجمعيات الإنسانية به، أرسلت له حفاضات الكبار و تصوروا مع ابتسامته، ابتسامة المقاتل الذي لم يُهزم هو وأمه الصابرة إلى جانبه، لكن فيما بعد بدأت معونات الحفاضات تنقص و لا تكفي حاجة ابنها وصارت القروح تزداد في جوانب وليدها، لم يكن باستطاعتها شراء الأدوية و الحفاضات له فهذا فوق قدرتها وطاقتها لذلك صارت تنخل الترب من الحقول وتضعه تحته بترتيب يسمح بعدم التصاق الفضلات به، كان عليها الابتكار الدائم من أجل الحفاظ على حياة وليدها، لم يكن هناك راتب يتقاضاه هذا الجريح و يستطيع تأمين جزء من احتياجاته،فقط مجرد تعويض تم صرفه كله على شراء أدوية العاجز ولدها ولقب مجاهديفيده لاحقاً في دخول الجنة لكن لا يفيده الآن في دخول مشفى خاص أو متجر سياحي كالذي ينوي رضوان إقامته لاحقاً فوق التراب الذي يمتص قيح تقرحاته.

أصيب غسان منذ ثلاثة أشهر تقريباً، سقط صاروخ غراد بالقرب من نقطة اجتماعهم لقبض رواتبهم، المنطقة آمنة و بعيدة عن جبهات القتال لكن القدر الذي حماه رصاص الالتحام المباشر رصاص المتحصنين أثناء اقتحامه مواقعهم لم يحمه من شظية تافهة اخترقت أحشاءه بشكل مائل في منطقة تقع تحت سرته بقليل، بقي يعاني لمدة شهرين من عدم قدرته على الأكل وأصيب بهزال شديد وفي النهاية رأت لجنة طبية ضرورة تسريحه ومنحه راتباً تقاعدياً، ربما كانت هذه مكافأته الصغيرة لاختياره الطعام البسيط الذي يتم سرقة نصفه قبل أن يصل إليهم، صفة جريح و متقاعد ربما لن تعطيه بطاقة أفضلية لدخول الجنة مثل أخيه لكنها قد تقيه من حالة مدقعالتي عاشها طوال طفولته، مرةً أخرى يبرز الموت في هذه البلاد كحالة رحيمة مرغوب بها لا كما يصوره الإعلام الغربي المعتوه كملاكٍ بثياب سوداء ومنجلٍ يحصد به الأرواح الخائفة وليس الأرواح المشتاقة للرحيل و الخلاص مما هي فيه.

غسان ذو الجرح، غسان الذي يكبر قلقي مع جرحه الذي ينز قيحاً بين فترة و أخرى، بدأ يتردد على محيط بستاني ليصطاد بعض الطيور الكبيرة الحجم التي تصلح للأكل في الغابة التي تحيط تقريباً بكامل المكان حولي، يجلس غسان عادة على صخرة فوق تلة يفصلها عن الوادي تحتها جدارٌ صخري قائم تقريباً، تخترق الوادي ساقية صغيرة و تكون جافةٌ معظم الوقت يحيط بجوانبها نمو كثيف للقصب يحولها إلى ممرٍ صغير مخفي في متاهة من نباتات القصب، كان يقعد لساعات طويلة يتأمل جمال الأرض الذي لم يفكر به من قبل، لسبب خفي ما يشعر أن كل هذه المساحات له، بقلب الطير وبعقله الذي لا يستطيع تقسيم السماء إلى حدود وأقاليم يتجول بعينيه المتعبتين في المدى لينسى منغصات جرحه الذي يأبى الشفاء التام، يقرأ في جريدة يحملها عن صراع المتة، هذه المادة القادمة من أمريكا اللاتينية و التي أصبحت مشروباً شعبياً في مناطق كثيرة ونحن في حاجة لاستيرادها حتى في زمن الحرب، اكتشف البعض أسعاراً مبالغ بقيمتها لصالح ربح المستورد، بينما المستورد ينفي مثل هذا الربح، و بالرغم من أن غسان لا يتذوقها بفعل كونها ترفاً لا يستطيعه فإنه سعيد بنضال الحكومة من أجل الفقراء الذي لا يستطيعون شرب الويسكي مع المكسرات و يكتفون بشرب المتة، عليه أن لا يشتكي من ألم الجرح و يبتسم للحكومة كما فعل معي حين صدمتُ خطأً جرحه بطرف وعاء بلاستيكي، توقف عن شروده في حرب المتة ليلتفت إلى صوت طريدته تحاول الخروج من الفخ الذي نصبه لها، اليوم سيأكل أبو غسان من لحمها ولن يستطيع التذرع بعدم استساغته لطعمها أمام لهجة ابنه العسكرية الصارمة الآمرة وسيقتنع بفعل ذات اللهجة أن غسان لا يحب هذا النوع من الطرائد، سيأكل العجوز بذاكرة القهر، ليس غبياً ليعرف أن ابنه قد كبر ليقلب الأدوار لكن الاحترام يفرض عليه الانصياع لإرادة غسان كما فعل غسان الصغير سابقاً أمامه.

جاسم

جاسم الطبل، و الطبل لقبه من قبل زملائه الصغار في المدرسة لغبائه و استعداده الدائم للوشاية بهم تقرباً من الأساتذة و إدارة المدرسة، سُعد رفاقه لمغادرته المدرسة وفشل كل الجهود الهائلة لمدرسيه لجعله ينتقل خطوة واحدة إلى صف دراسي أعلى، لكن سعادتهم لم تدم طويلاً إذ عاد كبائع متجول يبيع الحلويات على عربة أمام باب المدرسة، كانت هذه فرصته للانتقام والسخرية من رفاق المدرسة الذين لم يستطيعوا العراك معه نظراً لضخامة جثته وعدم رغبتهم بالحصول على عقوبةٍ من مدرسيهم الذين نصحوهم بالابتعاد عنه و عدم الاحتكاك به. بعد عدة سنوات، استطاع جاسم الاستفادة من مواهبه الجسدية و الفكرية الفريدة وأصبح الذراع اليمين لمحمود في تحقيقاته الناجحة مع المتهمين، لم يكن جاسم ليفكر في الأوامر التي تأتيه من محمود، قام بكل المهمات التي أمره بها دون تذمرٍ أو اعتراض ودون أي سؤال عن نوعية الضحية التي تقع بين يديه: هل هي بريئة؟ أو الأمر برمته مجرد ضغطٍ على الضحية من أجل ابتزازها مادياً، هل الجسد الذي يئن بين يديه هو لمجرم أو هو مجرد مثقف عاثر الحظ وقع خطأً في مصيدة محمود الهمجية بسبب وشاية من شخص يكره هذا الإنسان لسبب ما يتعلق به فقط، بعد سنواتٍ من العمل المستمر تمكن جاسم من تطوير أسلوبه ليصبح أكثر فعلاً و أقل إضراراً بالزبائن الذين يتعامل معهم يومياً، أصبح لجاسم الطبل نفوذٌ كبير يُربك رتباً وظيفية أعلى من رتبة محمود بكثير، لا أهمية للقدم الوظيفي ولا لعدد سنوات ممارسة المهنة في هذه العالم الذي يعيش فيه، لهذا المكان قوانينه الخاصة غير المعلنة، وأما المعلن منها فلا قيمةٌ عملية له ، و هو يفيد فقط في ترتيب الألقاب و في تنظيم أسلوب التخاطب العام و إظهار الاحترام بين الرتب المختلفة وأما الواقع فحكاية آخرى تماماً.

