في هذه الحرب

15012413545_12086148a6_o

 

في هذه الحرب التي شارفت على الانتهاء….
و ما هي إلا تهيدٌ لحرب عظيمة مدمرةٍ قادمة -طوبى لمن استعد لها فنجا أو نجا ما تبقى منه!-،
رأينا مسؤولين و شبيحة تحولوا لمعارضة بعد سنوات طويلة من النهش و العض في رقاب الشعب، و رأينا معارضة تحولت بفعل رد الفعل العاطفي إلى شبيحة بالمعنى الحرفي للكلمة، لا توجد حدود عقلانية في هذا الشرق، توجد عواطف و مشاعر، و توجد معركة صفين تتكرر دائماً بوجوه و أسماء جديدة و الطرفان فيها على حق تام! و هذا صحيح بالمطلق لأنه في الأساس لا يوجد خلاف بين الطرفين!، قلة سيحملون شعلة العقل بين السنوات و العقود و الأجيال، منهم سيتوضأ بدمه مثلما فعل الحلاج ليبقى صوته خالداً لا يموت، و منهم من سيصعد على الصليب طواعية كما فعل المسيح، و منهم سيغني كما فعل مولانا جلال الدين الرومي بعد أن التقى صدفة أحد الفيسبوكيين القُدامى “شمس الدين الصوفي التبريزي” و الذي كان دوره أن يرحل دون وداع، و هكذا لم يستطع مولانا جلال الدين أن يعود محترماً بين قومه كما كان!، ستفاجئكم الأحداث القادمة و بالتحديد ضباط المخابرات و ضباط الجيش و خاصة أولئك المكلفون رسمياً بمتابعة ما ينشره أهل العقل في هذه البلاد، مصير كثير منهم مثل مصير مولانا جلال الدين، لقد فقد هؤلاء الضباط براءتهم إلى الأبد و كثير منهم مشروع قادة مستقبليين، كثير من السياسيين سيسقطون كالذباب و حتى المزابل لن تقبل بهم، ورود ثقافية ناشئة ستُطل من كل مكان و سيكون عصياً على جيوش صفين احتواءها و السيطرة عليها، معظم وجوه العملاء الأمنيين السابقين على الفيسبوك ستنكشف في مظهر انتصار واحد مهيب، و هنا بالتحديد مقتلهم، لذات الأسباب التي فقد فيها مثقفوا المعارضة الخارجية اهميتهم، سيحتدم الصراع داخلياً بين جيوش الفقراء و بين تجار الشام تحديداً لن تبقى وجوههم مغطاة خلف السلطة الحالية و سينكشف دورهم على العلن أمام الجميع، تركيا تستعد لشلالات الدم، و السعودية إلى انهيار على المستوى القريب، توجد فرصة مهمة لظهور قائد يخيط حدود العراق و سوريا، قد يكون من الأشخاص من داخل الدوائر الرسمية التي تغيرت بفعل الأزمة، ثمة رحم هائل الاتساع في جوف الأرض قد يصلح لولادة عظيمة قادمة أو يصلح لقبر عظيم لشعوب بأكملها تُباد ولا يبقى منها أحد، المكان بين تدمر و دير الزور!، الأمر رهن بما تستطيعون قوله علناً في اللحظات الأخيرة، هي معركة العقول و القلوب فتحضروا لمخاضٍ أليم.

نُشِرت في الجميع, بوح | أضف تعليق

الأحزاب العاطفية!

أعمل مهندساً مدنياً في تصميم المنشآت و بشكل طبيعي أتناقض مع المهندس المعماري، فالحالة بيننا ليست وديةً دائماً هو يبحث عن الجمال و الوظيفة و الرفاهية و أنا أبحث عن الممكن المستطاع و ضمن مقدار محدد من الكلفة، بعض التصاميم المعمارية جميلة جداً في الرسم لكن غير قابلة للتحقيق على الأرض سواء من منظور كلفتها الباهظة أو من منظور عدم قابليتها للحياة لأنها أنحف مما يجب و جسمها ضعيف و هش و سينهار، الحياة لا ترحم الضعفاء حتى في الهندسة تسود شريعة الغاب!.

لو قررت الأحزاب الدينية شن غزوة مباركة باتجاه الأحزاب المصنفة تحت خانة علمانية، كم ستصمد هذه الأحزاب؟ كثير من القوميين السوريين و الشيوعيين و البعثيين و بقية أحزاب العشرين شخص أو الثلاثين أو حتى الألف! يتحسسون من كلامي و يتهمونني بالغرور! و التعالي، يارفاق لو قرر حزب الله في لبنان الهجوم عليكم كم ساعة ستصمدون في القتال قبل أن تتحولوا إلى السجون و المقاصل كما حدث في إيران سابقاً، و سأوسّع السؤال: لو قرر الحزب الهجوم عليكم جميعاً في كل سوريا و لبنان كم ستصمدون أمامه؟ و السؤال الموجع أكثر: كم سينشق منكم من أفراد و يصبحون معه أو مع القوى المناقضة له دينياً و ليس سياسياً، السياسة بالواقع و ليست بالأحلام الوردية!.

نحن من جيل شبع من الأحلام، سواء تلك المتعلقة بالمعسكر الشرقي أو تلك المتعلقة بالعروبة المزعومة، و كلكم رأيتم المستنقع الذي سقطنا فيه جميعاً بعد الاستمتاع بالاستمناء السياسي و الأحلام الخيالية، و من يستطيع الآن استكمال استمنائه السياسي بين الجثث و الأنقاض فهذا مريض نفسي و يحتاج لعلاج سلوكي و دوائي مكثف إن كان بالإمكان فعلاً شفاءه.

لنتحدث بشكل أوسع أيضاً : لو لم تقم الدولة السورية أو النظام سموها كما تشاؤون باللعب على التناقضات الإقليمية و الطائفية لما استطاعت الصمود، لأنها فقدت خزانها البشري من زمن بعيد لصالح الطوائف و التجار و السماسرة، و من حسن الحظ أن من عاداها تيوس بالمعنى الحرفي للكلمة و إلا كانوا سيطروا على سوريا من بابها لمحرابها، لأن بنية نظامها السياسي قائمٌ على المؤلفة قلوبهم بالمال و الفساد او على تناقضات طائفية مخجلة و مدمرة، و النتائج الكارثية ترونها على الأرض من فقر و حرمان و جوع و ذل للسوريين جميعاً دون أي استثناء.

هل يدفعنا هذا لمزيد من الأحلام؟ أم لمزيد من الواقع؟

هل ما زلنا ننتشي بصور الفسيفساء الوطنية عندما يضطر حزب علماني مزعوم للاستعانة بصورة محجبة لاثبات حسن نواياه و عقيدته! و علمانيته! التي لا يجب الشك فيها مطلقاً، أو عندما تضطر مجموعة ثقافية أو سياسية محسوبة على طائفة ما لدعوة شخصية من طائفة أخرى لتظهر بمظهر ثقافي متحرر! و هذه حادثة واقعية و ليست متخيلة أبداً، أو عندما يقوم حزب البعث العظيم في انتخاباته الداخلية بتقسيم الحصص القيادية على الطوائف.

