الرجل الذي مات واقفاً

45530_479640438770602_30311327_n

حين كان المسيح الخاص بقبيلتنا مصلوباً في زاوية نائية يتلو صلواته لم يكن أحد حوله، و لم يقترب أحد منه أيضاً، ليس خوفاً كما يتوقع البعض بل مجرد عدمِ اهتمام، و لأن معظم أفراد القبيلة على عجلة من أمرهم و ليس لديهم الوقت الكافي لملاحظة وجود ذلك الذي يئن في الزاوية وحيداً. كان يرتدي قميصاً بسيطاً بلون التراب من صنع يديه فوق بنطال حاكه بنفسه، القميص يكشف جزءاً من صدر مغطى بأشعار متوسطة الكثافة لكنها ترسم دروباً محددة بدقة، شعره قصير و جسمه يمتلك بنية رياضية لكن دون عضلات بارزة، مد يديه طوعاً على امتداد الجزء الأفقي من الصليب و وقف هناك باختياره و لم يتزحزح من مكانه طيلة سنوات، لم يكن هناك مسامير و دم و حرّاس و ملكٌ واقعي آثر الاستماع لرأي القطيع فقتل الأخلاقي و أطلق اللص، لم يكن هنا أيّ من كل هذا، كان هناك فقط قبيلةٌ مشغولةٌ بالبحث عن رفاهيتها و أشيائها الجاهزة، بدءاً من ثيابها التي تأتي وفق أحدث التصاميم العالمية إلى الأزواج و الزوجات التي يجب أن يكونوا هُم أيضاً وفق هذه المواصفات أو ما يسمى (الموضة) التي يجب أن يتبعها كل أفراد القبيلة لكي يشعروا أنهم عصريون و أصحاب حضارة و رفعة  و تميّز، وحده هذا الذي صَلب نفسه بنفسه طوعاً كان يصنع لباسه و يزرع غذائه بل و يصنع أفكاره أيضاً لذلك كان مصيره تلك الخشبة، لقد تطور المجتمع و لم يعد الشعب بحاجة لملكٍ ظالمٍ يُلقي عليه مسؤولية أفعاله و قراراته الشنيعة، لقد نضج الناس و تخلّوا عن طفولتهم و صار بإمكانهم صلب المسيح حتى من دون مسامير، و هذا تطور علمي مهم يتماشى مع (الموضة) التي يقررها عادة كائن مجهول لا نعرف من هو لكننا نلتزم بقراراته دون أن يضطر لدق المسامير في أيدي و أرجل بعضنا لكي نخاف و نلتزم بمشيئته.

كان وجود هذا الشخص مزعجاً جداً لمعظم الناس، و أما البقية فكانوا لا يرتاحون له، ليس لديهم شيء ضده لكن ملابسه البسيطة تزعجهم، فيها جزء من الجمال يؤرقهم و مع ذلك هي بعيدة عن (الموضة) ولا تناسب مظهر مجتمعهم العصري الذي يعتزون به إلى أبعد حد، لم يتزوج ليس لأنه رافض للزواج كما يُشاع عنه، بل لأنه لم يجد من يقتنع بحياته البسيطة. كثيراتٌ هنّ من اقتربن منه شغفاً بتلك الظلال التي يثيرها بقوة في أنفسهن، و بعضهن أحببنه بصدق نادر أيضاً، لكن شيئاً ما كان يحدث في اللحظة الأخيرة، نوع من الغرابة يتولّد بين الوجهين – وجهه و وجهها-، كان يراقب بدقة ملامحها ” قرينتهُ المُفترضة ”  يبدأ الأمر بشيء من الألم و النزق، و ينتهي بضياع الملامح و العيون التي لا تستقر على مشهد أبداً، القلق عادةً يبدأ في العيون، هو يعرف أن قميصه ترابي اللون يثير الاضطراب في ذائقتهن الجمالية، لقد تعودت عيون الإناث و الذكور على نوع محدد من الألوان و من التصاميم للثياب، قميصه كان يبدو نافراً ليس بمعيار اللون و الحياكة اليدوية، بل بمعيار الاستقلال عن رغبة ذلك المجهول الذي يريحنا من عناء اختيار ما يناسبنا، باسم (الموضة) تستطيع حشر أجسام نحيلة جداً و متوسطة و سمينة في بنطال أفخاذه ضيقة و تنفتح نهاياته على اتساع غريب، و مع أن الأمر يبدو غريباً و مشوهاً لكن المجتمع سعيد باختياره و حداثته،  بينما مسيحنا الصامت في معظم الأحيان يختار ملابسه بنفسه بشكل يثير القلق، ربما ابتعدنا عن الموضوع، و أظن أننا كنا نناقش مشكلته العاطفية المزمنة. في الواقع لم يكنّ هنّ سبب الهجر و الانفصال، بل هو .. بل ذاك الضِيقُ في صدره حين يبدأن في مقاربة موضوع الثياب بالقوة الناعمة عبر طرح خياراتٍ وسط تجمعُ بين الذوق العام و ذوقه الفريد، كان يعرف بحدسه الذي يناسب ثيابه أنّهن قد بدأن مسار تطويعه و ترويضه، بعض الحيوانات في الطبيعة ترضى بذلك، لكن بعضها الآخر يظل وحشياً و عصياً على التدجين، ربما كانت مورثاته البدئية تنتمي لهذا النوع الأخير، المهم أن هذه الطريقة في معاملته كانت ترسم حزناً عتيقاً على وجهه يناسب النظرة المقابلة الضائعة لشريكته المفترضة، و ينتهي الموضوع عادة إلى غرقه في ظلمة نفسه و غضب شديد صادرٍ عن الجهة المقابلة، غضبٌ غير محدد الشكل و مجهول المصدر تشعر به الأنثى التي حاولت الاقتراب منه، لذلك كانت بتوليته أمراً محزناً و قسرياً أكثر مما كانت اختياراً حراً لنفسه المتعبة دوماً من عدم قدرتها على التغير و الانسجام مع الذوق العام و العادات المتداولة في بيئته الصغيرة التي يعيش فيها.