انشق جاسم الطبل في بداية الأزمة لاعتقاده أن الخير أصبح في جهة أخرى وهو لن يبقى أبداً مع الطرف الخاسر، استمع إلى سيل البيانات في الإعلام المرئي التحريضي التي تتحدث عن نسب المكونات الطائفية و العرقية في بلاده وشعر أنه استفاد أخيراً من دروس الرياضيات التي استمع لها في المرحلة الابتدائية، قارن الأرقام ببعضها البعض فقرر أن الوقت قد حان للانتقال إلى الضفة الرابحة، وبعد عدة سنوات من الأزمة، اكتشف الطبل أن دروس الرياضيات و جمع الأعداد وطرحها وضربها لا تنفع في مثل هذه الحالات، ثم بدأ يعي متأخراً مدى حماقته حين اعتمد فقط على الرياضيات التي يكرهها أكثر من نظرة زملائه في المدرسة له، أدرك بعد فوات الأوان أن القواعد الاقتصادية للعبة أهم بكثير من تعلم العمليات الحسابية و نتائج عمليات المقارنة بعد إشارة أكبر وأصغر حين يتم تطبيقها على نسب الطوائف و الأديان، لكن الأوان قد فات الآن لإصلاح كل الأخطاء التي ارتكبها. رغم حماقته الواضحة استطاع جاسم الطبل إيجاد طريقةٍ مواربة لفهم الدرس الذي لم يشرحه له أساتذة مدرسته الابتدائية والذي فاته تعلمه من الحياة نظراً لانشغاله الدائم بصراخ الجثث الحية أمامه والتي لا تترك فرصةً لأصحاب العقول الراجحة كي يفهموا ما يجري حولهم، قرر جاسم في زمن الحرب أن يتعلم لغة التجارة، تلك اللغة التي تجعل أقدام التجار مستقرةً مهما تغيرت الأنظمة السياسية و التي تجعلهم أيضاً قادرين على التعامل مع ضفتين مختلفتين دون دفع غرامات باهظة كالتي دفعها هو وقد يدفع أضعافها في المستقبل القريب، افتتح جاسم الخط الصحراوي للتجارة بالتنسيق مع محمود و الطبيب الماهر رضوان، ثم توسع نشاط هذا الخط ليشمل أشخاصاً أكثر أهمية و ثقلاً في كلا الضفتين لدرجة أن فكرة توقف القتال أصبحت تصيبهم جميعاً بالاكتئاب والإحباط الشديدين، صارت أملاك الطبل الذي اكتشف أن عليه حمايتها بتوسيع نفوذه الاجتماعي و السياسي مقدرةً بملايين الدولارات، بدأ بتجنيد أهل قبيلته و بعض المعجبين الآخرين بنجاحه المهني، حطم النفوذ التقليدي الذي كانت تملكه القيادات العائلية السابقة، وخلال حديثٍ عابرٍ مع محمود أثناء عقد صفقة تجارية اكتشف أن بشرى الحمد تعيش في قريته مع شخص يُدعى أحمد، بشرى المفقودة التي ظنها كل أهل قريتها بما فيهم أهلها أنها ماتت أو على الأقل اختطفت ظهر اليوم أنها مجرد هاربة، تركت زوجها الميت تحت الأنقاض وهربت لتعيش في بيئة مرفوضة دينياً واجتماعياً من قبل بيئتهم، التجارة معهم وتبادل الجثث والمخطوفين والمخدرات و كل ما يمكن أن يخطر في عقل أي مجرم شيء و عدم استعادة هذه الهاربة شيءٌ آخر، هذا هو العار الحقيقي الذي يصيب أي ذكرٍ شرقيٍ عظيم مثله في مقتل لا يمكن تجاهله أو نسيانه، و أما التخريب والقتل والسرقة والخطف والابتزاز وغيرها من أفعال الإجرام فهي أعمال يفتخر بها ذوي القلوب القوية وهي أفعال رجال باعتراف الجميع بل هي موثقة في التاريخ أيضاً على أنها أفعال حميدة، حدّث جاسم محمود بصراحة مطلقة عن واجب استعادتها وموجبات القيام بهذه المخاطرة، بدا محمود متفهماً لكل كلمة يقولها الطبل بل كان مؤيداً صادقاً لها، أي اندماج في الحدود الاجتماعية خطرٌ مؤكدٌ على الجميع، ربما يخرج من رحم هذا الاندماج جيلٌ جديد يقتلعهم هم و ثقافتهم من الجذور لذلك واجب كل شريف وأد هذه المحاولات من بداياتها قبل انتشارها و امتلاكها قوة التغيير. في العاصفة الغبارية التي تمنع رؤية كل شيء حولهما وعلى مقربة من خطوط التماس المشتعلة بالرصاص و القذائف كان محمود و جاسم يتحدثان بهدوء وروية ويتقاسمان مبالغ تجارتهما بالعدل وبإنصافٍ وعدلٍ لا مثيل لهما، لم يكن لأحد منهما أن يفكر في خيانة الآخر أو سرقته حتى لو قطعوا رقبته.

خالد

العقيد خالد، ابن مدينة دير الزور، لم تكن الرمال لتستطيع إعماء بصره وبصيرته، العقيد الفقير الذي يسكن مع عائلته في غرفتين ومطبخ صغير في مدينةٍ تقع في أقصى الغرب بعيداً عن مدينته التي نهشها الحصار والقتال العنيف، لم يفقد خالدقدرته على الرؤية من خلال العواصف الغبارية التي تُعمي عيون معظم زملائه، لطالما شك زملاؤه بإمكان انشقاقه نظراً لتكتمه وصرامته الواضحة في حديثه مع الاخرين ولأنه أيضاً لا يجامل أحد عندما يتعلق الأمر بالعدل والأخلاقيات العامة التي تشكل خطوطها ملامح شخصيته المستقرة، كان يبدو في نظرهم متشدداً متطرفاً في عالمٍ يجب أن يكون فيه الإنسان مرناً بل وفائق المرونة لينجو بنفسه، خالد الملتزم بقناعاته لم يكن متشدداً مع الذين يحقق معهم، استطاع دائماً النفاذ إلى أعماقهم و تقرير هل هو خطأ يتوجب غفرانه؟” “أم إجرام متأصل يتوجب معالجته، بعد مرور سنواتٍ من الحرب لم يستطع أحد الشك بالتزامه العالي بخطوط أخلاقية واضحة ومعلنة أبقته فقيراً وأبقت لأولاده سمعةً طيبة بين رفاقهم الذين لم يعرفوا أبداً ما هي مهنة والدهم وما هي أهمية المكان الذي يشغله، يقرأ العقيد خالد كثيراً، مثقفٌ من طراز رفيع، مغرمٌ بمتابعة المنتديات ومواقع التواصل الاجتماعي في الانترنت فهو يعتبرها كنزاً من المعلومات يجب معالجته و استخلاص ما فيه بدل كبته و منعه، حاول دائماً من خلال موقعه أن يشرح لزملائه شكل العالم المتغير الذي سيواجههم بعد مدة زمنية ليست بالطويلة وأن يقنعهم بوجوب تطوير وتعديل أدواتهم لتناسب المرحلة القادمة، شعر بالفشل أحياناً ورأى في أحيانٍ أخرى أن الإنسان مهما كان دقيق الملاحظة لن يستطيع إدراك وفهم كافة التفاعلات الصغيرة التي تتراكم في بنية المجتمعات والتي لم تعد تعرف الحدود الجغرافية، الحدود مجرد وهمٍ تتبناه الأمم المتحدة بينما الواقع يقول أن هذه الحدود قد انهارت منذ أمد بعيد بفعل تكنولوجيا الاتصالات وأصبحت المجتمعات مكشوفة وصار القتال وجهاً لوجه في حرب شوارعٍ وأزقة، لهذه الحروب قوانين تختلف عن تلك التقليدية التي تنطلق من خلف السواتر والخنادق، لا ينفع هنا الاختباء أو تأجيل المواجهة بل العكس هو الصحيح، الانخراط الباكر بها يمنحك التدريب الكافي وفرصاً متزايد للبقاء و تحقيق انتصارات طويلة الأمد.