هذه المرة ستحدث هدنة لكن المرة القادمة ستكون أقسى و رأيتم بأم العين أن شخصاً مثل البغدادي صاح “هذه دولة” فحطم حدود سايكس بيكو بين بلدين على الأقل لم يستطع قبلها كل عناترالأحزاب القومية أو اليسارية فعلها، ليس لأن البغدادي شخصية فذة او مدعومة خارجياً فكلكم مدعوم خارجياً بشكل او بآخر “حارتنا ضيقة و نعرف الحكاية كلها فلا مبرر للكذب!”، بل لأنكم تركتم وراءكم فراغاً فكرياً و نظرياً وأخلاقياً يستطيع ملئه البغدادي أو الزرقاي أو أي جاهل في الشارع لا يعرف ربع ربع ما تتبجحون به في مجالسكم، و سيستمر هذه الحال حتى تكونوا قوة فكرية حقيقية لها مشروعها المستقل و ليس مجرد مشروعٍ يدور في فلك الأحزاب الدينية أو مشاريع ملوك الرمال و آيات الله.

لا تستطيع أن تقنعني أنك شيوعي أو بعثي أو قومي سوري أو من أي حزب آخر و عواطفك مقسومة بين الجولاني أو حزب الله وفقاً لانتمائك الطائفي العام أو وفقاً لهزيمتك الداخلية و عدم قدرتك على فعل ما يستطيع فعله الجولاني أو البغدادي أو نصر الله، نتكلم صراحة لا للتعالي عليكم بل لكي تكون لكم فرصة لتنهضوا فإن لم تنهضوا على الأقل ننشر ما نراه ضرورياً بين الناس ليتجاوزا أزمتهم بعد أن قصرتّم أنتم عن مهامكم في نشر الوعي و ركضتم تتمسحون بالأحزاب الدينية و ببنية التجار و الفاسدين، ليس البغدادي وحده إذاً من يستغل فراغ هروبكم و انسحابكم، بل أيضاً قوى تجهلونها و لم تعد تهتم أبداً بمن ضيع بوصلته أو رماها عامداً متعمداً، لماذا نحاور الفرع و أمامنا الأصل، لماذا يجب أن نحاوركم و أمامنا البغدادي و نصر الله و بقية الأحزاب الدينية و أنتم التابعون لها المغيبون في مشروعها، لنحاور الأصل سواء بالسلاح او بالكلام، و عندما يكون لديكم شيء آخر، قوة حقيقية على الأرض و فعليه نحاوركم -و نستثني من حديثنا قوة الأذى لديكم الموجهة ضد من يتكلم ينتقدكم فهذه سقف انتصاراتكم-.

المسألة الملحة الآن هو كيف تكوين تيار حقيقي له فلسفته و منظّريه يستطيع انهاء حالة الفراغ الذي استغلتها التيارات البدائية الدينية، فبدون أساس نظري متين قابل للتطبيق على الأرض ستستمر التيارات الدينية في اكتساح المشهد “وما كل مرة بتسلم الجرة” كما يقول المثل الشعبي.

مشكلتي أن مهنتي سيئة و لا تسمح لي بهامش كبير للأحلام الغير واقعية، أبني بالمواد المتوفرة و المحلية و بالممكن المتاح، لكن في نفس الوقت لدي كل العقيدة و الإيمان لكي أقول ما نحتاجه بعد هذه الأزمة المدمرة و لدى الآخرين الذين تجهلونهم اكثر مما لدي منه، و لدي أيضاً كل العقيدة لكي أقول “هذه دولة” كما فعلها البغدادي و لست لوحدي فالناس التي تستعد لذلك بالآلاف، نحن نصنع قادة في كل مكان وليس فيهم أحد أفضل من الآخر أو أحدٌ مخصص للعبادة كما تفعلون في أحزابكم، و أما أنتم فتستطيعون إكمال مهمتكم في اللحاق بالتنظيمات الدينية.

لا أتوقع أني أستطيع أن أكون واضحاً و صريحاً أكثر مما كتبت في هذا المنشور أعلاه

نُشِرت في الجميع, سياسة | أضف تعليق

غيرة

وقت

صرخت بكل القوة المتبقية في جسد عجوز في الثمانين من عمرها، وقف الشاب الصغير مذهولاً و قلبه يدق بعنف، ثم استجمع كرامته المهدورة أمام نفسه حين ارتجف أمام الصوت الهادر لهذه العجوز الغريبة، نظر إليها بسخرية، لكن سرعان ما انهار داخله مرة أخرى أمام عيناها اللتان تحدقان به، عينا نسر جارح أمام فريسة ضعيفة، لم يخالج قلبه الشك بأنها لو استطاعت لن تتورع عن قتله، مد لسانه ساخراً ليطرد صورة الولد المذعور أمام والدته الغاضبة، لكن العجوز لم تبالي بسخافته هذه و صرخت بغضب أكبر:

“هاتها”

لم يعلم الشاب لماذا ارتكب حماقة انتزاع عصاها التي تتكأ عليها في مشيها،لكن الأوان قد فات للتراجع عن حماقةِ ذكرٍ أراد أن يثبت لنفسه أنه أكثر سفالة و أذى للناس من بقية أقرانه، طرد صورة الولد الخائف الذي يرغب في التبول في سرواله نكاية بهذه المتجبرة، و أدار ظهره مستعداً للرحيل مع غنيمته عن هذا المكان، لكن سوء حظه لم ينتهِ هنا، فتاةٌ تقف في طريقه و تسأله بلهجة آمرة:

“أعدها”

يا لهذا النهار السيئ، من هذه المغفلة أيضاً، مجرد حمقاء أخرى، نصف عقل و نصف دين كما يردد والده دائما، رفع العصا المسروقة مهدداً بها هذه البلهاء أمامه، عاد له جرح الخوف بأسرع مما يتوقع، العصا أصبحت في يدها و هو لا يعلم كيف انتزعتها منه، حاول بحركة يائسة أخيرة الهجوم باتجاهها بكل ما أوتي من قوة ليجد رأسه ينزف و هو يغالب فقدان الوعي، أراد النهوض مرةً أخرى ليقاتل فعاجلته بضربة أصابت كتفيه، لو استمر الوضع على هذه الحال ستقتله لا محالة، …. السكين، ….. لا حل سوى السكين التي في جيبه، سيطعنها بها و ربما يطعن العجوز سبب مصيبته هذه، لكنه سرعان ما غير رأيه أمام الوضعية القتالية الاحترافية التي اتخذتها قدما الفتاة الغريبة، بعض الذكور ليسوا حمقى بالمطلق، أدرك بعقله الكامل أن لا سبيل أمامه لربح هذه المعركة، لذلك بحث في عقله عن مخرج من هذه الورطة لكي لا ينتهي كما انتهى شاعر الفخر المتنبي حين استعد للهرب فقتله ولده بتذكيره بما قاله لسانه: ” الخيل و الليل و البيداء تعرفني….”، إن لم يكن أحد من رفاقه في المحيط سيهرب بكل بساطة ولن يكرر خطأ المتنبي، و إن تحدّثت الشائعات غير المؤكدة عن هذه الواقعة فإنه سيُظهر رحمته اللانهائية و يقول لهم: “لو لم تكونا امرأتين ضعيفتين لمسح كرامتهما بالأرض”، فالذكر الجيد يولد زعيماً و لا يلتفت لأذية النساء و الضعفاء، ستقع المصيبة فقط إن كان أحد من رفاق المقاهي يشاهده الآن، عندها لن يستطيع تفادي مصير شاعره العظيم، فهذه الفاجرة ستقتله حتماً، لم تعد النساء في هذا البلد محترمات كوالدته التي كانت تستقبل لسعات عصا والده دون اعتراض، نظر حوله مرة أو مرتين و ركض خارج كل هذا الجنون بأقصى ما استطاع من قوة، لم يلتفت للوراء أبداً حتى بعد أن أصبح خارج دائرة الخطر و خارج دائرة نظرات هذه العجوز القبيحة.