في كلٌ مرّةٍ كان يُهجرُ فيها، كانت جذوره تنغرس في أرض أجداده أكثر و يصبح لقميصه لونٌ ترابي مائل للحمرة، و كان وجهه يصبح أكثر إشراقاً فيغوي المزيد من الراغبات بخوض تحدي الترويض، هذا الأمر فاقم مشاكله الصغيرة و دفعه إلى الوقوف في ظل صليب قديم مزروع في طرف أرضه ربما منذ أكثر من ألف عام، لا أحد يعرف بالضبط لماذا هذا الصليب هنا و لماذا لم يزله أحد حتى في فترة الحرب حيث قطعوا كل الغابات للاستفادة منها في التدفئة و بقي هذا الصليب بخشبه العتيق في زاوية أرضه محمياً  بقوة غريبة منعت الجميع من الاقتراب منه و تدويره في أحد المواقد التي تبحث عن دفء زائلٍ مؤقت.

لم يكن يستخدم الحطب، بل كان يصنع نبيذه من كرومه، و يحتضن الشتاء و حلمه و ينام طالباً  الدفء في ليالي الشتاء الباردة، يزرع قطنه، و يجني صوف خرافه، يغزل خيوط ثيابه ممزوجة بخيوط أحلامه، يرسم اسمها الخرافي على زاوية قمصانه و سراويله بدلاً من رمز الماركة المتعارف عليها تجارياً، و كان على العكس من المسيح القديم لا يحبذ وجود التلاميذ حوله، في الواقع لم يكن يريد أن ينقل إليهم شقاءه الذاتي، كان هذا التزامه الذاتي أمام نفسه، لا مزيد من القمصان الترابية، ولا أولاد يحملون ذكريات والدهم، ولكي يكفّ عن الحلم و الأمل، قرر أن يقوم برياضة روحية تغسل نفسه المتعبة، في البداية وقف أمام الصليب و مد يديه على امتداد جزئه الأفقي، بعد نصف ساعة من وقوفه شعر بألم عظيم في عضلات يديه و في أسفل ظهره، فعاد إلى منزله و ألقى جسده المنهك على سريره الخشبي البسيط، ظن للوهلة الأولى أنه لن يُكرر هذا الجنون مرة أخرى، لكنه في اليوم التالي خرج صباحاً ووقف لمدة ساعةٍ كاملةٍ قبل أن يستسلم للتعب. مضت سنة على محاولته الأولى و الآن يقف ثماني ساعات كحد أدنى، لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها، كان يقف بمقدار ما تستطيع نفسه تحمّله.  في بداية وقوفه خرجت خيالاتٌ من الأرض تسخر منه، تسخر من سخف أفكاره، من قميصه، من حياته، كان هذا انعكاس شيطانه الذاتي الذي يعيش في داخله، و كلما زادت سخرية نفسه من نفسه زادت ساعات وقوفه و زادت ساعات ألمه، في البداية كان الألم الشديد يعيق انسياب أفكاره و يمنع صفاء ذهنه، لكنه فيما بعد جعل صوت شيطانه الخاص يخفت و يتلاشى، ثم ساد صمت لأسابيع قبل أن يشعر بجسده أكثر خفة و أكثر إصراراً على المضي بتجربته إلى حدودها القصوى.