تابع خالدبهدوء قضية خطوط التهريب الصحرواية ولم يستطع أحد اختراقه أو الحصول على خلاصة قناعاته و تحقيقاته بفضل كتمانه والتزامه الأخلاقي العميق بمبادئه، محمودوجاسمورضوانكانوا مكشوفين أمامه حتى لو استغلوا العواصف الغبارية في صحراء دير الزور ظناً منهم أنها تستطيع منع عيونه من رؤية ما يجري فوقها وداخل غبارها، خالدٌ الذي يعرف حدود إمكاناته بدقة و يُدرك خطورة الحيتان والوحوش التي يتوجب عليه مجابهتها لم يكن يفكر بتحرك سريع لإيقاف هذا الخط التجاري الصحراوي في ظل فوضى عارمة وفي ظل بعض الاستفادة من وجود هذه الخط، ليس بالطبع من الناحية المادية بل لتسريب مصادر المعلومات وتأمين سلامة عناصره المتخفين في قلب أرض العدو، لا تتشابه في عالم خالدطرق عمله مع أخلاقياته الصارمة، ليست الطرق المستقيمة هي الأفضل بالضرورة بل اتباعها قد يكون أحياناً قاتلاً، خطأ واحد في لعبة الشطرنج التي يلعبها لن يُطيح برأس الملك بل برأسه شخصياً، بشرى الحمدفي خطر كبير وستنتهي أسيرةً عند جاسم الطبل أو في حفرة صغيرة لا يعرفها أحد، لا تعني في عمل خالد الأسماء الفردية شيئاً، كل شيءٍ يبدو صغيراً أمام هدف نجاح العملية الأمنية ونجاة أفرادها أو معظمهم على الأقل، في ظروف الحرب تبدو النجاحات الكاملة ترفاً لا يمكن تحقيقه دوماً، إن لم يكن بالإمكان إنقاذ بشرى فلن يفعل شيئاً يكشف مهمته ويكشف بقية رجاله الذين زرعهم بمهارة فائقة في أماكن خطرةٍ كثيرة بل حتى في جسد أجهزة استخبارات عريقة أخرى تعمل على الأرض السورية حالياً، في الحرب لا قيمة للفرد فهو مجرد بيدق على رقعة شطرنج كبيرة، لا يستطيع خالد” – العسكري الصارم المدرك لما يفعله ولما يستطيع أن يفعل أن يشرح هذه الأمور حتى لأولاده أو لأقرب أقربائه، ربما كان هذا الأمر هو موضوع صراعه الدائم مع نفسه، هل يسير فعلاً في طريق الحق؟ أم يتوهم هذا الحق ليبرر طمعه بالسلطة و القوة، الشك سمة أحياءِ الضمير، لم يكن صارماً مع الآخرين بقدر صرامته مع نفسه لكي لا يضيع كل ما بناه بتأثير إغواء الغرور الإنساني، من كان له مثل ضمير خالديصعب على نفسه أن تهدأ قبل تدقيق كل خطوة يقوم بها.

عملية الاختطاف ستتم بعد أسبوع، تحديداً في عصر يوم الجمعة القادم، سيأتي جاسم متخفياً مع أحد أبناء عمومته، سيتم اختطاف بشرى و نقلها بعد تخديرها إلى فيلا رضوان، وفي المساء ستنطلق بضع شاحنات تنقل بضائع لرضوان باتجاه مدينة تدمر و منها باتجاه مدينة دير الزور، سيكون داخل بضاعة هذه الشاحنات مكان مخفي بعناية يكفي لجاسم وابن عمه و بشرى الحمد، مهمة محمود هي تأمين مرور الشاحنات على الحواجز دون تفتيش دقيق لها حتى تصل إلى نقطة التبادل الصحراوية وبعدها يتولى جاسم ورجاله تأمين المسافة المتبقية، لماذا اختار الطبل القيام بالعملية بنفسه و لم ينتدب لها غيره؟ لا أحد يدري، المنطق يقول أن يُرسل اثنين من عناصر مجموعته ليتجنب خطر بقائه في أرض معادية رأسه مطلوب فيها، لكن أن يأتي هو وابن عمه كاتم أسراره فهذا يعني أن بشرى تعني له شيئاً مهماً، شيءٌ شخصي ربما أو قد تكون معلومات مهمة تملكها بشرى الحمد،هل يخطط للاستفادة من هذه العملية في إظهار نفسه بمنظر بطل مغامر قوي؟ نفى خالد الاحتمال الثاني، حتى عند طبلٍ مثل جاسم لا يمكن للعقل أن ينحدر إلى هذه المرحلة من الغباء، بشرى تعني له أمراً ما يهمه شخصياً وبشكل مباشر، ربما ستكون هذه النقطة مسافة أمان يمكن استغلالها، على الأقل احتمال قتلها الفوري سيصبح ضئيلاً قبل اتمام عملية نقلها إلى الضفة الأخرى.

علي .. يا علي ..أين أنت ..”

احترامي سيدي أنا هنا

الجمعة يا علي … الجمعة بين الظهر والعصر سيتم اختطاف بشرى، حان وقت زيارتك لأحمد، كن حذراً يا علي الأخطاء غير مسموحة هنا، هل ما زلت على رأيك أنه يمكن الاعتماد على أحمد؟

لا يوجد أمر مضمون مائة بالمائة في عملنا ولا في الحياة كلها سيدي.. لا يجب أن يمر جاسمٌ هنا و يخرج سالماً، سيربكهم انكشافه لكن لا يجب أن يشعروا أن هناك أمراً غير طبيعي، حمار وتصرف بمفرده ووقع، سنراقب من يحاول إخراجه من ورطته هذه لنكشف المزيد منهم، لا أعلم مدى إمكانية نجاح مدنيين في مهمة غير مهيئين لها ولا يمكننا أيضاً التواصل معهم بشكل مباشر، لكن هل لدينا خيارات أخرى دون المغامرة بكشف العملية كلها

انطلق فوراً يا علي ..أثق بك

انطلق الرائد علي في مهمته، وفي الطريق إلى القرية كان الأشجار تتالى مبتعدة وراء سيارته ولسبب مجهول ظل اسم جود يرواد عقله، من جود هذا؟ و لماذا لا أستطيع طرد هذا الاسم من عقلي.