خلال بضع ثواني تلت رحيل هذا اللص فاضت عينا العجوز بالدموع و اختفت عينا النسر نهائياً لتنخرط في بكاء مرير، اختفت أيضاً الوضعية القتالية للفتاة و عادت كائناً رقيقاً تلمع عيناه بسائل شفاف يحاول عبثاً أن لا ينسكب..

“خذي يا جدتي عصاك”

احتضنت الجدة عصاها قرب وجهها و تابعت البكاء بحرقة، فاض الحزن في قلبها و كان عليها أن تبكي طويلاً لكي تُخرج كل هذا الألم المتراكم في قلبها، و لما هدأت أشارت بإيماءة شكر لهذا الملاك الصغير، لم تكن تقوى على الكلام، ثم عرفت أنها لا تقوى أيضاً على النهوض..

“اسمي أمل، هل تسمحين لي يا جدتي بإيصالك إلى منزلك؟”

في الطريق الطويل إلى ذاكرة الحزن، إلى المنزل المحاط بذاكرة الورد و بيديه اللتين حولتا المكان إلى غابة من الألوان المتناقضة كما كانت حياته الشخصية نفسها، في الطريق إلى جبلٍ من القهر اهتز فجأة بفعل تصرفٍ أرعنَ لأحمقَ صغير ففاضت من شقوقه أوجاع الكون كلها، و عبر الباب الذي كان يأتي منه بعينيه الشاردتين وابتسامته الساخرة الدائمة، من هذا الباب مرت العجوز و أمل وراءها، أغلقت وراءها الباب الخشبي العتيق ذا الصرير، و انتظرتا ربع ساعة قبل أن تضعان أمامهما كأسين من الشاي و تبدأ الحكاية…

“اسمعي يا بُنيّة …. هل تغارين؟”

“أحياناً يا جدتي”

“لا تفعلي ذلك أبداً يا بُنيّتي”

عاد الصمت و صوت ارتشاف الشاي الساخن ليملأ المكان.

في منتصف الجدار على الاستراحة الأولى للدرج الصاعد إلى الطابق الثاني صورة لشخص في الخمسين من العمر وفوق الصورة توجد شريطة سوداء، و توجد صورةٌ أخرى لذات الشخص على رف المكتبة الضخمة التي تحتل معظم الجدار الشرقي لغرفة الاستقبال، على الطاولة التي تفصل بينهما امتدت العصا الخشبية الأسطوانية برموزها الغريبة المحفورة عليها و الحلقة النحاسية الدائرية التي تقع أسفل مقبضها تماماً، حُفرت الرموز بعناية فائقة و انتظمت في حلقات دائرية الشكل، بدت كأنها أبجديةُ لغةٍ غير معروفة من قبل، أو ربما هي مجرد تشكيلات فنية لرسام موهوب، قسمت العصا الطاولة بينهما إلى بحرين يفصلهما قاع عميق، لن يطول الأمر قبل انغلاق الماء على الماء، طفت الرموز في ذاكرتها مرة أخرى، تبدو قادمة من عالم سحري بعيد، كلمة سحري هنا مضللة و توحي بشيء بهيج، سحري مثل عالم سندريلا أو مثل عالم الأقزام السبعة، و هو معنى مناقضٌ تماماً لهذا البؤس الساكن هنا على ضفتي كأسين من الشاي.

حَدَثَ أن كنتُ صغيرة في يوم من الأيام، سيدةٌ صغيرة بشعرها الأسود الساحر، و رقبتها الصقيلة، و ذاك النهد الذي يتكشف كبحر من ماءٍ محبوسٍ داخلَ جلد، كنت صغيرةً بما يكفي لأراه قادماً من حكاية شرقية برائحة البخور و بقصص الوجد و العرفان، بدوران الصوفيين في رقصاتهم، بالجسد الندي الذي تنزلق عليه الأصابع، كنت صغيرة بما يكفي لأحلم، لأعانق الحلم الذي يمتد مثل الشرايين داخل حلمٍ آخر، كان مثل غيمة تهطل بلا مواعيد في الصيف و في الشتاء و عادة ما تظل شاردة في السماء، لقد أحببته دون مقدمات، دون إدراك للنار اللتي ستحرقني لاحقاً أعواماً طوال لتتركني بعدها بقايا لحمٍ و رماد، حين أحببته و حين ظننت أني كرهته و حين أعدت اكتشافه بعد فوات الأوان.

كنت صغيرةً على قلب يبدو في الظاهر من حجر لكنه يهطل فوق التراب بسخاء، على نبعٍ كلما دققت أوتاداً من خشبٍ في فوهاته المتعددة انفجر متدفقاً من شقوق أخرى، كنت أرى أخشابي تطير بفعل ضغط الماء في الهواء، قضيت عمري كله في حفر مجرى لمائه لكنه في كل مرة كان ينبثق من مكان مختلف، أعياني الهم و العطش، أعياني أنه أمامي و لم أشرب من بارده لأطفئ ظمئي و قضيت عمري كله في الشمس الحارقة أحفر التراب، كلما يممت وجهي نحو صفاء مائه كانت وجوههن تطفو في ذاكرتي : “هل يشربن منه أيضاً” فأعود عطشى لحفر مجرىً هنا أو هناك، لم أشرب أبداً يا بنيتي، عطشتُ كثيراً و أمامي الماء، لُمته شارد الذهن دائماً، يزرع الورد في الحديقة ولا يقطفه، يشمه و يتركه، كان زوجي لعشرين عاماً، يجلس في هذا الكرسي حيث تجلسين، يأكل من خبزي و من روحي، يشرب أيامي، يقرأ كتبه و يقرأ أعصابي و أحلامي، يبتسم دائماً للزمن، كنت أخاف الموت كثيراً و هو يبتسم له، وحين أسأله عن صمته الطويل يعانقني فأشم رائحتي في ثوبه لكن لا أصدق ما أشعر به و ما أراه، كابوس المجرى و المياه المتدفقة من كل مكان يرعبني، تلك النظرة الغائمة في عينيه، ولعه بصور النساء، أشعر أنه مات و لم يخزّن في عقله ما أراد من الصور، كان يجلس أحياناً أمام الورد الذي زرعه بنفسه يراقب دودة تمشي على أغصانه، لماذا لا ينظر نحوي مثلها، أي شياطين تلف في رأسه، أي حماقات، لماذا كان لزاماً علي رؤيته واحداً أحداً و هو يعيش مع دودة على ضفاف وردة و معظم الوقت يقرأ و كأنه يسكن السماء و ينظر من شاهق نحو عالم يتمدد دون قدرته على إدراك معناه.