بعد الصمت الأول ظهرت هي، بشعرها المرمي على كتفيها العاريتين و بنهدها الذي يشير إليه دوماً مثل بوصلة إبرتها لا تفارق شمال الأرض، عرفها بدايةً من صُنع أوهامه، ثم رآها حقيقةً، لم يكن وهمها مغرياً و هو الذي عاش مع أوهامه دوماً، لكن حقيقة ظهورها أمامه كانت أمراً آخر بالنسبة إليه، كانت إغواء احتمال كسر الطوق الأبدي الذي وجد نفسه مسجوناً فيه. حاورتهُ ثلاثة أشهر و خمس أيام، كان كلامها ينحت جسده بعواصف التعب و الاستسلام، أصبح هزيلاً و شاحباً أمامها، و بدا و كأنه على حافة الانهيار، جلستْ أمامه، شعرَ بيديها تتسلقان جسده من كل الجهات مثل نبات اللبلاب، التف حول ذراعيه و صنع غابات أمام صدره، رأى رفيقاتها يأتون معها، يهمسن في إذنه: “ليست هي فقط، سنعيش كلنا معك”، داهمته ذكريات ذكر القطيع الأول، صورة الإناث حوله و منظر الذكور المهزومين أمام قوته يرحلون بعيداً عنه، مر ألمٌ صاعقٌ في يديه كالبرق و أحدث في أذنيه صوتاً يشبه الرعد، صرخ للمرة الأولى متألماً و انبعث الغضب على وجهه أمواجاً متلاحقة، تدفق النور من مسام جسده كلها، و صار النظر في عينيه يشبه النظر إلى أعماق الكون السحيق، الرهبةُ و الخوفُ من ذلك الفراغ اللامتناهي. رحلّن دفعةً واحدة، و بقي هو وحده، سحب جسده المتهالك إلى داخل المنزل، شرب كأساً كبيراً من النبيذ و نام حتى صباح اليوم التالي.

في مساء الأيام التالية أتى إليه كلبٌ صغيرٌ أبيض اللون و أصبح يزوره بانتظام، و يلعق ساقه و هو كان يتجاهل وجوده. ظل الكلب على حاله طيلة نصف شهر قمري و عندما ترّبع الهلال على عرش اكتماله صاح الكلب: ” يا هذا !!، لماذا أنت مرميٌّ خارج الزمان و المكان و خارج نفسك، أنت أهمّ من ذلك بكثير، اذهب إلى الناس تكلم معهم سيسمعونك و ستنفتح قلوبهم لك بعد ضيق، ستكون سيداً في قومك، و نقطة ارتكاز الأمم حولك، انهض من حزنك، انهض من جنونك الخاص، لا أحد بمثل ذكائك و جبروتك، أنت السيد هنا، فقط اعرف أين هو مدخل القلوب لترى الناس يستمعون لكل كلمة تنطقها”.