علي

عادت بشرى إلى المنزل بعد ثلاث أيامٍ من الغياب، وجهها يُشع نوراً، شهية كما ينبغي بإمرأة غلّفها الفقد، وغلّفها قلقي عليها من قادمات الأيام، هي إمكانُ اليوم في مقابل احتمال استحالة الغد، تذكرت حين تعرينا لأول مرة و بانت ببهاء جسدها الأسمر، بخصرها الأقرب لطبيعة الحياة و ليس إلى منحنيات البرود في جسد عارضات الأزياء، جمالُ الاكتمال في جسد إمراة أربعينية لا يضاهيه أي اكتمال، ذاك الاشتهاء والتوق الكامل في ثناياها، الجسدُ الذي يضجُّ بنبيذ السنوات المعتق يُسكر فعلاً بل ويقتلُ أحياناً من شدة السُكر، يومها.. بانت كل أجزائها كعقابٍ لم ترك حياته بلا ماءِ أنثى، عِقابٌ لمن هجر الحياة طائعاً و لم يسعى إلى رؤية ما عتّقته السنين له، لم يكن فيها جزءٌ لا يستثير شهوة اللمس لذلك بدت حالة عُريِّ أمامها فاضحة، وكم بدا من جمالها حين تبسمتْ لرؤيتها، تمنيت وقتها لو تركتُ كل إرادتي صرعى أمام عينيها، لم أُرِدْ لمشهد العاقل أن يغلفني، أردتُ ذاك السقوط المشترك، ذاك الندم المشترك، اجتناب النظر المشترك في عيون بعضنا البعض لكي لا تفضح ما نخطط له بشكل متزامن، هو حلم العودة إلى تكرار المعصية، تكرارها و تكرارها حتى تفقد معنى الندم ومعنى الخجل، آهٍ يا بشرى لو أستطيع تجاوز تأثير خوفي عليك والاستمتاع على الأقل بعريك أمامي و بهزيمتى أمام جسدك، الخوف يقتلنا يا بشرى، الحرب تقتلنا، الانتظار يقتلنا، يقتلنا العيش بين القواعد المحرمات، أنا وأنت استثناءٌ لا يجب أن يعيش لأنه مغري، ولأنه أيضاً معدي، ولأنه دعوةٌ للمعصية ودعوةٌ لتكرارها، لن يحتمل أحد من الفرقاء وجودنا معنا ولا نحن بقادرين على مغادرة ما دخلناه مختارين بأرواحنا وعقلنا، كيف السبيل إلى إخباركِ بما عرفته، كيف السبيلُ إلى احتمالي فقدان ذلك النور الذي يملأ الآن وجهك كقمر في اكتماله و تمامه.

بشرى ….”

أريدك عاريةً مثل أول ليلة يا بشرى

في كل ناحية قطعة ملابس مرمية، قبل أن نجلس عراةً من كل شيء غير إنسانيتنا، ثم بدأت أقص عليها ما سمعته من ابنة العم سناء.

عليٌالقادمَ المُحمّلَ بالأسرار وباحتمال الخسارة، عليٌالموتُ المؤجل مثله مثل كل المقاتلين على الجبهات، عليٌابن القرية المجاورة لقريتي والذي تربطني به علاقة قرابةٍ بعيدة تتعلق بجد مشترك بين عائلتي و عائلته، عليٌتلك القاعدة التي تحولت في غفلة الحرب إلى استثناء، هو الذي رأى العالمَ يسيرُ بانتظامٍ وأمان وإن كانت فيه بعض الأخطاء الصغيرة فأفاق فجاةً على مقدار فداحة الفاجعة، عليٌالذي يعرف بأعماق قلبه أن كل فظاعات هذه الحرب ما هي إلا تمهيد لحروب قادمة أفظع و أشد دماراً مازال عقله يرفض هذا الاحتمال مع أن كل شيء حوله يشير إليه، مازال يحاول التخفيف من نظرية خالدحول الحرب الحتمية القادمة و حول ضرورة الاستعداد لها، عليٌالذي ينظركل يوم إلى أطفاله رافضاً فكرة أن عليهم حتمية رؤية الفظاعات التي شاهدها، كيف يستطيع تصديق خالدوكل ما فيه يريد تكذيبه من أجل عيون أطفاله ومن أجل كل الدم الذي سال على هذه الأرض وأحرق قلبه و تركه في حالة حزن دائم، خالد و أحمدمتباعدان لا يعرفان بعضهما البعض لكنهما متفقان حول هذه المسالة، خالد يعرفه بفعل العمل المشترك معه وأحمد بفعل متابعة ما يكتبه على صفحات التواصل الاجتماعي، كان علييسير إلى أصعب المهمات التي أداها في حياته، لا شيء خطرٌ فيها سوى مواجهة الذات و مواجهة احتمال أن يكون قد أخطأ تقييم أحمد و بشرى.

جلست بشرى صامتةً بعد أن استمعت إلى كلامي، بقيت كذلك لبضع دقائق قبل أن تتجه نحوي وتباشر فعلاً جنسيا صامتاً لو أردت اختصاره بكلمةٍ لقلت هو غضب، حين يكون الجنس فعلَ تحدٍ وفعلَ غرس الجذور في التربة لمسافات أعمق وأعمق بحيث يبدو بعدها الرحيل صورةَ استحالةٍ حتى مع توفر الإرادة لتنفيذه، وبينما كنت أستعد للغياب وأنظر في عينيها الضائعتين كانت تقول لي بصوت واضح حازم: “ أرسله في داخلي عميقاً، افعل، أريده كما لم يكن من قبل، عميقاً يا أحمد، لن أرحل سوى إلى الموت أو أبقى هنا، أفهمت، أكثر يا احمد، أكثر، أكثر، هذا لا يكفي.. أفهمت؟.. أكثر، و بينما كانت ترتعش فوقي كنت أغيب فوق غيوم وردية ما لبثت أن هطلت رماداً و ملحاً، وفي ظلمتها كنتُ أضع خططي لمقاومة الغزو الحقيقي هذه المرة وأنا ألمس جسدها الندي الذي غمرني كحصارٍ مُطبقٍ على مدينةٍ قديمةٍ ذات أسوار.

صوت طرق خفيف على الباب، من سيأتي في هذا المساء، كانت ما تزال تحاصرني بفخذيها وبجسدها الضاغط فوق صدري، لبسنا ثيابنا بسرعة و نظرتُ من العين الخاصة في الباب، تعرفت على عليو انتزعت مؤقتاً فكرة الخطر القادم مبكراً و دون أي إنذار، بدونا جميعاً مرتبكين بشكل واضح، سألني إن كان باستطاعتي الكلام معه على انفراد وأمام المنزل في البستان راح يُخبرني بتوقيت الهجوم و عدد المهاجمين، لن نستطيع التدخل يا أحمد ..عليك إيجاد طريقتك الخاصة لمقاومتهم ثم إعلامي بصفتي قريبك وأعمل في الأمن، بلاغ رسمي لكن عبر شخص تثق به، لا تحاول أبداً إبلاغ الشرطة المدنية، اتصل بالفرع، اطلبني بالاسم بشكل طبيعي ثم أعلمني بالحادثة واطلب تدخلنا، إن اضطررت لقتلهما لا تتردد، سنجد طريقة للمساعدة لكن حتماً لن نستطيع إلغاء سجنك لفترة، السجن يبقى أهون من الموت أتفهمني يا أحمد؟ كيف تقاوم؟ و كيف تستطيع ردعهم؟ الأمر متروك لك و لتقديرك، لن نستطيع حمايتك ولن نكون حتى قربك، لا نريد أي كشف لعملنا، أمرٌ آخر: حتى لو تعرضت لضغطٍ أو تعذيب عليك أن تبتكر قصصك التي سترويها دون التطرق لتسريبنا أية معلومات إليك، أنا قريبك فقط وأنت لا تعرفني إلا بهذه الصورة، لا شيء آخرهل فهمت يا أحمد؟

أشرت برأسي بالموافقة و بقيت صامتاً، غادر عليبسرعة، شعرت بقلقه، لكن لم أكن أنا لأخفي قلقي أيضاً، كيف أقاوم هؤلاء الوحوش وأنا لم أستخدم سابقاً سوى القلم و ربما بندقية الصيد لقتل أفعى لم أستطع اخراجهما من المنزل إلا ممزقة ولو استطعت إخراجها ما قتلتها.