خلف العينين –عيناه – تقبع متحفزةً قبيلةٌ من الرجال، أعرفهم جميعاً إلا ظلاً واحداً، ظلٌ راوغني حتى أنهكني، لم أستطع فهمه أو إدراكه يا بنيٌتي، بقي جاثماً على صدري مثل ثقلٍ لا يرحل، كان ودوداً لطيفَ المعشر قليلَ الكلام، بعيداً عن النشاطات الاجتماعية، ينزوي في غرفته دائماً ليقرأ أو يعمل، لا يسألني كثيراً عن أحوالي، عن الناس الذين أتكلم معهم أو أزورهم، كنت أستطيع اتخاذ أي قرار دون الخوف من سطوة الذكر في داخله، هل كان هذا ما أريده حقاً؟، في ذلك الزمن لم أكن أدري، أردته أن يحفر هو أيضاً قنواتٍ لينابيعي، أن يسألني من هذا، وددت دائما رؤية هذا الغضب في عينيه عندما أخرج أو عندما يهاتفني بعض الأصدقاء، لكن كان انتظاري بلا أمل، أحياناً يتكلم و يُسِرُّ لي بملاحظاتٍ مقتضبة عن شخصيةٍ ما، قد اكتشف بعد حين صحة كلامه، لكن لم يسألني أبداً لماذا تابعتُ معاندةً العلاقة مع أشخاص كهؤلاء، ولم يسألني أيضاً عن خساراتي، كان وطناً أستطيع الاطمئنان لحمايته الدائمة لي، ربما أردت جنونه لأعرف أنه يحبني و يتألم من أجلي كما أتألم أنا لأجله.

عشرون عاماً و هو يلمس جسدي كما يلمس المحترفُ ريش النعام، و أسأل نفسي حين يغيب أين كان و أين أصبح الآن، عشرون عاماً و كل وصال هو رحلة خوف و رحلة توق في آن واحد، زرت معه مدناً شتى في الخيال، حطمت عادات، خرجت من نفسي، هجرتها، تغيرت كثيراً، عرفت النشوة أنهاراً، و عرفت نفسي أيضاً و هذه نشوة أخرى، كانت كل لحظة تُولد جديدة من رحم أخرى، لم يكن هناك من شيء متشابه غير صور الأخريات ينتزعنه مني، أحياناً كنت أتمنى أن أختار له واحدة بنفسي، لم أرغب أبداً في المجهول، واحدة أعرفها فأعرف حجم المأساة التي سأحياها، كنت أعيش خوفاً لا حدود له، المجهول يقتل يا بُنيّة مع أنه في كل مكان حولنا لكن ثقافتنا ترفض الاعتياد عليه، ربما مشكلتنا ثقافية في بنيتها الأساسية، الكون كله إشارة استفهام كبيرة، تأملي النجوم و الكواكب، تأملي المجهولَ من قوانين سلوك الأشياء الصغيرة في حياتنا اليومية، لا تستطيع ثقافتنا الحالية التعامل مع النهايات المفتوحة، لذلك نحتاج بشدة إلى أديان شتى تصف لنا عالماً محدوداً نعيش فيه، نريد كل الأشياء تحت السيطرة، نضع قواعداً للسلوك العاطفي و من بعده الإنساني، كل شيء في كتابٍ يا بُنيّة، كل شيء، لا أحد يخرج خارج النص حتى في وصاله الجسدي، ربما فهمت هذا الأمر بعد فوات الأوان، كان جلال ….، جلال اسم زوجي يا صغيرتي، ربما لم أخبرك باسمه من قبل، كان جلال لا يخاف العالم اللانهائي، ولا يحتاج عالماً من وهم ليعيش فيه، ربما وُلِد و في عينيه تلك الدهشة من رؤية الأشياء، كان يتأمل كل شيء بفضول غريب، لم يفقد أبداً عين الطفل التي لا تكف عن الاستمتاع بكل شيء حولها، ربما هذا ما كان يقتلني عندما ينظر تحديداً لأخريات، ذات الدهشة التي ينظر بها لوروده التي زرعها في حديقة الدار، ذات الدهشة التي يراقب فيها حشرة تتسلق ساق وردة، لكن أنا لم أكن مستعدةً بعد لتلقي كل هذه الصور التي أتعايش معها الآن، تلك الدهشة التي واجه بها الأخريات عَنَتْ لي أشياءَ بغيضة جداً، شعرت بأني هامشٌ مفروضٌ عليه، شيءٌ موجود أمامه يتعامل معه بكل الاحترام الممكن كما كان يتعامل مع البشر و النبات و الحيوان، لا يوجد تميّز هنا، هذه المساواة قتلتني في ذاك الوقت، على قدر ما تضع ثقافتنا القواعد و أساسيات السلوك العامة و تضع عليها عقوبات صارمة تصل لحد الموت على قدر ما نحتاج أيضاً لوجود الاستثناء، نريد جميعاً أن نكون فوق القواعد، أن نخرقها، لأننا مقدسون، محبوبون، مميزون، إلى آخر هذه القائمة التي لا تنتهي، لم نعتد على العيش في عالم بسيط مفتوح على كل الجهات، لم نعتد إدمان الممكن حولنا وارتشافه كأمر سعيد و حقيقي، اعذريني بنيتي، أتكلم كثيراً عن فلسفة الأشياء، ربما تشدك قصة عاطفية أكثر من كل هذا الكلام، سأتوقف إن كنت أزعجك، نحن عندما نكبر في العمر نصبح ثرثارات..