هذه المرة ابتسم مسيح قبيلتنا، و أخيراً تحول شيطانه الخاص إلى شيء صغير ضعيف يلعق قدمه، كان ظلاً باهتاً للوحش الذي عاش يرافقه طوال حياته، ظل الكلب يردد نصائحه له و في كل مرة يتضاءل حجمه أكثر و أكثر حتى اختفى و بقي هو وحيداً، لم يكن هناك ضوضاء، ساد صمت مهيب و بعدها فقد شعور الألم في عضلاته و أسفل ظهره، لم يكن هناك ما يغريه بالعودة إلى منزله، لا أحد يعرف قيمة السلام الذي حل في نفسه أخيراً، قرر البقاء في هذه الحالة أياماً على قدر ما يسمح جسده، اختفى شعور الجوع و العطش، و اختفت رغبته في أن يُنجب ابناً له عيناه و ملامح وجهه، فقد حتى الرغبة في وجود صديق أو تلميذ ينقل له خلاصة حياته، كان وحيداً مدركاً أنه سيغادر العالم هكذا دون أن يترك إرث قميصه لأحد، لن يتذمر و لن يشتكي من خذلان أصدقائه فهو لم يكن لديه أحد يرافقه في أيامه الأخيرة، و أخيراً ستنغلق نافذتا العالم التي تفضحان ما في داخله، لن يرى أحد فضاءه الداخلي بعد الآن. كان موته بطيئاً و مشعاً مثل قمر في لحظة اكتماله، و كان لديه كل الوقت ليرتب ذكرياته و يصنفها: خيالاته، طيفها السري، قلق انتظاره لها. كان لديه الوقت ليحصي أصناف النبيذ التي صنعها بنفسها، و ألوان الثياب و مساحات قطع القماش التي صنعها بيديه. كان لديه الوقت ليتذكر تفاصيل منزله جزءاً جزءاً و ليعدّ أشجار الفاكهة في حقله، و يرسم مواضع أعشاش العصافير و شكل فراخها. كان لديه الوقت ليرسم كل ما هو جميل في ذاكرته و ليرمي أحقاده الواحد تلو الأخرى فيصبح جسده أكثر خفةً و أكثر عطراً، و هكذا غادر هذا العالم بلا وداع أحد، بلا تلاميذ يختصمون على أحقيتهم بإرثه، و بلا أم تبكي عليه، لم يكن ليحلم أبداً أنه سيسكن يوماً في ضمير أحد، أو أن أحداً سيذكر يوم وفاته، أو حتى وجوده، غادر بخفة النسمة التي تمر على الحقول يوماً ولا تعود، هوى على ركبتيه، قبل أن يحل في عقله ظلامٌ له دوي، و انحنى رأسه و سقط إلى الأسفل ليستقر جبينه على الأرض و بقي حاله هكذا، أو حال ما تبقى منه … جثته.

خلف أفق بيوت القبيلة، خلف التل الذي لا يعبرهُ أحد، كانت تمتد بيوت الصفيح، بيوت الأشخاص الذين لا يعرفون السيد الكبير الذي يصمم الثياب و يحدد اللون المناسب لهذا العام و مدى مناسبته للمقاييس الحضارية، بيوت الصفيح يكتسي أهلها بما يتوفر، و يأكلون مما يتوفر لهم، و يعيشون على هامش الذاكرة، و قد تقضي في المدينة كل حياتك و تموت و لا تذكر أن خلف هذا التل القاحل يوجد بشر، في بيوت الصفيح هذه كان يعيش مراهقٌ في الرابعة عشر من عمر يقف كل يوم خلف الصخرة ليراقب هذا المصلوب بإرادته على خشبة، أغواه لون القميص، و تلك اليدين اللتين لا ترتعشا مهما اشتد فيهما الألم، كان يلاحق  شهيدنا كظله دون أن يشعر، يراقب تعامله مع حيوانات مزرعته، و مع أوراق نباتاتها، و خلف الصبي اصطف أحد عشر فتىً أصغر منه يستمعون إليه و إلى حكاياته الساحرة عن الغريب كليّ القدرة الذي يتبعه، كانوا يستمعون إليه و كأنهم يرون النور الذي يغمر هذا الرأس المقدس، لكنهم لم يجرؤوا على العبور خلف التل إلى داخل مدينة الأضواء، ظلوا يراقبون المكان ثلاث أيام متواصلة، و عندما لم ينتبه أحد للجثة، عبروا حدود نهاية العالم الخاصة بهم و اقتربوا من هذا الذي يسند الأرض كلها بجبينه، لم يكونوا قادرين على حفر قبر بأدواتهم الصغيرة المتوفرة معهم، لذلك قرروا أن يحملوا التراب و يرمونه فوقه، و هكذا ببقايا الأكياس حملوا من التراب على قدر استطاعة كل طفل فيهم و رموه فوق المقدس. صنعوا تلة صغيرة غمرت الصليب و أخفته عن الأرض، ثم قادهم كبيرهم إلى منزل الضوء كما كان يسميه، و على الطاولة وضعوا الخبز اليابس الذي لم يتسنى للراحل أكله، و اثنتا عشر كأساً من النبيذ الأحمر، قضموا الخبز بأسنانهم و شربوا النبيذ فشعروا بروحه تتجول في داخلهم، كانت رؤوسهم ثقيلة بفعل الخمر، و كان هو يرتب مكان إقامتهم الجديد، و يحدد لكل فتى فيهم أين سينام. في تلك الليلة سقطوا جميعاً من الإعياء و ناموا كما لو أنه الموت ما أصابهم، و في الصباح لم يكن هناك أطفالٌ في المنزل، كانوا اثنا عشر رجلاً يافعاً تلف أيديهم أساورٌ من قماش بلون التراب، و يلف قلبهم و عقلهم الإيمان بما رأوا، و كان هذا أول انتقالٍ مسجلٍ في تاريخ المدينة لقاطني بيوت الصفيح إلى داخلها، صلّوا جميعاً مرة أولى و أخيرة لذلك البيت الذي جمعهم، و غادروه ليجوبوا بقاع الأرض، كانوا يعرفون أنهم لن يروه مرة أخرى، و أنهم سيموتون جميعاً، كل واحدٍ في مكان مختلف و بعيد، لكنهم لم يخافوا الفكرة، فاليد الممدودة على الخشبة مازالت حيةً في ذاكرتهم، هو الذي لم ينحني إلا بعد أن غادرت روحه الجسد، معلمهم الذي لم يكن لهم شرف محاورته أو حتى معرفة نبرة صوته. كان كل منهم يتخيل صوتهُ و كلامهُ، لم يكن خيالُ أحدهم مثل الآخر، لكن كان لكل قصةٍ و لكل خيالٍ نورٌ مختلفٌ سيغمر العالم بالسلام أو بالحروب، لا أحد يستطيع الجزم بما سيحدث بعد انطلاقهم.