حضّرت طلقات كافية لبندقية الصيد، ستكون فعالة للغاية إن استخدمتها من مسافة قريبة، لكن هذا هو الحل الأخير الذي سألجأ إليه، لا أريد ترك بشرى وحدها والذهاب للسجن بتهمة القتل أخشى عليها في غيابي من هجومٍ آخر. لن تكون أرض معركتنا هنا يا بشرى في هذا المنزل، نحن الذين يجب أن نختار مكانها لا هم، مكانها وأيضاً توقيتها، هما اثنان لا غير، مسلحين، هل تعرفين الطريق إلى ممر القصب؟ .. على يمين الصخرة العالية التي يجلس عليها غسان ليرتاح يوجد ممر ترابي شديد الانحدار هو الطريق الوحيد للوصول إلى الساقية الجافة، الممر مغطى تقريباً بأنواع مختلفة من النباتات البرية و الشجيرات المتشابكة، رطبٌ و يُشعر من في يمر منه أنه داخل متاهة خطرة، يجب أن تحفظي كل تشعباته لكي تتحركي فيها بحرية و بثقة، تذكري الأفاعي لا تخيف و لو فرضاً تلقيت لدغة منها سيكون لدينا وقت بضع ساعات حتى لو لدغك أشدها سمية، المهم أن نصطاد هذين الوحشين و نُخبر عنهما، احدهما مطلوب أمنياً وهذا سيساعدنا، إن شعرت بخطرٍ شديد سأقتلهما مضطراً، لن يكون أمامي سبيل آخر.

باشرنا العمل في اليوم التالي، تعرفتْ بشرى على كافة أجزاء المكان وطرق الهروب ومكامن الاختباء، ثم بدأنا في المرحلة التالية التفكير في نوعية الأفخاخ التي يمكن استخدامها، الطريق إلى الساقية الجافة ضيق بالكاد يتسع لمرور شخص واحد وهو شديد الانحدار ولو زُلّت قدمك وسقطت لن تتوقف قبل الوصول إلى آخره، خطورته تكمن أن يمينه ينكشف على منحدر آخر فيه نمو كثيف للقصب و النباتات الشائكة، أما يساره فهو منحدرات صخرية قاسية تصل إلى أعلى التلة، تحديداً إلى الصخرة التي تستهوي غسان و يجلس فوقها في ساعات تأمله، وضعنا في منتصف المنحدر فخاً معدنياً من قياسٍ كبير وبعده كانت مسافةُ أمانٍ صغير ثم كرياتٍ زجاجية فوق الفخ و الكريات نثرنا كميةً كبيرة من أوراق الأشجار لتغطيتهما، في مسار السقوط المتوقع وضعنا أسلاكاً شائكة ملفوفة على شكل حلزون كبير غطيناه بنباتات شائكة لا تقل عنه سوءاً لكنها تخفي لونه المعدن،ثم جهزنا أسلاكاً فولاذية مرتبطة بثلاث أكوام كبيرة من الحجارة والأخشابب المعلقة على صخور الجانب الأيسر، أي تعثر بها سيطلق كومة الأخشاب والحجارة بحيث لا يستطيع من يتعثر استعادة توازنه قبل اكتمال سقوطه حتى نهاية المنحدر، كومة واحدة تنطلق تلقائياً عند تعثر قدم المهاجم بالأسلاك المرتبطة لها و أما الكومتين الباقيتين فهما مرتبطتين بسلكين ينتهيان إلى مكان اختبائي خلف صخرة قريبة من منتصف طريق المنحدر، المهاجم الأول سيقع ويحذر الثاني الذي سيحاول الترجع إلى الوراء عندها سيكون أمامي فرصة إطلاق كومتين من الحجارة والأخشاب فوقه قبل أن أضطر لاستخدام بندقيتي في حال لم تنجح خطتي، لم أكن أريد قتلهما، أريدهما أحياء مع توضيح فرق السلاح بيننا، حضرّنا أيضاً أوعيةً فيها كميات ضخمة من البنزين لإحراق المنطقة في حال الضرورة و فشل الأفخاح التي وضعناها، بقيت بشرى تتدرب على تجاوز الأفخاح أثناء هبوطها المنحدر، وضعنا نقاط تثبيت للأقدام في مواضع مختارة لكي لا تنزلق قدمها صدفة فتصبح هي الضحية بدلاً من مهاجميها، كل ما فعلناه هنا هو من ابتكارنا، لم نكن نعلم إن كانت ستنجح كل هذه التجهيزات، بتنا نعرف لأول مرة شعورالجنود وهم يدرسون خطة الهجوم على تحصينات العدو قبل يومٍ من بدئه.

بشرى

خرجنا إلى الحقول في صباح يوم الجمعة، نظرتُ في عينيها وكأني أراهما للمرة الأولى، لم تكن تلك الأنثى الرقيقة التي عرفتها في حواراتنا الطويلة وفي لمسة الجسد الذي انتزعت أماني وألقتني في دوامات الأسئلة التي لا تنتهي، رأيتُ في وجهها كل غضب السنوات الماضية وقد أفرج عنه تساوي احتمالات الموت والحياة، لم نعد نخشى إظهار غضبنا وعطشنا للانتقام ممن قطع كل هذه المسافة ليؤذي حياتنا البسيطة بأحقاده التي لا تنتهي، إظهار رغبة الجسد كان أسهل علينا من اكتشافنا الجديد للإجرام الهاجع في نفوسنا، توجد لذةٌ خفية في إطلاق العنان لآخر أنواع عرينا، رمي آخر الأثواب التي نتستر بها، ثوب السلام وثوب التمدن و التحضر، أجملُ الجنس ما كان بدائياً وأجمل المقاومة ما كان منها وحشيا قادراً على صد الخطر عن حياتنا وعن حياة أحبائنا وأطفالنا، اليوم بت أفهم منشورات الجنود التي وجدتها في وقتٍ سابقٍ متطرفة، لا يعني ما نعيشه في هذه اللحظة أن هذا هو السلوك الدائم الصحيح بل هو فن التوحش في لحظة الحرب، وفن القدرة على العودة إلى التمدن حين انتهائها، كان مقتلنا في المرحلة الماضية أن جزءاً من المجتمع استخدم توحشه داخل بلده بدلاً من استخدامه ضد أعدائها، ومن ادّعى إرادة تغيير هذا الواقع قام بذات الفعل، بل فاق من قام ضدهم باستخدام التوحش المنفلت من عقاله ضد أهل بلده، اليوم ننخرط أنا و بشرى مكرهين في هذه الحرب الأهلية، ألسنا نخطط اليوم لردع مجرمين لا يستهدفون أمراً شخصياً بنا بل أمراً عاماً اجتماعياً و دينياً، يصعب على من يسير في هذا المستنقع تجنب الخروج منه دون بعض العلقات تمص دمه.