“أكملي جدتي … أسمعك بشغف .. أكملي أرجوك”

لا أعرف كم من العلاقات أقامها بعيداً عني، ربما واحدة و ربما الكثير من العلاقات، لكني متأكدة أن هذا الفضول أمام الأشياء دفعه ليختبر أمراً ما، أرغب في أن أعرف ما حدث فعلاً، و هذه الصور ما زالت تلاحقني بقسوة حتى الآن، لكن لأسباب أخرى مختلفة جداً عن ما كانت عليه في السابق، أفكر الآن بتلك الدهشة التي كان ينظر بها لما حوله، أحتاج أن أعرف تاريخه لأفهم ذاك الظل الذي لم أستطع القبض عليه يوماً داخله، أحتاج فهمه بكل المحبة و العرفان، و لو كنت معه الآن لما أدنته، ولا حكمت على تصرفه هذا بأي حكم مهما كان، لكن في الماضي لم أكن كذلك. ماذا فيهن؟، ماذا يمنحنه زيادة على ما أعطيه و أنا المجنونة به إلى حد الوله، فقدت إمكانية معرفة الحقيقة بعد موته، لا أمل الآن في معرفة أي أمر مهما كان صغيراً، مات هو و ظله و بقيت الورود و حشراتها أمام الدار، بُنيّتي …، نحن نقوم بالوصال الجسدي بكامل ثيابنا، بل بكامل أسلحتنا و عتادنا!، لم نتعرى قط!، لا تنظري إلي هكذا، لست أتكلم عن نفسي فقط، بل عن كل البؤساء في هذا العالم المليء بالحروب و الكره و الدمار، و مع ذلك نؤمن أن ثقافتنا الحالية هي أفضل ثقافة ممكنة في تاريخ الكون كله، لدى حشرة تدب على سطح حشرة عملاقة أخرى في حقل هائل الاتساع كل الغرور و كل الاعتقاد أن كل هذا الحقل خُلق من أجلها فقط، من أجل جنونها الخاص، من أجل أوهامها، تُرعبنا العوالم المفتوحة على اللانهايات لأننا نخاف العري، نخاف أن نرى أنفسنا بما نحن عليه فعلاً لا بما نتوهم عن حالنا، ألم أقل لك حتى في الوصال الجسدي نكون بكامل عتادنا القتالي، نحتاج أن نتعرى من أوهامنا لا من ثيابنا، أن ندخل معبد الجنس بكل الاحترام و التقديس، بكل الخشوع الممكن الذي يسبق قيام الصلاة، ولا أعلم كيف يفعل البشر ذلك و هم يحتقرون هذا الأمر لدرجة أن أهم الشتائم المتداولة في العالم كله تعتبره فعل عدوان و إذلال، نحتاج أن نتعرى فعلاً لندخل إليه أنقياء، أن نختبر ظلال بعضنا البعض دون حكم مسبق، دون إدانة، أن لا نخجل من زوائدنا، من جسدنا العادي، من الأشياء التي نظنها غير جميلة فينا، الحقيقة يا بُنيّة رائعة الجمال، وحدها هي كذلك، و وحدها هي الملعونة في ثقافتنا، لو عشتُ معه، لو تعريتُ معه كما عرفتُ نفسي بعدَه، بعدَ طلاقي منه، و بعدَ موته، و بعدَ أن عرفت سر الرموز على عصاه، الحياة أمر عبثي، تخيلي أني أضعت حياتي في العبث، و كان هو أمامي شهياً ووطناً لكل الحقائق و المغامرات، وطنٌ لم أعرف دخوله و الاستمتاع بحمايته، كان لي طوال الوقت و لم أعرف تذوقه لأن عقلي مشغول بالأخريات، بما يقول الناس، بما قالت لي أمي، بنظرات جاراتي، بالضوء المسلط على حياتنا من كل الاتجاهات، لم أعرف كيف أُقفل نوافذي و أبوابي لأدخل مملكة الصمت و الرهبة، ليراني عاريةً فيدق قلبه بالخوف مما سيلاقيه لأنه لا يعرف ما سيكون و ما سيحدث، اليوم لو يعود…. لبحت له بآلاف الأشياء التي يومها لم أتجرأ على البوح بها لنفسي و لا حتى تخيلت أنها يمكن أن تكون موجودة داخلي، كان هو استثناء نادر لا يتكرر، فرصة لأهوي داخل نفسي فأعرفها، فرصةٌ تركتها تموت أمامي، هذا العالم البائس لا يعطينا غير إمكانية الندم.

طلبتُ منه الطلاق لأني لم أعد أحتمل هدوءه القاتل، صعقه طلبي لكنه اعتبره كأمر غير حقيقي و بقي يتعامل معي و كأني لم أتفوه به، و حين أصررت عليه في أكثر من مناسبة ابتسم بحزن و يا ليته انفجر بي غاضباً أو حتى شتمني، فابتسامته تلك كانت صورة للقهر، قهره هو، لم أعرف صورةً له أشد قساوةً مما رأيت، ذهب معي إلى المحكمة و تم الطلاق، عندما خرجنا من غرفة القاضي عانقني، ثم صافحني و مشى وحيداً و انزوى في بيت عائلته وحيداً عشر سنواتٍ حتى مات.

حمّلته في نفسي مسؤولية ما حدث، هو المُلام على ما فعل بي و بحبي له، بكيت طويلاً، ربما سنة أو أكثر، رغبتُ في الانتقام منه و من نفسي أولاً، بعد عامين عرفت زميلي في العمل، جميلٌ لدرجة مذهلة، رقيقٌ في كلامه، يُشعركِ يا بُنيّة أنكِ الشخص الوحيد و الأهم و الأغلى في هذا العالم، تعابيره و حواره سكّرٌ و عطر، تقرّب مني، لما لا، جميلةٌ و وحيدة، حظيت بعينيه تلاحقاني في كل مكان، استمتعت بذلك دون أن يراودني شعور بالذنب، لم أفكر في الزواج مرة أخرى لكن فكرت في أن أحيا، أن أنسى سنوات الألم، سنوات القلق، سينسيني هذا الرجل الظريف ماضي الأيام، صعد الدفء في معدتي و أنا أفكر بما يمكن أن أعيش و أختبر، هل أصبحت أمشي على طريقه؟، هل كان يشعر كذلك؟، انتفض عقلي صارخاً :”ماضي و انتهى ..لا تعيشي فيه أيتها الحمقاء أكثر”، طردت كل هذه الهواجس، و اتصلت بـ “عمار”، سألته عن أمرٍ حدث في العمل و كان مزعجاً لنا، طال الحديث ساعةً أو أكثر، و انتقل بعدها إلى محاولة البوح، أخبرته أني لا أحب تبادل الأحاديث الخاصة على الهاتف و أنه يمكن أن نتحدث غداً عن الموضوع، و كما كان متوقعاً سمعت احتجاجه أن العمل مكان غير مناسب لتبادل مثل هذه الأحاديث، بقيت خطوة واحدة في هذه اللعبة التقليدية، صمت قليلاً و قال : “هل أستطيع رؤيتك الآن”، أجبته ببرود : “هل تستطيع المرور إلى منزلي و سنتفق إلى أين سنذهب”، بالطبع لم أكن لأذهب إلى أي مكان، أردته يا بُنيّتي، أردته هنا في هذا المكان، لا أعلم إن جرّبت حالة مماثلة كهذه، عندما ينتشر الخدر في كل جسدك، و تشعرين أن لأنفاسك رائحة عطر غامض، هذا القلق اللذيذ، و النشوة الفائقة عندما تستطيعين اتخاذ قرار يتحدى كل شيء في حياتك و يقلب مفاهيمك رأساً على عقب، لم أعد أفكر في الماضي، ولا في المقارنات السخيفة بيني و بينه و التي كنت أجريها كلما أردت لومه على تلك النهاية التي وصلنا لها، كل ما أردته الآن هو معرفةُ إلى أي حد تستطيع نفسي أن تتمرد على ذاتها، لم تكن غايتي الجنس بالطبع، لكن أعلم أيضاً أنه لا مرور إلى ما أريد إلا عبره، اليوم سأنساه، اليوم سيختفي هو و كامل المرحلة السابقة من ذاكرتي، أنا اليوم سيدة قراري، ربما هذه النشوة التي كان يشعر بها حين اتخاذ قرار مماثل، لكن لن أفكر فيه، هذا ماضي و لن أعود إليه.