Posted in أدب و شعر, الجميع | أضف تعليقاً

انتظار

كنت أنتظرك على زاوية حلم، أتخيل ذلك اللقاء المرتبك لشخصين يعرفان بعضهما جيداً منذ عدة سنوات على أقل تقدير، لكنهما فجأة التقيا للمرة الأولى في عالم الفوضى حيث لا شيء منتظم بدءاً من إيقاع القلب وصولاً إلى أنفاس الصدر أو تلك المعدة التي تستقبل بين الحين والآخر انقباضات القلق أو الغرق في دفء ساحر ومغري. هو حلمٌ .. لكنك لا تأتي إليه ومع ذلك أعرف أنك تغرقين على تلك الكنبة في الزاوية قرب الباب و تذكرين بتكرار لا تملين منه يوم أطلقت لعينيك المدى حتى أصابت ضفاف عيناي، يومها لم تبقي أنت كما كنت، أما أنا فقد علقت بي تلك النظرة و رفضت أن تغادرني مع أن كل الحكاية لم تكن منطقية ومقبولة في عقلي، كل يوم تقفين في الشارع وتقولين سيمر من هنا … سنقف و نتحدث لدقائق وبعدها لن يعود الزمن كما كان، أنا أيضاً أفعل ذلك ويومياً، لكن أحياناً يختلف مكان الوقوف، وأحياناً نقف في ذات النقطة لكن في زمنين مختلفين والخلاصة حلمين لا يلتقيان، أذكر أني سألتك عن أحوالك و أنت لم تجيبي، كنت أبني حلمي المتخيل أنك ستجيبي بأي شيء وأنا سأكمل إنها مصادفة رائعة أن إلتقينا، أعلم أنها بداية سخيفة لحلم مُنتظر لكن كنت أعول على أنك ستردين أنها مصادفة أكثر من رائعة و قد انتظرتها طويلاً، في الحلم المتمرد في قلب الحلم الأساس وقفت أمامي تنظرين في عيني دون أي كلام، ورحت أنا أبحث في قاموس مفرداتي المتخيلة عن كلمات مناسبة لهذه الحالة قبل أن أغرق في مشهد نهدك يعلو ويهبط مع اضطراب أنفاسك، وددت لو أغير كل ما خططت لقوله سابقاً لأقول لك كم أنا بدائي أمامه و كم وجنتاي تشتعلان جمراً في حضوره وفي الغرق في عينيك اللتين أسرق منهما النظرات خلسة، لا يوجد قوة تستطيع أن تكبلني بحيث لا أسرق منك قبلة في شارعٍ عام، سنصبح حديث المدينة لكني بحاجة لتلك القبلة ولألمس هذا النهد الذي أرخى بثقله على القلب في الصدر. لماذا لا تأتين في زمن أكون فيه حاضراً، لا لا لا …لا تأتي، ماذا لو ابتسمنا وسأل كل عن أحوال الآخر ببساطة ثم رحلنا كلٌ في طريق، ماذا لو لو لم يكن الحلم حلماً!، ماذا لو بقي نهدك ساكناً مثل كل شيء في هذه البلاد الموبوءة بالحرب، ألمحك في الفراش عاريةً، ثم أعود لأذكر سوريا التي تحتاج إلى إعادة إعمار، هل لهاتين الفكرتين ذات وقع الاستحالة، أعود مرة أخرى للحلم، وأجتر المفردات التي سأقولها لك، أتخيل ما سيحدث لي، أستقولين أنا مثلك؟، أستنقبض معدتك على وقع خيال آخر يشبه خيالي، أعلم أني و منذ سنوات طويلة أمرّ من الشارع نفسه حيث تمرّين أنت ومع ذلك لم نلتقي أبداً، ربما هو حلمٌ مؤجلٌ آخر لسوريين لا يلتقيا إلا في الأحلام، أحتاج نهدك لكي لا أموت من الجفاف و من التصحّر، أو ربما أحتاج لقاءاً لأصحو على وقع الألم و انكشاف السراب، سعيد أنا بأن الاحتمالين لا يحدثا، ربما في هذه البلاد بتنا نخشى الانتصار بقدر ما نخشى الهزيمة، في الحالتين سنواجه سؤال اليوم التالي: ماذا بعد؟