تأكدنا في وقت الظهيرة من سلامة الأفخاخ وتمويها، وزعتُ عبوات الوقود في أماكن نستطيع أنا و بشرى الوصول بسرعةٍ إليها و وضعنا إلى جانبها أدوات إشعالها، بقينا نجوب الحقول بعيداً عن الأعين حتى الساعة الرابعة بعد الظهر عندها وصلنا اتصال من ابن العم سعيد: “محمود يسأل عنك، ذهب إلى بيتك و لم يجدك، أخبرتُ سعيداً أني في الحقل أقوم ببعض الأعمال و سألحق ببشرى بعد ساعةٍ من الآن إلى الغابة المجاورة حيث تقوم وحيدة بجمع بعض الأعشاب البرية وعند عودتنا إلى المنزل يستطيع محمود زيارتنا لو أراد، أغلق سعيد الهاتف وقال أنه سيخبره بذلك، أطفأنا هواتفنا النقالة، لا نريد لأي صوت أن يفضح مواقعنا ثم انتظرنا قدوم أصدقاء محمود.

زودني عليبصورة جاسم عندما زارني وأما الآخر فمجهول بالنسبة لي، خشيت أن يأتي مساعده أولاً أو أن لا يأتيا معاً فننكشف أمام من لا نعرفه لذلك اختبأت خلف الصخرة التي سأشرف منها على المنحدر بينما وقفت بشرى في بداية الطريق إليه مرتدية حذاءاً يشبه الأحذية العسكرية و يضمن عدم انزلاقها على أرض المنحدر الخطر، وفقاً لتوقعات علياحتمال استخدام المهاجمين سلاهم ضد بشرى منخفض للغاية أما احتمال استخدامه ضدي فهو عالي إن تنبهوا لوجودي معها، بدا جاسم مغروراً وواثقاً من نفسه و هو يتقدم برفقة ابن عمه باتجاه بشرى، مشت بشرى بشكل طبيعي نحو بداية المنحدر، لم يكن في أيديهما سلاح ظاهر، توقف محمدابن عم جاسم تحت شجرة برتقالٍ ضخمة بينما انحدر جاسم وراء بشرى في المنحدر، تجازت بشرى بحركتين سريعتين الفخ الأول و منطقة الكرات الزجاجية معتمدة على نقاط التثبيت عندما أحست بأن المسافة بينهما لم تعد تتجاوز بضعة أمتار، قفز جاسم وراءها، بدا رشيقاً رغم ضخامة جثته وحذائه العادي الذي لا يصلح لهذه الأماكن، وضع قدمه على طرف الفخ فشعر أن الأمر هنا ليس كما يبدو، سحب قدمه بسرعة مطرقاً رأسه نحو الأرض ليعرف ماذا يوجد تحت قدمه، لم تمهله القدم الثانية التي وضعها على الكريات فاختل توازنه و سقط مطلقاً كومة الحجارة و الأخشاب التي انحدرت فوق الصخر بسرعة كبيرة ليهوي و هي فوقه بين الأسلاك الشائكة، صرخ كثور وهو ينحدر إلى الأسفل بسرعة ثم سقط من فوق صخرة مرتفعة ليقع على أخرى، صرخ مرة أخرى من الألم الحاد في يده اليمنى التي حاول سند جسده بها ، كُسرت وخرجت شظية العظم المكسور خارج جلده، لم تتوقع بشرى أن يهوي هذا الضخم بمثل هذا الشكل الأخرق وبمثل هذه السرعة لذلك قفزت إلى الجانب الأيسر في شق صخري كي تتفادى الاصطدام به لتكتشف لاحقاً أنها أصبحت في منتصف المسافة بين جاسم و محمد الذي ظهر أعلى المنحدر عندما سمع صراخ ابن عمه، كان على بشرى الانحدار بسرعة لتدخل بين ممرات القصب فيتقدم محمدالأمتار القليلة المتبقية لتسنح لي فرصة إطلاق الحجارة فوقه أو إطلاق النار عليه إن لم ينجح فخ الحجارة، بشرى التي خافت من رؤية المسدس في يد محمد ومن صراخ جاسم أسفل المنحدر قررت صعود الشق الصخري نحو الأعلى، شعرتُ بدوار في رأسي، سيصيدك بسهولة يا بشرى، كان عليك أن تكملي المسافة نحو الأسفل، لن يستطيع جاسم أذيتك، تسلقت بشرى الصخور بسرعة وبدل أن يكمل محمدطريقه نزولاً ليلحق بها قرر العودة و ملاقاتها في الأعلى، أطلقت كومة الحجارة الثانية لأضمن سقوطها فوق جاسم لكي تعيقه عن الحراك وقفزت بسرعة وراءها متسلقاً الشق الصخري، لدي فرصة اصطياده إن تمكنت من الوصول قبله، وقفت بشرى على طرف الصخرة وخلفها وقف الجدار الصخري الشاهق وإلى جانبها غسانبجسده النحيل و جرحه الذي لا يبدو أنه سيشفى، تقدم محمدإليهما شاهراً سلاحه في وجهيهما، أمرمحمد” “غسانبالابتعاد ووعده بعدم أذيته إذا وقف بعيداً ولم يتدخل، لم يكن لديهما مكان يستطيعان الاحتماء به أو الهروب سوى القفز من فوق الصخرة والموت أسفل المنحدر، أصبح محمدفي على بعد بضع أمتار من مكان وجودي، هذه المسافة قاتلة لن أتركه ينجو، سأستخدم الطلقتين لأقتله، يجب علي أن أكون سريعاً لأنه حال تصويبي نحوه ستجذب انتباهه حركتي وسأبدو مكشوفاً أمامه، قلبي يدق بعنف، ليس لدي سوى هذه الفرصة ولن يكون لي غيرها، نهضت من بين الصخورأحاول تثبيت قدماي فواق انحدارها الشديد وبينما كانت سبطانة بندقية الصيد تستوي وتتوجه نحوه كان هو يدور بجسده إلى اليسار مندفعاً إلى الأمام ليتفادى تصويب سلاحي إليه ولكي يتمكن من توجيه نار سلاحه إلى مكان وجودي، تحركت اصبعي على الزناد، الفرق بين حركتي وحركته لحظة، انطلقت طلقة بندقية الصيد لكنها لم تصبه لأنه كان يميل مع جسد غسانقبل أن يهويان متجهين نحو الصخور في الأسفل ليتحطما فوقها، خرجت من مكاني بسرعة وجذبت بشرى بسرعة بعيداً عن حافة الصخرة، نظرت إلى الأسفل لأرى الاثنين دون حراك، من المستحيل نجاة أي شخص من سقطة بمثل هذا الارتفاع، عرف غسانوجه محمد، كانا على حاجزين متقابلين في ضفتين مختلفتين، ما الذي أتى بهذا الكائن إلى قريته، إلى صخرته، إلى هذه المساحات الذي امتلكتها روحه، إلى طرائده، إلى الهواء الذي تتنفسه أمه و أخيه نصف الميت، إلى هذه الرقيقة بشرى التي لم تتركه لوحده في محنته، جذبه من ظهره ممسكاً بقميصه ملقيا بكامل جسده للوراء في الفراغ لكي يضمن عدم الدخول في عراك معه وهو الجريح الضعيف الذي لن يستطيع مصارعته، لم يشعر محمد بنفسه إلا وهو في الهواء وصورة وجه بشرى تبتعد عنه بسرعة، لم يكن لديه الوقت ليدرك ما حصل على العكس من غسان الذي يعرف بدقة إلى أين سيصل، أخيراً سيتخلص من آلام جرحه ومن تلك الرائحة الكريهة التي تنبعث منه بشكل دائم، أخيراً سينام ويرتاح دون جوع ودون ألم ودون متابعةٍ لإنجاز المسؤولين الذين يحاربون طواحين الهواء من أجل إسعاده هو وجحافل الفقراء مثله، لقد أراحهم من همه و همِّ السهر على راحته، ماذا يستطيع مواطنٌ صالحٌ مثله أن يفعل أكثر من هذا ليكونوا سعداء و مرتاحين في حياتهم، لأول مرة رأى الألم الذي يشعر به كمعبر إلى الضوء، سيحمل صورة بشرى بين جفنيه إلى العالم الآخر الذي يؤمن به، و سيعود إلى هذه الحقول مرة أخرى، سيتحدث في صغره عن سيدة اسمها بشرى أتت من منطقة بعيدة وتزوجت من شخص اسمه أحمديسكن في منزلٍ على طرف غابة، سيظن البعض أنه يتخيل هذه الأحداث وسيسأل البعض الآخر عنها ليعرفوا أن القصة حقيقية. هل سيجوع مرةً أخرى في الحياة القادمة؟، شعر بانقباض في صدره من هذه الفكرة قبل أن يتمسك بوجه بشرى فينتشر النور في صدره في انفجار سريع قبل أن يغرق عقله في ظلام دائم و أبدي.