حين سمعت نقراً خفيفاً على الباب شعرت ببخار الماء يخرج من معدتي، سمعي أصبح ضعيفاً، ووجهي قطعةٌ من جمر، سأخرج إليه و سنذهب إلى مطعم صغير مجاور، لا أيتها الجبانة، ليس هذا ما اتفقنا عليه، خلال بضع ثواني اشتبكت مع نفس في قتال مرير، و بينما كانت يدي تمتد إلى للباب لتفتحه، كان قلبي يحاول الإفلات من مكانه، حين فتحت الباب لم يكن لدي خيار آخر غير دعوته، أنا من صنعت هذه المناسبة و لا يجب أن أفسدها.

دعوته للدخول فقطف وردة على عجل، كسر غصناً كاملاً ليستخرج منه وردةً صغيرة، انقبض قلبي قليلاً و أنا اذكر يد جلال تمر على الورد و كأنها تداعب الهواء المحيط به، لم يقطف لي وردة من قبل، و هذا ما تمنيته منه طيلة عشرين عاماً من زواجنا، هذا الجميل قطفها من أول يوم من أجلي و جرح يده بأشواكها، لكن لسبب لا أفهمه في نفسي لم يكن هذا ما أريده، لم أصدق أني كنت أحب مرور يديه فوق الورد، شعرت بالأسى على هذه الوردة الجريحة، ها أنا أفكر فيه مرة أخرى، طردت صورته من خيالي و سارعت إلى إحضار الكحول لهذا العاشق الرقيق لأمسح الدم عن أصابعه، حدث كل شيء بعد هذه اللحظة كما أردت، كان يوماً استثنائياً و جميلاً بشكل غير اعتيادي، شعرت بنفسي آلهةً متوجة بالجمال و القوة، رجلٌ رقيقٌ و بيت دافئ، و أنثى تحررت من موروثها و من آلامها دفعة واحدة، بالفعل يا صغيرتي بعد هذه الحادثة تبخرت آلامي كلها، لم تعد تطاردني صور خيانات جلال، اليوم أعرف أن معظمها على الأقل كان مجرد وهم مني، و لست أستطيع الجزم بصحة البقية الباقية منها، لم يعد يعنيني كل هذا، لكن يا بُنيّتي عندما آويت لفراشي وحيدة في المساء كان طيف جلال حاضراً قربي، و عرفت أني أحبه أكثر من أي وقت مضى، و أني لم أعد أهتم لحفر المجاري لينابيعه، تكفيني لمسة الورد و تلك العين الشاردة في حشرة تدب عليها، يكفيني حضوره الآسر، تخلصت من ألمٍٍ يا صغيرتي لأقع في ألمَ أشدُ و ألعن.

نحن شعوبٌ نعتقد أن الزمن معنا، و أن الله معنا، و أن الحق معنا، و ننسى الموت المتربص بنا خلف كل زاويةٍ و خلف كل باب، بقيت أراقب جلال من بعيد، أتأمل حزنه اليومي و أفول في نفسي: بعد شهر أو شهرين سأحاول أن أتحدث معه بصراحة و صدق، تمرُ الشهور و أنا أصارع فكرةَ أنه لم يبالي بي، و أنه لا يحبني، نعم أنا أحبه لكن هو لم يحبني قط، لماذا أعود إليه، أين كرامتي، أين شخصيتي، ربما لم تعد تعنيني تلك الصور له مع عشيقات مفترضات، لكنه في النهاية شخصٌ بلا أي مشاعر تجاهي، لم أتجرأ على مصارحته أبداً ، كنت أتعمد المرور من أمام عمله، ألقي التحية عليه، نتبادل بعض الأحاديث المرحة، أشعر بعميق احترامه لي، لكياني ، لوجودي كله، لكن لم أتجرا يوماً على البوح بما أحمله في قلبي له، شهرٌ وراء شهر، سنةٌ وراء سنة، و في يومٍ قاتل وقعت عيني صدفة على ورقة نعي عند خروجي من مكان عملي، كان اسم جلال، و كان هذا تاريخ موت قلبي و كل أمل لدي، انتهت الحياة فجأة، هكذا بكل بساطة، بكل سخافة، أتظنين أن هذه نهاية الحكاية، أنت مخطئة يا “أمل” ، ألم يكن اسمك أمل، أليس هذا اسمك يا بنيتي؟.

“اسمعي يا أمل”

انظري إلى هذه العصا الموضوعة أمامك، تسللت في العزاء إلى غرفته و سرقتها لسبب مجهول لم أدركه، أردت أن احتفظ بقطعة منه، و لا أعلم لماذا لم أختر قميصه، أو كتابه المفتوح على طاولته و الذي سرقه الموت منه قبل إكمال قرائته، أخذت العصا فقط، بدت لي غريبة برموزها، و بقيت لدي عدة أشهر قبل أن أقرر تأمل رموزها، جلال القاتل المحترف، جلال المنتقم حتى بعد موته، جلال الحبيب، لا تصدقي ما أقوله عنه و لو شتمته ألف مرة أمامك، جلال الطيب الطاهر، جلال زوجي، جلال عشيقي، جلال النسمة الصيفية، و دفء العالم حين يشتد برد الوحدة، انظري إلى الحلقة النحاسية ماذا تجدين؟

“أجد رموزاً متتابعة يا جدة”

“هل تستطيعين عدها يا أمل؟”

“نعم .. 1..2…3…. ….. 28، ثمانية و عشرون جدتي”

“نعم يا بنيتي بالضبط ..28.. هذا مفتاح الرسالة!”

جلال الخبير في الرياضات لو أراد تعقيد الرسالة و تشفيرها لاستطاع ذلك بسهولة، لكنه أراد لسبب ما أن يترك أثراً وراءه، أثراً بسيطاً و مفهوماً، و أجزم أنه حين كتبها لم يعتقد أنها ستصل ليدي، ربما ترك شيئاً لمن سيفهم سر حياته، و لم يعتقد مطلقاً أني فهمتها بعد فوات الأوان.

ثمانية و عشرون حرفاً تقابل عدد الأحرف العربية، رموز مرتبة وفق الترتيب الهجائي، أمر بسيط أليس كذلك؟، انظري ما كتب جلال، لقد استخلصته على ورقة.

..

سمر

الرفيقة الرقيقة و الزوجة الأغلى

لم أستطع البوح لها بصوتي

زرعت لها الورد

وزرعت في نفسي الأمان لعينيها

لكنها لم ترى

و غادرت المكان و لم تغادر الروح و القلب

إن كنت أيها الإله موجوداً فساعدها

و إن لم يكن هناك غير الكون الفسيح فلتكن أمنيتي لها بفرصة أمل ثانية

..