Posted in أدب و شعر, الجميع | أضف تعليقاً

الضوء

و الضوء الذي نعرفُ ألوانٌ يصوّرها العقل لتمييز اختلاف أطوال موجاته و ما اللون إلا اصطلاحٌ و رمزٌ لما هو محسوس من قبل أجهزة استشعارنا للكون المحيط بنا لكن يصعب قياسه بأدواتنا البدائية التي في متناول يدنا. و أما النور الذي نتحدث عنه هنا فنعرفه بسعي العقل إليه مع أنه يسبح فيه و هو منه و منه هو، و هو غير محسوس ولا مُدرك، و إن أعطيتَهُ صفةً لم يكن هو، و إن مَنَحْتَهُ اسماً لم يكن هو، و إن منحته شكلاً لم يكن هو، تعرِفَهُ بنفي ما ليس منه، و كل من أدرك صفةً منه أو صفاتٍ له رأى لوناً و اللون وهم العيون العطشى للمحسوس في مقابل العقل الذي يجذبه اللا- مُدرك، و اللونُ ضياعٌ نهائي عن طبيعته و عن جوهره، و طلاقٌ مع أصلِ السعيّ إليهِ، و اضطرابُ البوصلة و الاتجاه. مُدْرِكُ اللون يدور في دوائر مغلقة و لا يبرح مكانه أبداً و ينتهي إلى الشر المقيم في أعماق ذاته و في أصل وجوده، و أما من سعى إليه بنفي ما ليس هو فيّخفُ وزنه المحسوس في عالمه البشري، و يرتفع وزن سعيه أمام نفسه و لنفسه، ولا يخشى أبداً وحدَتَه، فهو منهم و هم منه أولئك الساعين إليه عن إدراك أو عن ذاكرة قديمة.

Posted in فكرة, الجميع | أضف تعليقاً

قواعد العشق الأربعون!!

قرأت الرواية لكن لم يعجبني عنوانها أبداً..
“قواعد العشق الأربعون!”
العشقُ قاعدةُ ديمومتهِ أن ليس له قاعدة…. هو انفلاتُ روحين في فضاءٍ بعد طول أسر، ولذته في خرق القواعد، لذته في حرّيةٍ تقارع أخرى وفي انعتاقٍ يلتف كجديلة حول انعتاقٍ آخر، ديمومته في انتصار الانصهار الكلي على مزج المكونات، فأنتما بعد كل حوار، بعد كل وصال، أمران مختلفان كلياً عما كنتما قبلاً، الحب هو راحةُ التعرّي أمام المحبوب حتى آخر فكرةٍ، وآخر جنونٍ يجعل المعدة تنقبض شوقاً لما سيخرج من أفكار من قرينك تجعل فكرتك زمناً غابراً ونائياً وبارداً أمام عظيم ما سيتكون من انهمار بوحكما، الحب هو البرودةُ والاعتياد، اعتياد الهواء الذي لا تعرفُ سرّه إلا حين شُحّه أوفقده، هو جنون اثنين لمعرفة عمق الذات وللخروج بذات أخرى، هو قبول تاريخ الآخر وجنونه الشخصي، هو الاستعداد للبوح بما لا يُقال للأصدقاء والأزواج والأخوة والكهنة، هو أكثر! هو البوح الذي لم تجرؤ على قوله لذات نفسك، هو كلمة تعانق أخرى للخروج من بئر الصورة التي سجنتَ روحك فيها إلى انعتاق الروح في مروج خضراء تصل الأرض بالمدى، هو درب لا تمل من السير فيه حتى بعد انكشاف محدوديتك الانسانية أمام نفسك وأمام عين المحبوب، هو عدم خجلك من أحلامك وهلوساتك أمامه، هو تفهمّك لمبالغاته وأساطيره والسير فيها معه حتى تتحول حقيقةً في الشعور ومرارةَ الأمنيةِ المستحيلة على أرض الواقع، هو إحساسك الفريد الذي لم يعرفه بتلك الصيغة إنسان من قبل ولن يعرفه بعد رحيلك من تلك اللحظة أحد حتى أنت حين خفوت وهج الذاكرة، الحب  هو تلك اللمسةُ الذكرى التي لا تخشى من رحيلها من ذاكرتك لأنك بعدها لن تكون أنتَ أنتْ!.