***

*

مرت الآن على محاولة اختطاف بشرى عشر سنوات، توقفت الحرب بعد تحول كثير من المدن و القرى إلى خراب، مات عليبعد عام من زيارته لي، ساعدني هو والعقيد خالد في التحقيقات، لكن اضطررت إلى اقحام اسم سناء فيها، قلت الصدق في كل ما يتعلق بالمواجهة التي دارت بيني وبين جاسم وابن عمه، الكذبة الوحيدة كانت قولي أن سناء علمت بموعد الهجوم عندما سمعت محمود يتحدث في الهاتف، ساعدتني سناء في هذه المسألة عبر تأكيدها أنها سمعت من محمود موعد الهجوم، تم إلقاء القبض على جاسم الذي كان يعاني من كسور في يديه و في ساقه، ظل في المشفى لمدة شهرين قبل أن يموت بأزمة قلبية مفاجأة وغير متوقعة بعداستقرار حالته الصحية، أما عليفقد مات أثناء قيامه بمهمة في ريف حلب الشرقي، انتشرت إشاعات بين أهله أن هناك من كان يحاول التخلص منه لكن خالدالذي التقيته في مناسبتين مختلفتين أكد أن موته كان في ساحة حرب ولا يوجد ما يثير الشبهات حول اغتيال من نوع خاص.

تعرض رضوان لحادث سير مروع، مات على الفور هو وسائقه بعد اعتقال جاسم الطبل بشهرين تقريباً، أما محمود فقد تخلى فجأة عن قراره بخلافة شيخ القرية، و انكفأ ليعيش داخل منزله لأسباب بقيت مجهولة للجميع، نسي الناس محموداًبعد فترة من الزمن، لم يعد يذكره أحد وخاصة أن حجم التغيير في القرية كان أكبر مما قد يستوعبه عقله، كما أن موت رضوان بهذه الطريقة جعله يعاني رهاب استخدام وسائط النقل الخاصة ورهاب الخروج من المنزل إلا في حال الضرورة القصوى.

تزوجتُ أنا وبشرى بعد خمس سنوات من الحادثة، هدأت أعمال العنف و تم إثبات وفاة زوجها رسمياً و بالتالي صار بإمكاني تسجيل علاقتي بها في المحكمة، لم يكن يعنينا هذا الإجراء القانوني وكنا نفضل أنا وهي الابتعاد عنه، لكن حصار قوانيننا لا يرحم في مثل هذه المسائل إضافة إلى الحصار الشعبي لهذه الحالة، يكفيهم مرونةً أنهم صمتوا ولم يعودوا يتحدثون عن اختلاف بيئتينا في سهراتهم و زياراتهم و اجتمعاتهم في المناسبات الاجتماعية.

أكملت سناء حياتها مع سعيد، تصالحت مع فكرة ثباته على نمط حياته التقليدي وأصبحت ضيفاً غالياً على قلوبنا أنا و بشرى، اعتدنا على وجودها كل أسبوع لساعة أو ساعتين، تحولت سناء إلى قارئة نهمة وكأن عليها أن تعوض كل ما فاتها من المعرفة خلال سنوات عمرها.

التقيت خالداً في إحدى الأمسيات الأدبية بعد ثلاث سنوات من الهجوم الذي استهدفنا، بدا أكثر قلقاً من الغد و خاصة مع بطئ التحولات على أرض الواقع، ما زال على إصراره أن الحرب القادمة ستكون أشد من تلك التي عشناها و خاصة أنه لم يتم معالجة فعالة لأسباب السابقة بحيث يمنع تكرارها.

وضعتُ منحوتتي الأولى لغسان فوق الصخرة التي كان يجلس فوقها بانتظام، ثم تتالت منحوتاتي التي تمثل بشرى، تركت بعضها في المنزل و دفنت بعضها في أماكن مختلفة من المناطق المحيطة بنا، أردت أن أترك أثراً خاصاً لي و لها، عرفت بشرى بأمر التماثيل المدفونة مؤخراً، ابتسمت وأكملت عملها و حياتها دون تعليق على ما أفعل، بقينا ننام في غرفتين منفصلتين، لم يتغير في حياتنا شيء بعد إعلان الزواج، كنت أحياناً أزورأبو الياسلاقتناء بعض الجرار لكن هذه الزيارات أصبحت متباعدة الآن، أما زياراتي له للاستفادة من خبرته في تصنيف طين هذه الأرض فكانت في ازدياد، لم أستطع أبداً نحت شيء خاصٍ بجود، لم أجد طيناً أو حجراً قادراً على استيعاب ذاكرتي عنه.

بعد الحريق الكبير في هذه البلاد فقدنا الكثير من أشجارنا العالية، كثير من مساحات الغابات أصبحت الآن اراضي جرداء فيها جذوع أشجار بُترت لكي يبيع أهل هذه البلاد الفحم للآراكيل، أحرقوا الغابات من أجل أن يجلسوا في المقاهي بلا عمل، بدأت نباتات جديدة تشق طريقها نحو النور من بين الأشجار المقطوعة، وجدت أمامها فرصة جديدة لم تكن تملكها في ظل القامات السابقة العالية، لن يعود للغابة شكلها السابق، لكنها ستعود حتماً إلى الاخضرار بشكل جديد.

مازال جيل الثوابت القديم يدافع عن انجازاته في المراحل السابقة للحرب، يتحدث عن بطولاته، و يقارن أسعار المواد الغذائية قبل وبعد، يتحدث عن الأخلاق المفقودة في عالم ما بعد الحرب و يذم أولئك الذين يظهرون الآن في المجتمع، مشاغبين وفوضويين ولا يملكون ثوابت مثلهم، مازالوا يرفضون مسؤوليتهم عن الحرب وعن الدمار الذي وقع في هذه البلاد، و أما جيل ما بعد الحرب فمنقسم بين من يحلل استخدام كل أنواع الفساد و بين من يسخر من انجازات الماضي العظيمة ويريد حياة جديدة على أسس مختلفة جذرياً عن سابقاتها التي أوصلت البلاد إلى الجوع والافلاس، انتهت نشوة النصر وبقي الخراب المعمم، مازالت أحلام البناء تتعثر ببطئ التحولات الاقتصادية المطلوبة لكي تنهض هذه البلاد من كبوتها، العالم لم يهدأ حولنا والمنطقة تستعد لانفجارات جديدة لن تكون داخل بلادنا لكننا لن نستطيع بالتأكيد تجنب كل آثارها.