حتى رسالته الأخيرة كانت مثل حياته يا أمل، رسالة باردة أليس كذلك؟، لكن لم أعد أراها كذلك، هي بسيطة و صادقة و هذا يكفي، لطالما آذى جلال المبالغة و و الكذب، عاش صامتاً و مات صامتاً، و أنا يا صغيرتي عرفت أن الحياة لا تمنح فرصة أخرى حتى لو تخلى جلال عن إلحاده و دعا إلهاً مفترضاً من أجل راحة نفسي، و حتى لو تمنى جلال سعادتي، كان يعرف أنه زائل، وكان دائماً يقول لي: لا تضيعي الثواني إنها أثمن مما تعتقدين، لم أتحدث عن هذا من قبل، ربما حاولت إيصال رسالة جلال إلى كل من قابلتهم، قد لا أستطيع استعادة ما خسرت، لكن أستطيع نقل ما فهمت، هذه رسالة جلال الحقيقية.

سأصعد للنوم يا صغيرتي، لم أعد أقوى على إكمال هذا النهار، أريد لهذا الجسد أن يرتاح قليلاً، أغلقي الباب وراءك حين تذهبين، أعلم أنك لن تعودي إلى هنا مرةً أخرى يا أمل، لكن لا تتوقفي عن القتال يا بنيتي مثلما فعلت مع ذلك اللص الصغير، لكن قاتلي نفسك و اهزميها فهذه أم المعارك، قاتلي نفسك لتغلقي كل بوابات الندم.

تصبحين على خير، و شكراً لك على مساعدتي و استماعك لثرثرة عجوز وحيدة، تصبحين على خيرٍ بنيّتي

نُشِرت في أدب و شعر, الجميع | أضف تعليق

أذكى قبيلة في العالم و قصتها مع الذباب

يُقال أنها تعيش في غابة مليئة بكل أنواع الكائنات المفترسة مثل الأسود و النمور و الفهود و التماسيح و الأفاعي الضخمة جداً، لكن هذه القبيلة تعتبر الذباب عدوها الأول، فإن افترس نمر أحد أفرادها سارعت القبيلة لإصدار بيان شجب و إدانة لسلوك الذباب الذي ألهى الضحية و منعها من الانتباه لوجود النمر، يقضي شباب القبيلة وقته في اصطياد الذباب أو في تأليف الأشعار عن إجرامه و سوئه، و ينشغل شيوخ الدين في هذه القبيلة بتفصيل أنواع الذباب و الدعاء عليه و تبيان خطره فهو مبعوث الشيطان الذي يُلهي المؤمن و يعيق صلاته و عمله.

ألّفت هذه القبيلة ملايين الكتب في تبيان خطر الذباب و صاغت الحلم النهائي للقبيلة بالقضاء عليه الذي سيحقق في المستقبل الأمان و الازدهار للقبيلة، و قتلت القبيلة و سجنت آلاف المرتدين و المشككين الذين زعموا أن الذباب ليس هو المشكلة و أن على أفراد القبيلة مواجهة الخطر الحقيقي للحيوانات المفترسة عبر تطوير آليات و ووسائل تردع العدو الحقيقي، عانى المشككون من محاكمات تتعلق بوهن نفسية القبيلة أو التطبيع مع الذباب أو موالاة الأشرار و المحاربين للقبيلة و لروحها و غيرها من التهم المحقّة، فكما تعلمون قتال الذباب يتطلب أدوات بسيطة و أشعار عظيمة تجمع الشعب، أما الحماية من الحيوانات المفترسة الضخمة فتتطلب أسواراً و أبنية حقيقية بدل الخيام التي يسكنها أفراد القبيلة و يتطلب صنع أدوات متقدمة تستطيع ردع الحيوانات المفترسة حين سير الأفراد في الغابة، كما تتطلب إبعاد القمامة عن الخيام و إيجاد طريقة لمعالجة جبال القمامة المتراكمة منذ مئات الأعوام، لذلك رأى الجميع -الشعب و القيادات المتعاقبة لهذه القبيلة- أن قضية الذباب هي الأسهل و تجمع القبيلة و توحدها و لتفترس الحيوانات منها قدر ما تشاء.

نُشِرت في الجميع, دبوس | أضف تعليق

من هذه؟

lonely man-1

تنزلُ الدرج بينما أنا أصعدْ، مرّتْ بقربي، ليس في هذا الأمر أي شيءٍ غريب فأنا أصعد درج بناء حكومي و هي تنزل، ربما هي موظفة جديدة هنا، الوقت صباحاً وقت التوقيع، الجميع يصعدون و هي تنزل، ربما ….، قد يحدث هذا، عادة لا أنتبه لمثل هذه التفاصيل الصغيرة، لكن لسبب ما شعرت أنها تنظر إلي، لم أكن متأكداً، للأمانة لم أنتبه لذلك، لكن شعوراً غامضاً اجتاحني: “هذه الصبية لا تنتمي إلى هذا المكان”.

أسبوعٌ، أسبوعان، أو ربما أكثر، تباً لهذه الذاكر الغائمة، معظم الوقت أقضيه مع نفسي في الطريق، في صياغة أفكاري، في التحدث إلى نفسي، لا أستطيع الانتباه على تفاصيل الطرقات في مسيري الطويل، لدي ما يشبه الطيار الآلي في الطائرات، المشي بالنسبة لي كذلك و أيضاً صعود الدرج إلى عملي، ذات الصبية تنبع من بين الغيوم و الرؤية الضبابية، تنزل على الدرج و تمر بجواري، خلفها صبية أخرى، كأنهما رفيقتان لكن الثانية تأخرت في النزول عن قصد، خُيّل لي ارتباك الثانية و كأنها لا تنتمي لهذا المكان لكنها في مغامرة غير مفهومة مع رفيقتها، عبرتا بجواري، لا أذكر ملامحهما، كل ما تبقى منهما في عتم الذاكرة، حجاب الأولى، و قلق وجه الثانية، و لونٌ أخضر لا أعلم إن كانت الثانية ترتديه أو أنه بقي في ذاكرتي لسبب مجهول ما.

عمر الحادثتين بضعة أشهر تلاهما مرورٌ ثالثٌ و رابعٌ للصبية مفردةً، و في المرتين تمر بقربي و تقول: “صباح الخير”، أردُّ : “صباح النور”، تباً لهذه الذاكرة التالفة المحشورة بآلاف المعادلات و لغات البرمجة و كتب علم النفس و التاريخ و الأسماءِ و الحوادث، إنها مكب نفايات هائل الحجم لا أستطيع استخلاص ما أريده منه حين الحاجة إليه، أتمنى أحياناً لو أستطيع رمي ثلاثة أرباع ما فيه لأستطيع السيطرة عليه، لكن هذا عبث، من هذه التي تحييني؟، لا أذكر أني أعرفها، لكن في سلامها ودٌ خاص، شيئٌ من النقاء لا ينتمي لأدراج المباني الحكومية، “صباح النور” يتردد جوابي مترافقاً مع تردد تحيتها في عقلي، لماذا يظل شعوري مستمراً بأنها لا تنتمي لهذا المكان، يصعب علي أحياناً فصل الواقع عن الوهم.