Posted in الجميع, بوح | أضف تعليقاً

الفاشية الدينية

يستخدم فاتح جاموس مفهوم الفاشية الدينية و ضرورة القضاء عليها عسكرياً، أتفق معه في ان لا حل سياسي مع هؤلاء، لكن انوه أنه لا يمكن تحقيق انتصار وطني جامع شامل على الفاشية الدينية في ظل بقاء فاشية دينية أخرى كامنة في بينة من يحارب الأولى، لا يمكن الانتصار قبل تشكيل مفهوم وطني جامع يستطيع أن يطمئن كتلة السوريين أن هناك بالفعل دولة جديدة قادمة تتسع للجميع و أنها ليست ثمرة انتصار تيار ديني على آخر، لا أظن من قرائتي للوضع القائم الآن أن حلم هذه الدولة موجود عند فئات كبيرة سواء كانت في صف الموالاة أو المعارضة.
و لنكن صريحين الانقسام الثلاثي لم يعد يمثله من هم في العمل السياسي، فهؤلاء أصبحوا في متاهات الحلول الدولية التي لها مصالحها في استمرار الحرب حتى الانتصار العسكري لذلك لا الروس و لا الأمريكان و لا أي طرف آخر اقليمي أو دولي له مصلحة في تسليط الضوء على التيارات السورية غير المسيسة و التي همها سوريا فقط و ربما ما يحيط بها أيضاً من دول بعيداً عن حسابات السياسيين و حسابات مفاهيم النصر أو الهزيمة.
ربما الانتصار الحقيقي ليس عسكرياً .. بل انتصار إنساني بصيغة ما!!!.

Posted in الجميع, سياسة | أضف تعليقاً

بلاد الحدود!

إن اجتمعا وصالاً جسدياً على نية المنفعة المادية المتبادلة أو المنفعة القبلية وزيادة نفوذ العائلات ورضي عن وصالهما التجار: سميناه زواجا،ً وأما إن اجتمعا على نية الرضا والقبول المتبادل وعلى نية احترام كل منهما للآخر لكن دون رضا وكلاء العقارات المرهونة! كان الفعل هذا والعياذ بالله دعارة.
وهذا يا أصدقاء ملخص حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية قبل أن يكون ملخص حياتنا الشخصية.

**

بلاد الحدود!
أغلب الظن أنه العام ٢٠٠٨ …نظر سائق التكسي إلى صبية تلبس تنورة لفوق الركبة بقليل وقال لي انظر : هؤلاءحطب النار وهو يعتقد أن حجاب زوجته أكثر من كاف لعدم دخولها النار ولا بأس مع المكياج و الحجاب فهذا طبيعي في نظره، داعش لديها رأي آخر في هذه المسألة يشابه رأيه في الحطب الذي رآه والاهم من ذلك أن الرفيقة صاحبة التنورة تظن أن اللباس حق شخصي لكن تعتقد أيضاً أنه لا يجوز أن تجلس مع أي شاب حتى في مكان عام وأن من تفعل ذلك هي والعياذ بالله بلا أخلاق فهي تخاف كثيراً من الثالث الشيطان، و تتحدث عن بعض رفيقاتها بأشنع الصفات لأنهن اجتمعن مع شباب في منزل أو حتى في مكان عام.
هذه حال المجتمع قبل انفجاره …كلٌ يرسم لنفسه حدود الأخلاق على مقاس قدميه ويديه و كل من لا تناسب قدمه حذاء سندريلا الخاص به هو حتما من حطب النار.
لم يكن الخطأ من طرف واحد ..كانت عنصرية الجميع ضد الجميع… وهذا ملخص شهادتي في النص السابق ..لكن لا يريد أحد الاعتراف بأنه عليه أن يتغير ليتغير مجتمعنا كله حتى بعد تجربتنا لهذه الحرب البغيضة.