اختفت أسماء و ظهرت أسماء جديدة، فرح بعض الناس وأما بعضهم الآخر فقد أصابه الاكتئاب الشديد، لكن معظم الناس بقيوا غير مبالين أو مهتمين بهذه التغيرات، مازال الواقع كما ولم يتغير كثيراً، ومازالت القبضة الاقتصادية الخانقة هي أساس مشكلة الناس، هناك خيبة عامة تتراكم ولا تجد لها تصريفاً و هذا الأمر يُقلق خالدكثيراً، كانت هذه القضية محور الحوار القصير في لقائنا الثاني، معركةٌ خفية بلا صوت تحدث في بنية مجتمعنا، هذه المرة لا يوجد دمار للحجر لكن هناك دمار نفسي شديد، كثير من الأطراف محبطة و منهكة من انعدام فرص التغيير، لم نعد نريد انقلابات أو ثورات لأنها لن تصل إلى أي مكان، لكن مع بقاء هذه الحال على ما هي عليه لن يستطيع خالد ومن يشبهه في الفكر قادرين على ضبط الأوضاع وإيجاد آليات التوازن بين القوى المتناقضة، بدا خالد في لقائنا الثاني أكبر من عمره بعشر سنين لكنه لم يستسلم بعد.

بشرى الحمدالتي ابتدات بها حكايتي بقيت تتالق بالذكاء الذي لا يهدأ ولا يتوقف، و كلما تقدمت بالعمر بدا جسدها أجمل و بدت شهية أكثر، كانت تقودني دائماً إلى مساحات مظلمة في نفسي، في كل حوار بيننا كان لنا موعد مع عريٍّ جديد لم نعرفه من قبل، لا شيء في العالم أجمل من عينين تتألقان باحتمالات تتغير باستمرار، بقيتُ على حالي أتجنب إخبارها ما أفكر به نحوها، وبقيت هي قادرة على التقاط هذا الأمر في عيوني والابتسام وهي ترى محاولة هروبي و اختبائي من انكشافي هذا.

انتهت

الجمعة 3-11-2017

اللاذقية سوريا

نُشِرت في أدب و شعر, الجميع | الوسوم: | أضف تعليق

تطرف

سيبقى التطرف طويلاً في المنطقة في ظل عدم وجود بديل أخلاقي و سياسي يملأ الفراغ الموجود فيها و يعاكس تأثير الوعود التي تنشرها التيارات المتبنية للتطرف، من يأمل أن هذا الالتهاب سيمنح الجسد الشرقي مناعة ضد هذا المرض هو واهم، الأمر أشبه بشوكة كبيرة تحت الجلد، ستظل في حالة التهاب و قيح حتى يخرج السبب من تحت الجلد، و السبب احتلال اقتصادي سافر من قبل الدول المهيمنة على العالم و عجز النخب الحاكمة في المنطقة عن التخفيف من حجم النزيف الاقتصادي و تحويل الدولة من حالة عجز إلى حالة انتصار”الصين مثالاً”، نخب المنطقة لا تريد سوى مصالحها و عبر الفساد يتكاتف قهر الاستعمار الاقتصادي مع قهر الداخل في مجتمعاتنا الشرقية لينتج حالة دائمة من الغضب و انعدام الأمل، و هذين الأخيرين هما الوقود النووي الذي يصلح لصنع أسلحة الدمار الشامل التي تنفجر بشعوبها بدل أن تنفجر بوجه الأعداء.

نُشِرت في الجميع, سياسة | أضف تعليق

كيف أخطأ السوريون باستعمال وسائط التواصل الاجتماعي في إعادة انتاج التطرف؟

لا توجد أخطاء في استخدام وسائط التواصل الاجتماعي، لا توجد أخطاء في مرآة تعكس صورة الإنسان كما هي، الخطأ في مكان آخر تماماً في الإنسان نفسه، و في آليات الكبت التي منعت إظهار الصورة الحقيقية و منعت ظهور أعراض المرض فاستفحل و التهب و تسرطن قبل إمكان اكتشافه بشكل مبكر له فكان قاتلاً أو شبه قاتل، السوريون استخدموا وسائط التواصل الاجتماعي بعد طول حرمان من التعبير عن أنفسهم، يظن البعض أن الطعام يكفي لكي يعيش الإنسان، لكن الحقيقة أن منع الانسان من التعبير وتبادل الأفكار قاتل و خطير بالنسبة للجنس البشري، مواقع التواصل الاجتماعي خطوة إنسانية مهمة و صحية للغاية كما كانت الطباعة من قبل و كما كان اختراع اللغة قبلها، و بالتالي جوابي هو: لم يخطأ السوريون أبداً في استخدام وسائط التواصل الاجتماعي لأنه لم يكن هناك إعادة انتاج للتطرف بل الأمر كان محصوراً بكشف الغطاء عنه و ربما كان لتأثير وسائط التواصل الاجتماعي دورٌ في تخفيف وطأة الأمر عبر نقل الصورة الحقيقية لتطرف الجميع و بالتالي إظهار المرض و تنشيط الخلايا المجتمعية التي ستتولى مهمة مقارعته في المستقبل، المجتمعات البشرية تعمل بشكل عام كما يعمل الجسم البشري، هناك خلايا فدائية بيضاء تهاجم الخلايا التي تخرج عن نسق المحافظة على الحياة.

في عام 2006 كنت من رواد المنتديات الجهادية مراقباً بالطبع و لست مقتنعاً و كان من الواضح أن كرة الثلج تكبر ولا يوجد من يستطيع ردعها فكرياً و باستثناء الردع العسكري غير الفعال لا يوجد أنواع أخرى من الردع تعمل ضدها، هناك فراغ كبير في الشرق، فراغ فكري ناتج عن إفلاس النخب السياسية و الثقافية و الاقتصادية الحاكمة، و يوجد فقر و جوع و بطالة و من الطبيعي أن تستطيع التيارات العدمية إمتصاص كافة طاقة الغضب البشري المتراكم و توجيهها في مسارات انتحارية، هذا أيضاً صحيح على مستوى الكيان الفردي البشري، إذاً : أي وسيلة تواصل الكتروني كانت مفيدة لتعرية الواقع و ليس لإعادة انتاج التطرف، التطرف كان و لا زال موجوداً منذ آلاف السنوات و التاريخ مليء بشواهد أكثر عنفاً و همجية مما نعيشه الآن.

يستخدم السوريون ,وسائط التواصل بشكل طبيعي، و لو أن البداية كانت عبارة عن تدفق قاسي للغاية كسدٍّ انفجر ماؤه بعد طول احتباس، اليوم كل السواقي عادت إلى غزارتها الطبيعة لكن المميز أن نخباً جديدة بدأت بالتكون في المجتمع السوري، وبدأ توالد عُقد ثقة و ارتباط مختلفة التوجهات و المشارب و هذا يعني نشوء تيارات جديدة في المستقبل المنظور، بالتأكيد لن يكون المشهد العام وردياً بل سيكون صراعاً أو مجموعة صراعات متتالية خطرة للغاية لكن ربما هذا هو الشرط الضروري لمحاولة إنقاذ المجتمع لنفسه، هذه استجابات حرجة يقوم بها الجسد في حال غزو مرض خطير و قاتل، قد تكون خطورة الاستجابة أكثر من خطورة المرض نفسه لكن لا يبدو أن هناك حلول أقل جذرية و قسوة في المدى المنظور.

نُشِرت في الجميع, سياسة | أضف تعليق