اليوم صعدت الدرج، طفت هذه الذاكرة في رأسي، لم أعد أراها، ربما أصل أنا متأخراً أو هي التي تصل متأخرة، ربما حماقتي صحيحة و هي فعلاً لا تنتمي لهذا المكان، شعرتُ أنه يجب أن أكتب عن هذا و أصفه، لماذا؟، لا أعرف حقاً، ربما لأن بعض الأشخاص يمرون و يعبرون بنا دوماً دون أن ننتبه، لا شيءَ كان سيحدث لو أنني انتبهت، لكن أعرف أن في هذه الدنيا بعض السحر، بعض الحوادث خُلقت لتبقى في الذاكرة حتى لو كانت ذاكرتنا محشية بأكوام النفايات.

في هذه المدينة المتعبةِ بالموت و الحرب تمرُّ الملائكة قربنا، عادة لا ننتبه، فالكل مشغولٌ بصراخه الذي يصم الآذان، بهالات الانتقام السوداء حول عينيه، ربما نحتاج بعض الاستسلام لمنظر الأحجار الكئيبة و التقليدية لأرصفتنا البالية و بعضَ الشرود في اللاشيء لنسمع حفيف الملائكةِ تمرُّ قربنا، هي ليستْ ذاتَ جناحين، و ليستْ من نورٍ كما يعتقدُ البعض، هي أشياءٌ طبيعية في محيطنا، تسيرُ دائماً حولنا ، لا يتحدث عنها الناس كثيراً، ربما أنا لدي الجرأة لأكتب ما كتبت الآن، و لدي الجرأة لأصف مرور بشريةٍ صغيرة بهذا الوصف، ربما هي زميلةٌ لم ألاحظها من قبل، بعض الوهمِ لذيذٌ كغيمةٍ بيضاءَ تغسل عنك بعض الحر في صحراءٍ متراميةِ الأطراف، غيمةٌ بيضاءُ وحيدة تشرد هي أيضاً في صحراءٍ زرقاء، و تلتقيان صدفةً، و ترحلان عن بعضكما بلا ذاكرة، أنتَ تتابع رحلة عطشك، و هي تتابع شرودها في السماء، يوماً ما ستفنى أنتَ من الجوع و العطش، و هي ستصطدم بهواء بارد و تموت مطراً في أرضٍ ما.
****
هذه الحكاية حقيقية و ليست متخيلة أبداً ..شكراً لمن وصل إلى هذا السطر الأخير و قرأ سرداً ذاتياً ربما لا يهم أي أحد.

نُشِرت في الجميع, بوح | أضف تعليق

عنصرية

أشعر بالأسى على العقل السوري، مازالت لديه العنصرية ليسخر من الخليج و كيف كان مدرسي سورية هم من علم الخليجيين الحروف الأولى، مازال العقل السوري مثبتاً على فترة 1960-1980 و يظن أن العالم متوقف عندها، اليوم أواجه مشاكل حقيقية عند محاولة نقل أي تقنية جديدة إلى سوق العمل في سوريا، بينما رأيت الدول التي يسخر منها السوريون و يصفهم بعض الحمقى بشاربي بول البعير! قابلين للتحول الحضاري بشكل أسرع بكثير من العقل السوري الذي قضى عليه القمع و الخوف المستمر لدرجة أنه صار يرفض أي إبداع و أي تغيير. تستطيع أن ترى شركات لبنانية لها حصة معتبرة من سوق العمل في الخليج لكن لا تستطيع رؤية شركات سورية محترمة لها ذات سمعة اللبنانية، لم تستطع العقلية السورية مواكبة التغيرات السريعة في العالم لذلك انكفأ التجار المحليين و أصحاب الأموال إلى نظام المافيات السهل و توزيع حصص النهب على أسس مخجلة بدلاً من تطوير العقل السوري لمواكبة تحديات العصر.

كل المفاخرة بالانجازات العلمية باطلة، لا تصدقوها، و انا أتكلم من قلب سوريا و ليس من خارجها و عمري 47 عاماً قضيتها في المجال الهندسي و أعلم أننا نشهد تراجعاً مخجلاً لدرجة أن شركات حكومية و وزراء وجدو “القالب المنزلق” تقنية تستحق التفاخر و لم يعلموا أنه في سوريا نفسها منذ فترة طويلة جداً. ربما منذ كانوا هم نفسهم أطفالاً.

نحتاج إلى وقفة من النفس قبل السخرية من الآخرين، يحتاج السوري إلى طفل يقول له إنك عاري أيها السوري…. أفق من غيبوبتك و من أوهامك فقد أصبحت في ذيل دول العالم.

أعلم أنه لن يعجبكم هذا الكلام و ستمضون في دمار البلد أشواطاً قبل أن تقتنعوا بأن التغيير ضرورة لاستمرار السوريين في الحياة.

نُشِرت في الجميع, دبوس | أضف تعليق

قمامة

لا يمكن أن تجمع القمامة أمام بيتك ثم تقضي كل وقتك في محارية الجراثيم و الأوبئة، هذا هو حال الفساد في بلادنا، بيئته الحاضنة هي القوانين البالية و الثقافة السائدة و علاقات الانتاج المتخلفة التي مازالت تحكم أسلوبنا في العمل، محاربة الفساد في ظل عدم تغيير البيئة هو كمن يحارب الجراثيم و الذباب في مكب قمامة، لا تكفي النوايا الصادقة و أقبية! أفرع الأمن و اليوميات الهزلية لمسلسل مدير عام -أعرف بعض المدراء حاولوا تطبيق ما ورد فيه بنية صادقة وهذا نوع من الهبل منهم وممن وضعهم في منصب- ، ما نحتاجه لوقف الفساد إعادة صياغة للقانون و استخدام تكنولوجيا الاتصالات و نقل المعلومات لتجفيف منابع الفساد، نحتاج صحافة حرة، و قوانين تعطي حصانة لمن يفضحه وتجّرم من يؤذي الذين يفضحونه، نحتاج مسلسلات غير هزلية بل مؤلمة تتحدث عن جذور الفساد و الكيل بمكيالين في أدياننا و في ثقافتنا اليومية و التي يتفاخر بها الشعب كله بالفساد و الرشاوي و الواسطة و خرق القوانين، لا يمكن أن يتم القضاء على الفساد في شعب يتباهى و يتبجح علناً بالحصول على مزايا خرق القوانين، و المسؤولين هم أول الشعب الذي يتفاخر بمثل هذا، القضاء على الفساد إرادة جمعية و ليست فردية نأمل أن تتولد في الصدور، و حتى ذلك الحين سنظل نتمتع بمنظر القمامة تلالاً في شوارعنا و الفاسدين يرتعون فوقها فنحن منهم وهم منّا.

نُشِرت في الجميع, دبوس | أضف تعليق