**

بعد مسيرة ٤٦ في بلاد الأخلاق أوطاني وبعد أن تعلمت الشتائم كلها مثل كل أفراد قبيلتي العربية الممتدة من سفالات المحيط لوسخ الخليج، ندمت على ما حفظته ألسننا و دخل عقولنا وأفئدتنا وخاصة بعد أن عرفت أن أكثر من يمارس الدعارة هم من الرجال وأن أبسط أنواع الدعارة هي من كان الجنس محورها وأن الذكر ما زال يستخدم الشتيمة الجنسية كفعل حرب لاعتقاده أن علاقته بزوجته هي علاقة قهر واعتداء وليست علاقة مودة و فعل اندماج وارتقاء والأهم أن مخ غنمته ليس بأفضل من مخه فقد رأيت سعيداتٍ كثيرات بشتائم بغالهن إن أصابت الأخريات! أو المنافسات.

**

 

Posted in الجميع, دبوس | أضف تعليقاً

ملاك

نزل ملاك على أحد سكان سوريا، ولقد كان هذا السوري دائم الشكوى من الحال المادية التي وصل لها في هذه الحرب، وقال له:
لقد استجاب الرب لشكواك و كلفني أن أساعدك بإحدى طريقتين و الخيار بينهما لك وحدك، شرط أنا لا تجيبني فوراً بل بعد ثلاث أيام حين آتي إليك مرة أخرى.
الخيار الأول: جرة كبيرة من الذهب لكن شرطي أن تتقاسم محتوياتها مع سكان قريتك، كل يوم جزء منها وهي تكفيكم لعشر أعوام أو أكثر.
الخيار الثاني: نفس الجرة السابقة لكن عليك أن تصرفها على الطعام والشراب والكساء وتستهلك كل ما فيها خلال أربع شهور فقط.

وإن لم تفي بشرط الأول بالعدل والتوزيع الدائم أو بشرط الثاني بإنفاق كل محتويات الجرة وعدم ادخار أي شيء من محتوياتها تحت أي صيغة. فإن عقابك سيكون رهيباً وسيأكلك الدود ببطء في الحياة و تطلب الموت فلا تجده.
في البداية أحس السوري أن الجواب بسيط و أن هذا الملاك فيه مشكلة عقلية لذلك ذهب للبيت متأففا … لماذا الانتظار في حين كان يستطيع الاجابة فوراً.
في الليل الأول أفاق بعد منتصفه بقليل كمن لسعه عقرب، كيف أوزع المال على أبو عيسى الذي يكرهني، أو على أبو سعاد الفقير فيصبح مثله مثلي ..هزلت والله أن تلبس ابنته مثل ابنتي، أو يأكل هو مثلما أأكل أنا، كيف لهذا الكافر جاري من الطائفة الأخرى أن يتنعم بما أتنعم أنا وأنا من المختارين عند الله وهو من المغضوب عليهم و من الضالين، وهذا الفلاح الذي يعمل في مزرعتي سيملك مثلما أملك إن جمع نقوده بدل صرفها على المظاهر و اللباس و عيادات التجميل، هل يمكن أن يصبح يوماً من أصحاب الأملاك مثلي، وهذا أبو أسامة الذي قضى حياته هو وأولاده مشياً على الاقدام سيستطيع شراء حمار كبير كحماري الملقب بال (الهامر) و سيمشي في الطريق مثلي مثله …يا الله ما أسوأ هذا الملاك ألم يكن بالإمكان أن ترسل ملاكاً أكثر لطافةً وأقل ذكاءاً..ماذا لو اخترت إنفاقها كلها والاستمتاع أربع شهور .. لكن بعد انقضاء الشهور الأربع ماذا أفعل بالشماتة في العيون ..سألبس الثياب الجديدة بضع أعوام وسيعرف كل الناس أني عدت عادياً و سيخف مصروفي بشكل لن تلاحظه القرية فقط بل كل القرى المجاورة، أصعب من توزيع المال ورفع مستوى الآخرين لمستواك هو الهبوط السريع من مستوى استثنائي والعودة لمستواهم.
لم ينم بعدها ولا حتى ساعة واحدة، وسرح في البراري يكلم نفسه ناسياً أمر الملاك وعودته، ضل في الغابات مع مقدار كبير من القهر و الكره لهذا الامتحان ..لكن قهره الأساسي كان أمام نفسه التي لم تستطع الإلحاد ولم تستطع البقاء على الايمان.
وأما الملاك فقد تم تعينه مديراً لأحد المصارف المشهورة بما أنه لم يفقد قطعة ذهبية واحدة طيلة فترة خدمته الوظيفية.

حطم عنصريتك واحمل إنسانيتك واتبعني والأهم انسى أمر الملائكة والبعل وجرات الذهب.

Posted in فكرة, الجميع | أضف تعليقاً